منوعات - بيئة

رئة كربلاء الخضراء

لماذا تحتاج مدينة الزيارات المليونية إلى مساحات خضراء كبرى في قلبها؟

تحتاج كربلاء، بما تشهده من توسع عمراني وحرارة مرتفعة وزيارات مليونية، إلى مساحات خضراء كبرى تؤدي وظيفة بيئية وصحية وحضرية، لا مجرد دور جمالي. فالتشجير والحدائق الواسعة تخفف الحرارة، وتوفر الظل، وتحسن جودة الهواء والراحة النفسية، وتدعم حركة الزائرين والسكان، وتقلل ضغط الكتل الإسمنتية، بما يجعل الرئة الخضراء جزءًا...

حين نتحدث عن مستقبل مدينة كربلاء، يتجه النقاش عادة إلى الطرق والجسور والأنفاق ومواقف السيارات والماء والكهرباء والخدمات المرتبطة بالزيارات المليونية، بينما تبقى المساحات الخضراء في مرتبة لاحقة، وكأنها عنصر تجميلي يمكن إضافته بعد اكتمال ما يسمى بالبنية الأساسية. غير أن التحولات المناخية وتجارب المدن والدراسات الصحية والبيئية الحديثة تقلب هذه المعادلة؛ فالحديقة الكبرى لم تعد قطعة أرض قابلة للاستغناء عنها لصالح مشروع عقاري أو تجاري، بل أصبحت جزءًا من البنية التحتية للمدينة، تؤدي وظائف تتصل بالحرارة والهواء والمياه والصحة النفسية والحركة وجودة الحياة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في كربلاء؛ فهي ليست مدينة ذات مناخ حار وجاف ونمو عمراني متسارع فحسب، وإنما مدينة تتحول في مواسم الزيارات إلى واحدة من أكثر التجمعات البشرية كثافة في المنطقة. وقد أعلنت محافظة كربلاء أن عدد المشاركين في زيارة الأربعين لعام 2026 تجاوز 22 مليون زائر، وهو رقم لا يعني وجود هذا العدد كله في مركز المدينة في وقت واحد، لكنه يكشف حجم التدفق البشري الهائل الذي تستقبله كربلاء خلال فترة محدودة، وما يترتب عليه من ضغط على الطرق والخدمات والمياه والطاقة والمساحات العامة ومناطق الاستراحة.

فهل يمكن لمدينة بهذه الحرارة والكثافة والتوسع العمراني والتدفق البشري الهائل أن تستمر في النمو من دون رئة خضراء واسعة داخل نسيجها الحضري، ومن دون شبكة مترابطة من الحدائق والممرات والأحزمة الخضراء؟

الحديقة لم تعد ترفًا

تقدم حديقة سنترال بارك في نيويورك مثالًا واضحًا على تغير مفهوم الحديقة داخل المدينة الحديثة. فهذه المساحة الخضراء الهائلة الواقعة وسط واحدة من أغلى المناطق العقارية في العالم لا تُقاس قيمتها فقط بما توفره من مكان للتنزه، وإنما بما تؤديه من وظائف مناخية وبيئية وصحية. وقد أظهرت قياسات أجراها مختبر المناخ في الحديقة خلال أيام الصيف الحارة أن المناطق الحرجية والمظللة داخلها كانت أبرد بدرجات ملموسة من الشوارع المحيطة بها، وهو ما جعل الحدائق الكبرى توصف في كثير من الدراسات بأنها تعمل بمثابة مكيفات طبيعية للمدن.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن المساحات الخضراء الحضرية ترتبط بتخفيف التعرض للحرارة المفرطة، وتقليل بعض آثار التلوث والضوضاء، وتشجيع المشي والنشاط البدني، وتعزيز التفاعل الاجتماعي، وتحسين الصحة النفسية وتقليل التوتر. وفي المقابل، تؤدي كثافة الخرسانة والإسفلت وضعف الغطاء النباتي إلى تفاقم ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية، أي ارتفاع درجة حرارة مركز المدينة مقارنة بمحيطها، نتيجة قدرة المباني والطرق والأسطح الصلبة على امتصاص الحرارة خلال النهار وإطلاقها ببطء بعد الغروب.

