لم تعد الكلاب السائبة قضية خدمية عابرة أو شأنًا بلديًا محدودًا، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في حماية أرواح مواطنيها وتطبيق القوانين النافذة بفاعلية. فكل تأخير في تبني حلول جذرية، وكل تهاون في برامج الوقاية والتوعية، قد يعني مأساة جديدة كان بالإمكان تجنبها...

أعادت وفاة الشاب العراقي حمزة باراني شمشير (36 عامًا) متأثرًا بعضة كلب سائب في العاصمة بغداد، ملف الكلاب السائبة إلى واجهة النقاش العام، وسط موجة غضب وقلق اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس حجم الخطر الصحي والاجتماعي الذي بات يهدد حياة المواطنين في أكثر من محافظة.

الحادثة لم تكن معزولة، بل جاءت لتسلط الضوء على مشكلة مزمنة تتكرر دون حلول جذرية واضحة. ورغم تلقي الضحية المصل المضاد، فإن ظهور الأعراض السريرية الكاملة لداء الكلب في أيامه الأخيرة يؤكد خطورة المرض وسرعة تطوره، خصوصًا في حال التأخير أو الخلل في الإجراءات الوقائية والعلاجية.

ولا تختلف قصة حمزة كثيرًا عن حكايات أخرى لمواطنين بسطاء، مثل العامل عدنان حسن الذي خرج فجرًا بحثًا عن عمل في منطقة الباب الشرقي ببغداد، قبل أن يتعرض لهجوم مفاجئ من كلب سائب، انتهى بعضة غائرة في ساقه، ليجد نفسه بين أروقة المستشفى بدلًا من العودة بلقمة عيش لأسرته. هذه الوقائع اليومية تكشف جانبًا إنسانيًا قاسيًا لظاهرة باتت تمس الأمن الصحي والاجتماعي في آنٍ واحد.

وتشير تقارير صحفية إلى تسجيل هجمات متكررة طالت أطفالًا وشبابًا في بغداد ومحافظات أخرى، من بينها حادثة اعتداء كلب سائب على طفل مراهق في منطقة الحبيبية، تسببت بقضم جزء من شفاهه، فضلًا عن تحذيرات أطلقتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في محافظة البصرة، وصفت فيها خطر الكلاب السائبة بأنه من “الدرجة الحمراء”، في ظل تصاعد الشكاوى الشعبية.

على المستوى الرسمي، أكدت وزارة الصحة العراقية أن داء الكلب ما يزال من أخطر الأمراض الفيروسية المرتبطة بعضات الكلاب السائبة، مشيرة إلى تسجيل 20 إصابة مؤكدة خلال عام 2023، بأعمار تراوحت بين أربع سنوات و44 عامًا، في مختلف المحافظات، بما فيها إقليم كردستان. كما سبق للوزارة أن أعلنت في إحصائية عام 2022 عن تسجيل نحو 900 إصابة، كانت محذرة من الانتشار الواسع للكلاب السائبة داخل المدن.

ورغم توفر اللقاح الوقائي في المؤسسات الصحية، إلا أن فاعليته تبقى مرتبطة بسرعة مراجعة المصاب للمراكز الصحية خلال الساعات الأولى بعد العضة، وهي مرحلة حاسمة غالبًا ما يستهان بها، إما بسبب ضعف الوعي المجتمعي أو بعد المراكز الصحية، ما يحول حادثة قابلة للاحتواء إلى تهديد حقيقي للحياة.

في المقابل، تكشف إحصائيات أمانة بغداد حجم المشكلة وتعقيدها؛ إذ أعلنت عن تنفيذ 1562 حملة لمكافحة الكلاب السائبة خلال أحد عشر شهرًا من عام 2025، أسفرت عن إبادة 19,386 كلبًا في مختلف مناطق العاصمة، بالتنسيق مع وزارة الداخلية ودائرة البيطرة. وعلى الرغم من هذه الأرقام، فإن استمرار الظاهرة يثير تساؤلات جدية حول فاعلية المعالجات المتبعة وقدرتها على الحد من تكاثر الكلاب السائبة بصورة مستدامة.

قانونيًا، يحمل قانون الصحة الحيوانية المحافظات مسؤولية الإشراف على حملات مكافحة الحيوانات السائبة، عبر لجان تضم دوائر الصحة والبلدية والزراعة والبيئة والشرطة، مع صلاحيات واضحة للتعاقد مع مختصين وتنفيذ الإجراءات اللازمة. غير أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي ما تزال قائمة، في ظل شكاوى المواطنين من غياب الحلول الدائمة والاكتفاء بإجراءات موسمية لا تمنع تكرار الحوادث.

رأيي، إن التعامل مع ظاهرة الكلاب السائبة في العراق ما يزال محصورًا في إطار ردود الأفعال، حيث تتحرك الجهات المعنية غالبًا بعد وقوع المآسي، لا قبلها. ورغم الإعلان المتكرر عن حملات إبادة وأرقام كبيرة، إلا أن استمرار الإصابات والوفيات يكشف خللًا واضحًا في الرؤية الشاملة، وغياب برامج وقائية مستدامة تقوم على التلقيح، والتعقيم، وتنظيم البيئة الحضرية. إن الاكتفاء بالحلول المؤقتة لا يعفي الجهات المسؤولة من واجبها القانوني والأخلاقي في حماية صحة المواطنين، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة.

لم تعد الكلاب السائبة قضية خدمية عابرة أو شأنًا بلديًا محدودًا، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في حماية أرواح مواطنيها وتطبيق القوانين النافذة بفاعلية. فكل تأخير في تبني حلول جذرية، وكل تهاون في برامج الوقاية والتوعية، قد يعني مأساة جديدة كان بالإمكان تجنبها. إن حماية الإنسان يجب أن تبقى أولوية لا تقبل التأجيل، لأن الوقاية أقل كلفة من الفقدان، ولأن حياة واحدة كفيلة بكشف حجم التقصير.

اضف تعليق