إن الإمام المهدي (عج) حاضر في وعي المؤمنين، ومشروعه حي في ضمائرهم. والظهور، وفق منطق أهل البيت (عليهم السلام)، ليس حدثًا منفصلًا عن سلوك الأمة، بل نتيجة لمسار طويل من الوعي والاستعداد. ومن كان صادقًا في ولايته، ومخلصًا في عمله، فلن يتردد في طاعته، لأن القلوب التي تربت على العدل...

تحتل ذكرى ولادة بقية الله في أرضه، الإمام الحجة بن الحسن المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، مكانةً خاصة في الوجدان الشيعي، بوصفها امتدادًا لمسار الإمامة الإلهية، وحلقةً حاضرة في مشروع الهداية، وإن غاب شخص الإمام عن الأنظار. وفي كل عام، تتجدد مظاهر الفرح والدعاء، ويتكرس الارتباط الروحي بفكرة الانتظار، بما تحمله من أمل ووعد إلهي بإقامة العدل.

غير أن التأمل في فلسفة الانتظار، كما أرستها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يدفعنا إلى طرح سؤال هادئ لكنه عميق: هل نحن، في زمن الغيبة، نتهيأ فعليًا لطاعة الإمام المهدي (عج) حين يظهر، أم نكتفي بانتظاره بوصفه حدثًا مؤجلًا؟

هذا السؤال لا ينطلق من تشكيك، بل من فهمٍ شيعي أصيل لمعنى الغيبة. فالإمام، بحسب العقيدة، لم يغِب نفسه عن الأمة عبثًا، ولم تكن الغيبة انقطاعًا عن الهداية، بل امتحانًا طويل الأمد لصدق الولاء، وجدية الاستعداد، وقدرة المجتمع على التهيؤ للعدل قبل قيامه الشامل.

التاريخ بما يحمله من تجارب مع الأئمة (عليهم السلام)، يقدم دروسًا واضحة. فقد عاصر كثيرون الأئمة، وعرفوا مقاماتهم، لكن المعرفة وحدها لم تكن كافية لضمان النصرة أو الطاعة. المشكلة لم تكن في وضوح الإمام، بل في ثقل المشروع الذي يحمله، وفي صعوبة الالتزام حين يصبح الحق مكلفًا، لا مجرد شعار.

في هذا السياق، لا بد من إعادة النظر في الصورة الذهنية التي ترسخت عن الإمام المهدي (عج). فالإمام المنتظر ليس مشروعًا عاطفيًا يكتفي بترميم الواقع، بل مشروع إصلاحي جذري، يعيد ترتيب القيم، ويقيم ميزان العدل الإلهي بلا محاباة. وقد ورد في الروايات الشريفة أنه “يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الجاهلية”، في إشارة واضحة إلى أن الإصلاح المهدوي يبدأ من الجذور، لا من القشور.

ماذا لو كان أول ميادين الإصلاح هو الداخل الشيعي نفسه؟

وماذا لو كانت العدالة المهدوية تبدأ بتصحيح المفاهيم، وتنقية السلوك، ومواجهة الانحراف أينما وجد، دون اعتبار للأسماء أو العناوين؟

إن هذه الأسئلة لا تقلل من شأن الانتظار، بل تعمقه. فالمنتظر الحقيقي، كما جاء في الروايات، ليس من يكثر الدعاء فقط، بل من يكون ورعًا في سلوكه، مستقيمًا في مواقفه، صادقًا في ولايته. الانتظار، بهذا المعنى، حالة أخلاقية يومية، لا علاقة زمنية مع حدث مستقبلي فحسب.

وفي زمن تتعدد فيه التحديات، وتتداخل فيه الشعارات مع المصالح، تصبح مسؤولية الشيعة في عصر الغيبة أكبر. فغياب الإمام (عج) لا يعفي الأمة من واجب التهيئة، بل يحملها مسؤولية أن تكون على مستوى المشروع الذي تنتظره. وكلما اقترب المجتمع من قيم العدل والصدق والنزاهة، كان أقرب إلى فهم الإمام وطاعته حين يظهر.

من هنا، تتحول ذكرى النصف من شعبان إلى أكثر من مناسبة احتفالية. إنها محطة مراجعة، وفرصة لتجديد العهد، وسؤال صريح للذات: هل ننتظر الإمام ليغير العالم، أم نعمل على تغيير أنفسنا ليكون العالم مهيأً لاستقباله؟

إن الإمام المهدي (عج) حاضر في وعي المؤمنين، ومشروعه حي في ضمائرهم. والظهور، وفق منطق أهل البيت (عليهم السلام)، ليس حدثًا منفصلًا عن سلوك الأمة، بل نتيجة لمسار طويل من الوعي والاستعداد. ومن كان صادقًا في ولايته، ومخلصًا في عمله، فلن يتردد في طاعته، لأن القلوب التي تربت على العدل، تعرف حجة الله حين يتجلى.

نبقى، في ذكرى ولادته المباركة، على العهد في ولايته، والدعاء بتعجيل فرجه الشريف، والعمل بما يرضيه في زمن غيبته، سائلين الله أن يجعلنا من المنتظرين الصادقين، وأن يرزقنا شرف النصرة والطاعة.

اضف تعليق