ومن هنا تتغير طريقة النظر إلى المساحات الخضراء؛ فهي ليست نقيض التنمية العمرانية، بل جزء منها. والشجرة الكبيرة ليست زينة تُضاف إلى المشروع بعد اكتماله، بل عنصر يؤثر في درجة الحرارة والظل والهواء وحركة المشاة وجودة المكان. كما يؤكد برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن زيادة الغطاء الشجري والمساحات الخضراء تمثل إحدى الأدوات الأساسية لإدارة الحرارة في المدن، ولا سيما في المناطق المكتظة التي تهيمن عليها الأسطح الإسفلتية والخرسانية.

كربلاء تكبر.. فهل تكبر رئتها معها؟

المشكلة الأساسية في المدن المتوسعة أن النمو العمراني لا يعني تلقائيًا نمو المساحات الخضراء بالتوازي معه. وقد رصدت دراسات جامعية حديثة التحول العمراني في كربلاء خلال العقود الماضية، وخلصت إلى أن مساحة البناء والتوسع الحضري ارتفعت بصورة كبيرة، مع توسع الأحياء والطرق والأنشطة التجارية والخدمية، وهو تطور طبيعي في مدينة يتزايد سكانها وتتضاعف أهميتها الدينية والاقتصادية.

لكن المشكلة تظهر عندما يتقدم البناء على الأرض المفتوحة بصورة أسرع من قدرة التخطيط على حماية البساتين والحدائق والممرات البيئية، وحين تتحول المدينة تدريجيًا إلى سلسلة متصلة من المباني والطرق ومواقف السيارات والأسطح الصلبة. عندها ترتفع قدرة المدينة على امتصاص حرارة الشمس وتخزينها، ويقل الظل، وتزداد الحاجة إلى أجهزة التبريد والطاقة، ويصبح المشي في أشهر الصيف أكثر صعوبة، ويتحول الخروج إلى الفضاء العام إلى تجربة مرهقة بدل أن يكون جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.

وتشير دراسة حديثة تناولت تغير الغطاء الأرضي في مركز كربلاء خلال الربع الأول من القرن الحالي إلى تراجع في بعض أنماط الغطاء الأخضر خلال السنوات الأخيرة، كما أظهرت انخفاض نصيب الفرد من المساحات الخضراء البلدية مقارنة بما تحتاج إليه مدينة ذات مناخ حار وكثافة عمرانية متزايدة. وهذه النتائج، حتى مع اختلاف طرق القياس والتصنيف، تكشف اتجاهًا ينبغي التوقف عنده: المدينة تتوسع سريعًا، بينما لا تتوسع رئتها الخضراء بالمعدل نفسه.

وهنا يصبح السؤال تخطيطيًا قبل أن يكون بيئيًا: هل يستمر التوسع ببناء المزيد من الكتل الصلبة ثم نحاول إدخال الأشجار بينها حيثما وجد فراغ محدود، أم تُحجز منذ الآن مساحات استراتيجية كبيرة لا يسمح للزحف العمراني بابتلاعها مستقبلاً؟

ماذا تقول الدراسات عن كربلاء نفسها؟

قوة هذا الموضوع أنه لا يستند فقط إلى تجارب نيويورك أو المدن الأوروبية ذات المناخ المختلف، بل توجد دراسات أجريت على كربلاء ذاتها، وبعضها تناول المنطقة المحيطة بالعتبتين المقدستين والراحة الحرارية للزائرين والمشاة.

فقد نشرت مجلة عين شمس الهندسية دراسة تناولت تأثير شكل الفراغات الحضرية في المناخ المحلي لمركز كربلاء القديم، وركزت على العلاقة بين التخطيط العمراني ودرجة حرارة الهواء وحركة الرياح والراحة الحرارية. وخلصت الدراسة إلى أن تصميم الشوارع، وارتفاع المباني، واتجاهاتها، ودرجة التظليل، وحجم الفراغات المفتوحة تؤثر بصورة مباشرة في البيئة الحرارية التي يشعر بها الإنسان أثناء الحركة داخل المدينة.

وهذا يعني أن حرارة الزائر أو المواطن الذي يمشي في كربلاء لا تحددها درجة حرارة الطقس وحدها، بل يحددها أيضًا مقدار الظل، واتجاه الشارع، وطبيعة الأسطح المحيطة، وحركة الهواء، ودرجة تعرض الجسم للشمس المباشرة. ولهذا قد يشعر الإنسان بفارق حراري واضح بين شارع مكشوف واسع وآخر مظلل بالأشجار أو المباني حتى عندما تكون درجة حرارة الجو الرسمية واحدة.

كما استخدمت دراسة أخرى برنامجًا متخصصًا في المحاكاة المناخية الحضرية لتحليل الراحة الحرارية في المنطقة المحيطة بالعتبتين والمنطقة الواقعة بينهما خلال يوم صيفي شديد الحرارة، وأظهرت أهمية إدخال الأشجار ذات الظلال الواسعة في المناطق المفتوحة ومسارات المشاة والطرق الواسعة، مع الاستفادة من الأراضي غير المبنية وبعض المساحات المستخدمة حاليًا في مواقف السيارات لتوسيع الغطاء النباتي.

وجاءت دراسة منشورة في المجلة العراقية للعلوم الزراعية لتختبر أثر التشجير بصورة أكثر مباشرة في المنطقة بين الحرمين، إذ قارنت بين الوضع القائم وبين نموذج افتراضي أضيفت إليه أشجار ذات مظلات واسعة. وأظهرت النتائج أن زيادة التشجير حسنت مؤشرات الراحة الحرارية وخفضت درجة حرارة الهواء في المحيط المدروس، ولم يقتصر الأثر على ساعات النهار، بل استمر جزئيًا بعد الغروب، حين تبدأ الأسطح الإسفلتية والحجرية بإطلاق الحرارة التي خزنتها خلال ساعات النهار.

هذه النتائج مهمة لأنها تجعل الدعوة إلى إنشاء مساحات خضراء واسعة في كربلاء قائمة على مشكلة موثقة محليًا، لا على استيراد نماذج جاهزة من مدن أخرى. كما أنها تؤكد أن التشجير ليس قضية جمالية فقط، بل أداة من أدوات إدارة المناخ الحضري.

كربلاء لا تُخطط بعدد سكانها الدائمين فقط

هناك خصوصية تجعل التخطيط التقليدي للحدائق غير كافٍ بالنسبة إلى كربلاء. فمعظم المدن تخطط شبكات النقل والمياه والخدمات والمساحات الخضراء انطلاقًا أساسًا من عدد السكان المقيمين وتوقعات الزيادة المستقبلية. أما كربلاء فلديها، إلى جانب سكانها الدائمين، أعداد ضخمة من الزائرين تتغير خلال السنة وتصل إلى مستويات استثنائية في الزيارات الكبرى.

فعندما تستقبل المدينة أكثر من عشرين مليون مشارك خلال موسم زيارة واحدة، فإن ذلك يعني أن البنية التحتية يجب أن تتعامل مع كتلة بشرية لا تقاس بعدد السكان المسجلين في المدينة فقط. والزائر لا يحتاج إلى مكان للصلاة والطعام والنقل والمبيت فحسب، بل يحتاج كذلك إلى الظل والاستراحة والهواء الأقل حرارة والمساحات المفتوحة التي تسمح بتخفيف ضغط الحشود وإراحة كبار السن والمشاة.

ومن هنا تصبح الحديقة الكبرى جزءًا من بنية الزيارة نفسها، مثلما هي جزء من بنية الحياة اليومية. فالمساحة الخضراء الواسعة يمكن أن تؤدي دور منطقة استراحة وتوزيع للحركة خلال فترات الذروة، وفي بقية السنة تبقى متنفسًا للسكان ومكانًا للنشاط البدني والاجتماعي.

وهذه وظيفة لا تستطيع الجزرات الوسطية الضيقة أو الأحواض الصغيرة المتفرقة أن تؤديها مهما كان عددها؛ فهي مهمة للمشهد الحضري، لكنها لا تعوض عن الكتلة الخضراء الكبيرة التي تستطيع أن تصنع مناخًا محليًا مختلفًا وتستوعب أعدادًا كبيرة من الناس.

لماذا نحتاج إلى مساحات كبيرة لا مجرد أشجار متفرقة؟

يمكن لعشرات الآلاف من الأشجار الموزعة على شوارع كربلاء أن تغير وجه المدينة وتوفر مساحات واسعة من الظل، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى حدائق حضرية كبيرة. فالنوعان يؤديان وظائف متكاملة؛ أشجار الشوارع توفر الظل للمشاة وتخفض التعرض المباشر للشمس وتربط أجزاء المدينة ببعضها، بينما توفر الحدائق الكبرى كتلة بيئية متصلة ذات قدرة أعلى على تعديل المناخ المحلي واستيعاب النشاط الإنساني.

ومنظمة الصحة العالمية لا تنظر إلى المساحات الخضراء باعتبارها حدائق منفصلة، بل تدعو إلى شبكات مترابطة يمكن للسكان الوصول إليها بسهولة، وتسمح بالحركة والمشي وتربط بين الأحياء والمناطق العامة.

ومن هنا تحتاج كربلاء إلى مستويين من التخضير: رئات خضراء كبرى داخل نسيج المدينة وعلى أطرافها، وشرايين خضراء تربط تلك الرئات بالأحياء والعتبات والأسواق والجامعات ومداخل المدينة. فإذا كانت الحديقة الكبرى جزيرة معزولة لا يستطيع الناس الوصول إليها بسهولة، فإن جزءًا من فائدتها يضيع، وإذا اقتصرت المدينة على أشجار متناثرة من دون كتل خضراء واسعة، فإن تأثيرها المناخي والاجتماعي يبقى محدودًا.

عندما يصبح الظل قضية صحة عامة

في مدينة حارة مثل كربلاء، لا ينبغي التعامل مع الظل باعتباره راحة إضافية، بل يمكن النظر إليه بوصفه جزءًا من الوقاية الصحية. فقد ربطت منظمة الصحة العالمية التعرض للحرارة الشديدة بزيادة مخاطر الإجهاد الحراري وأمراض القلب والجهاز التنفسي وبعض حالات الدخول إلى المستشفيات، بينما تساعد المساحات الخضراء على تخفيف التعرض المباشر للشمس وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للحركة.

وهذه المسألة تصبح أكثر حساسية بالنسبة إلى كبار السن والمصابين بالأمراض المزمنة والأشخاص الذين يسيرون لمسافات طويلة والعاملين في الهواء الطلق. فكل ممر مشاة مظلل، وكل مجموعة أشجار ذات مظلة واسعة، وكل مساحة استراحة خضراء يمكن أن تقلل مدة التعرض المباشر للشمس وتمنح الجسم فرصة لاستعادة توازنه الحراري.

كما أن الأثر النفسي والاجتماعي لا يقل أهمية. فالحدائق تتيح للإنسان الابتعاد مؤقتًا عن الضجيج وكثافة المباني وحركة المركبات، وتشجع على المشي والجلوس والتواصل الاجتماعي. وفي مدينة تشهد ضغطًا بشريًا مستمرًا في بعض مناطقها، تصبح الحاجة إلى أماكن مفتوحة هادئة أكثر أهمية.

كربلاء الخضراء لا تعني استنزاف المياه

قد يبرز اعتراض منطقي: كيف يمكن إنشاء حدائق واسعة في بيئة عراقية تواجه شح المياه وارتفاع درجات الحرارة؟ الجواب يكمن في نوع التخضير، لا في التخلي عنه. فإذا كان إنشاء المساحات الخضراء يعني مسطحات عشبية ضخمة عالية الاستهلاك للمياه ونباتات غير مناسبة للمناخ، فإن المشروع قد يتحول بالفعل إلى عبء.

أما إذا صممت رئة كربلاء بمنطق المدينة الجافة، فيمكن إعطاء الأولوية للأشجار المحلية أو الملائمة للحرارة والجفاف، ولا سيما الأنواع التي توفر مظلات واسعة مع استهلاك مائي مقبول، مع تقليل المسطحات العشبية إلى المناطق التي تؤدي فيها وظيفة فعلية، واستخدام أنظمة الري الحديثة، وتحسين التربة، وتقليل تبخر المياه.

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن المدن الواقعة في المناطق الجافة تحتاج إلى تشجير حضري مصمم وفق ظروفها البيئية، وأن الأشجار تستطيع أن تسهم في تبريد الهواء والمباني وتحسين البيئة الحضرية وتعزيز جودة الحياة إذا اختيرت الأنواع المناسبة ونظمت عمليات الري والصيانة بكفاءة.

كما يمكن دراسة استخدام المياه المعالجة، بعد التأكد من مطابقتها للمعايير الصحية والبيئية، في ري الأحزمة الخضراء والأشجار والمناطق غير المخصصة للغذاء. وهنا يمكن الربط بين ملفين غالبًا ما يعالجان بصورة منفصلة: الصرف الصحي والتخضير. فالمياه المعالجة يمكن أن تتحول، ضمن إدارة آمنة ومدروسة، من ناتج يحتاج إلى التخلص منه إلى مورد يخفف الضغط على المياه العذبة.

بستان كربلاء.. خطوة مهمة لكنها لا تكفي وحدها

توجد بالفعل مبادرات محلية تستحق البناء عليها، ومن أبرزها مشروع منتزه الميلاد المعروف ببستان كربلاء، الذي يمتد على مساحة كبيرة ويضم حدائق وأشجارًا وممرات للمشي ومرافق خدمية ورياضية. كما شهدت المحافظة حملات لزراعة آلاف الأشجار المتحملة للظروف المناخية المحلية في عدد من الشوارع والساحات والمداخل.

هذه المبادرات مهمة لأنها تكشف وجود إدراك متزايد لأهمية الغطاء الأخضر، لكنها ينبغي أن تتحول من مشروعات متفرقة إلى استراتيجية حضرية متكاملة. فالفرق كبير بين أن تمتلك كربلاء متنزهًا كبيرًا وبعض حملات التشجير، وبين أن تصبح مدينة ذات شبكة خضراء حقيقية.

فالمدينة الخضراء تحتاج إلى خريطة تحدد أين توجد الأشجار الآن، وأين ترتفع درجات حرارة السطح، وما الأحياء الأكثر افتقارًا إلى الحدائق، وأين تتركز حركة المشاة والزائرين، وما الأراضي التي ينبغي حمايتها قبل أن تتحول إلى بناء. وعندها تصبح كل حديقة وكل شارع مشجر وكل حزام أخضر جزءًا من منظومة واحدة لا مشروعًا مستقلًا ينتهي أثره بانتهاء حفل الافتتاح.

من الجزرات الخضراء إلى شبكة خضراء

المطلوب في كربلاء ليس مجرد مضاعفة عدد الأشجار، بل الانتقال إلى مفهوم البنية التحتية الخضراء؛ أي التعامل مع الحدائق والبساتين والأحزمة والممرات المشجرة والمساحات المفتوحة بوصفها شبكة مترابطة تؤدي وظائف محددة، كما تؤدي شبكات الطرق والماء والصرف وظائفها.

وفي هذا التصور يمكن للمدينة أن تضم متنزهًا حضريًا كبيرًا أو أكثر موزعًا وفق اتجاهات النمو، مع حماية ما تبقى من البساتين ذات القيمة البيئية، وربط هذه المساحات بممرات مشاة مشجرة تصل إلى الأحياء ومراكز الزيارة والجامعات والمؤسسات العامة.

كما يمكن تحويل بعض طرق الزائرين الرئيسية إلى ممرات أكثر ملاءمة للمناخ، تعتمد الأشجار المتواصلة ومناطق الاستراحة والمياه والخدمات، بدل أن تبقى مساحات إسفلتية مكشوفة بالكامل. فالمشي تحت الأشجار لعدة كيلومترات يختلف جذريًا عن المشي في شارع مفتوح تحت شمس الصيف.

الأرض غير المبنية ليست أرضًا ضائعة

ربما تكون هذه هي الفكرة الأصعب في التخطيط الحضري؛ ففي قلب المدينة ترتفع أسعار الأراضي إلى حد يجعل كل مساحة فارغة هدفًا محتملًا للبناء والاستثمار. ويبدو منطق السوق بسيطًا: الأرض التي لا تحمل مبنى لا تحقق أعلى عائد مباشر.

لكن هذا الحساب يغفل أن بعض أكثر الأراضي قيمة للمدينة هي تحديدًا تلك التي لا تُبنى. فالحديقة لا تبيع شققًا ولا تؤجر مكاتب، لكنها تخفض الحرارة، وتوفر الظل، وتشجع المشي، وتحسن الصحة النفسية والبدنية، وتخفف بعض مياه الأمطار، وتوفر فضاءً اجتماعيًا، وترفع جودة الحياة وقيمة المناطق المحيطة بها.

ولهذا تؤكد منظمة الصحة العالمية أن تقييم المساحات الخضراء يجب ألا يقتصر على سعر الأرض أو مردودها التجاري، بل ينبغي أن يشمل قيمتها الصحية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية غير المباشرة.

وتصبح هذه الفكرة أكثر أهمية في كربلاء لأن الأراضي الواقعة داخل المدينة تتعرض لضغط عمراني وتجاري متصاعد، بينما يصعب إعادة إنتاج الفراغ بعد اختفائه. فإذا تحول كل فضاء كبير اليوم إلى بناء، فقد تضطر الأجيال القادمة إلى دفع كلفة هائلة لاستعادة مساحات كان يمكن حمايتها منذ البداية.

والتخطيط بعيد المدى لا يسأل فقط: ماذا يمكن أن نبني على هذه الأرض اليوم؟ بل يسأل أيضًا: ما الأرض التي ينبغي ألا نبني عليها حتى تبقى المدينة قابلة للحياة بعد خمسين عامًا؟

مشروع رئة كربلاء يحتاج إلى أهداف قابلة للقياس

التحول الحقيقي يبدأ عندما تصبح المساحات الخضراء هدفًا تخطيطيًا واضحًا لا شعارًا عامًا. والمطلوب إجراء مسح دوري للغطاء الشجري والحدائق والبساتين والمساحات العامة في كربلاء، وربطه بخريطة درجات حرارة السطح وكثافة السكان ومسارات المشاة والزائرين.

وبذلك يمكن تحديد الأحياء الأكثر حرارة والأقل تشجيرًا، وإعطاؤها الأولوية، بدل توزيع الأشجار بالتساوي من دون النظر إلى حجم الحاجة.

كما ينبغي التمييز بين عدد الأشجار التي تزرع وبين عدد الأشجار التي تبقى حية بعد سنوات. فإعلان زراعة آلاف أو ملايين الشتلات لا يكفي إذا مات جزء كبير منها بعد موسمين. والمؤشر الحقيقي للنجاح هو نسبة البقاء، ومساحة الظل التي توفرها، ومقدار الغطاء الشجري بعد خمس وعشر سنوات، وكفاءة استخدام المياه.

وهذا يعني أن موازنة التشجير يجب ألا تقتصر على شراء الشتلات وغرسها، بل تشمل الصيانة والري والتقليم ومراقبة التربة واستبدال الأشجار الميتة.

من مدينة تستقبل الملايين إلى مدينة تستوعبهم بيئيًا

نجاح كربلاء في إدارة الزيارات المليونية لا ينبغي أن يقاس فقط بانسيابية المركبات وعدد مواقف السيارات وكميات النفايات المرفوعة وقدرة المواكب والمستشفيات على تقديم الخدمات، على أهمية كل ذلك. المرحلة المقبلة تقتضي أن تدخل الراحة المناخية وجودة الفضاء العام ضمن مقاييس نجاح المدينة.

فالزائر الذي يصل إلى كربلاء سيرًا ليس مجرد رقم في خطة للحشود، وإنما إنسان يتعرض للحرارة والإرهاق ويحتاج إلى الظل والاستراحة والماء. والسكان الذين يعيشون في المدينة طوال العام ينبغي ألا يدفعوا ثمن الاستعداد للزيارات عبر مزيد من الإسفلت والطرق على حساب المساحات المفتوحة، بل يمكن تصميم البنية الخضراء بحيث تخدم الاثنين معًا: المواطن والزائر، الأيام العادية ومواسم الذروة.

ومن هذه الزاوية يمكن لكربلاء أن تقدم نموذجًا مختلفًا للمدن الدينية المليونية: مدينة تستوعب الحشود ليس فقط بالبنية الخرسانية، وإنما ببنية طبيعية موازية؛ حدائق كبيرة، وممرات مظللة، وأشجار ممتدة على مسارات المشاة، ومساحات استراحة، وأحزمة تحد من آثار البيئة الصحراوية، ومياه معالجة يعاد استخدامها في الري.

الاستثمار الذي تظهر نتائجه بعد عقود

هناك مشاريع تُنجز في سنة وتظهر نتائجها سريعًا، لكن الشجرة الكبيرة تحتاج إلى سنوات. ولهذا فإن أخطر خطأ يمكن ارتكابه هو تأجيل التخضير إلى ما بعد اكتمال بقية المدينة، لأن المدينة لا تكتمل أصلًا، والنمو العمراني سيستمر، بينما تحتاج الأشجار التي نريد أن نستظل بها في المستقبل إلى أن تُزرع اليوم.

وتكشف تجارب المدن الكبرى أن الحفاظ على الحدائق الواسعة لا يحافظ على البيئة فحسب، بل يحفظ أصلًا حضريًا تزداد قيمته بمرور الزمن. ولا تحتاج كربلاء إلى استنساخ تجربة سنترال بارك؛ فالمناخ والهوية والموارد والوظيفة مختلفة. لكنها تستطيع أن تستفيد من الفكرة الجوهرية: أن تترك المدينة في قلبها مساحة كبيرة للطبيعة، حتى عندما تصبح تلك الأرض من أغلى الأراضي فيها.

وهذه هي نقطة التحول المطلوبة في التفكير بكربلاء: ألا ننظر إلى الشجرة باعتبارها ما يتبقى بعد الانتهاء من المباني والطرق، بل إلى المباني والطرق والمساحات الخضراء بوصفها أجزاء متساوية من مدينة واحدة.

الخلاصة.. كيف تتنفس كربلاء؟

يمكن تحويل فكرة «رئة كربلاء الخضراء» من عنوان إلى برنامج حضري طويل المدى يقوم على إنشاء مساحات خضراء كبرى وحمايتها قانونيًا من التحول العمراني، وربطها بشبكة من الممرات المشجرة والحدائق الصغيرة داخل الأحياء، وإعداد خريطة حرارية وخضراء تحدد المناطق الأكثر حاجة إلى التشجير، واعتماد أنواع نباتية ملائمة للمناخ الجاف، وربط التخضير بإدارة المياه واستخدام المياه المعالجة بصورة آمنة، وإدخال حركة الزائرين ضمن حسابات المساحات الخضراء، وقياس نجاح المشروعات بمقدار الغطاء الأخضر المستدام لا بعدد الشتلات التي تزرع سنويًا.

إن كربلاء التي تخطط اليوم لملايين الزائرين ومئات آلاف المركبات ومزيد من الأحياء والطرق، تحتاج إلى أن تخطط بالجدية نفسها لملايين الأمتار المربعة من الظل والخضرة. فالمدينة لا تتنفس عبر شوارعها وحدها، ولا تصبح أكثر قدرة على الحياة بكثرة ما تبنيه فقط، وإنما أيضًا بما تمتلك الشجاعة لأن تتركه من دون بناء.

ولذلك فإن مشروع الرئة الخضراء لكربلاء ليس مشروع حديقة كبيرة فحسب، بل اختيار لطبيعة المدينة التي نريدها في المستقبل: مدينة تزداد عمرانًا من دون أن تختنق، وتستقبل الملايين من دون أن تتحول بالكامل إلى إسفلت وخرسانة، وتنمو اقتصاديًا وخدميًا من دون أن تفقد حق سكانها وزائريها في الظل والهواء والمكان المفتوح.

وربما يكون الاستثمار الأكثر بقاءً اليوم هو أن نزرع ما سيجلس في ظله أبناء كربلاء وزائروها بعد عقود، وأن نحفظ لهم داخل المدينة مساحة تستطيع أن تتنفس فيها كربلاء نفسها.

.........................................

المصادر:

- منظمة الصحة العالمية: المساحات الخضراء والصحة الحضرية والحرارة.

- برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية: إدارة الحرارة والبنية التحتية الخضراء.

- منظمة الأغذية والزراعة: التشجير الحضري في البيئات الجافة وإدارة المياه.

- محافظة كربلاء المقدسة: أعداد زائري الأربعين ومشروعات التشجير وبستان كربلاء.

- مجلة عين شمس الهندسية: أثر الشكل الحضري والتظليل في المناخ المحلي والراحة الحرارية في مركز كربلاء.

- المجلة العراقية للعلوم الزراعية: أثر التشجير في خفض الحرارة وتحسين الراحة الحرارية في منطقة بين الحرمين.

- دراسات جامعية عراقية: التوسع العمراني وتغير الغطاء الأخضر في كربلاء.

- مختبر المناخ في حديقة سنترال بارك: أثر المساحات الخضراء الواسعة في تبريد المدن.

اضف تعليق