مسألة المذكرات كانت في بداية مسيرتي البحثية عائقاً في بعض الجوانب والخفايا، إذ كنت أبحث عن تساؤلات عدة لم أجدها في المصادر التاريخية والدراسات الأكاديمية المتناولة شخصية عبد الأمير الأزري، إلا أن هذا العائق شكل حافزاً لدي لقراءة مصادر متنوعة والبحث بين صفحات الجرائد للحصول على مواقفه وآثاره في المناصب...

في دهاليز تاريخ العراق المعاصر، تبرز أسماء ملأت الدنيا صخباً سياسياً، لكن بين تلك السطور، ثمة شخصيات صامتة بإنتاجها، صاخبة بإنجازاتها، لعل أبرزها المهندس والوزير عبد الأمير الأزري. هذا الرجل الذي لم يبع نفسه للأحزاب، ولم تستهوهِ الشعارات الرنانة، ظل وفياً للغة الأرقام والمساطر الهندسية حتى في ذروة الأزمات السياسية.

في رحاب كلية التربية بجامعة المستنصرية، وبإشراف الأستاذ الدكتور فهد امسلم الفجر، خاضت الباحثة زهراء خضير عبيس مغامرة بحثية شاقة لاستنطاق سيرة الأزري وأثره السياسي والخدمي الممتد حتى عام 1997. لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ إذ واجهت الباحثة "جدار صمت" عائلياً وفجوات وثائقية في أرشيف الوزارات، لكنها نجحت في ترميم هذه السيرة من خلال الصحف القديمة ومحاضر البرلمان.

في هذا الحوار، نكشف مع الباحثة زهراء خضير تفاصيل رحلتها في تعقب أثر الأزري، من قاعات جامعة إلى سدود الحبانية والثرثار، وصولاً إلى سنوات المنفى الطويلة.

بدايةً، لماذا الأزري تحديداً؟ في ظل وجود شخصيات سياسية صاخبة في العهد الملكي، ما الذي جذبكِ لشخصية عبد الأمير الأزري التي غلب عليها الطابع التكنوقراطي (الهندسي) أكثر من السياسي البحت؟

يعد عبد الامير الازري من ابرز الشخصيات البارزة في العهد الملكي ( 1921-1958) على المستوى السياسي والثقافي والهندسي اذ كان الهدف من دراستهُ التعمق والبحث بين طيات المصادر التاريخية لمعرفة اسهاماته واثره في تاريخ العراق المعاصر خاصة انه ينتمي الى ابرز الاسر البغدادية المعروفة آنذاك، من جانب اخر لم يكن عبد الامير الازري ينتمي الى أي حزب او جهة سياسية اذ طوال تواجده في العراق لم يسعى الى تشكيل حزب اذ لم تسجل الرسمية المحفوظة في دوائر العراق ومنها دار الكتب الوثائق الوطنية وحتى الصحف المحلية انتمائه سياسيا وهذا الامر يعد مرتكزا اساسيا للكتابة عن شخصية محايدة في وقت كانت الاحزاب والجمعيات السياسية كثيرة ومتصارعة فيما بينها لجذب السياسيين البارزين اليها. 

عقبة المذكرات: ذكرتِ في مقدمتكِ امتناع ورثة الأزري عن تزويدكِ بمذكراته الشخصية. كيف أثر هذا الغلق العائلي على مسار بحثكِ؟ وهل تعتقدين أن غياب المذكرات جعلكِ أكثر تحرراً وحيادية في التحليل؟

مسألة المذكرات كانت في بداية مسيرتي البحثية عائق في بعض الجوانب والخفايا اذ كنت ابحث عن تساؤلات عدة لم اجدها في المصادر التاريخية والدراسات الاكاديمية المتناولة شخصية عبد الامير الازري الا ان هذا العائق شكل حافز لدي لقراءة مصادر متنوعة والبحث بين صفحات الجرائد للحصول على مواقفه واثاره في المناصب التي تولاها ، يعد هذا الامر طفرة هامة في الكتابة عن شخصية اذ وجدت ضالتي بنسبة كبيرة بين الجرائد ومحاضر مجلس الامة (النواب والاعيان) التي تعد شاهد عيان في الوقت آنذاك اذ كانت تتناقل اعماله ولقاءاته واسهاماته وحتى اراءه ومن رأيي الاعتماد على هذه المصادر افضل بكثير من ان اكون اسيرة مذكراته.

الفجوة الوثائقية: واجهتِ صعوبة في الوصول للملف التقاعدي ووثائق بعض الوزارات. ما هي الخطة البديلة التي اتبعتها لترميم الثغرات التاريخية في سيرة الأزري دون الإخلال بالمنهج العلمي؟

عادة ان الباحث في تاريخ العراق المعاصر يواجه صعوبات جمة اذ لم تكن الكثير من الدوائر الحكومية والوزارات متعاونة في اظهار الوثائق ومنها اذكر (هيأة التقاعد الوطنية ، وزارة الموارد المائية ووزارة النقل والمواصلات) اذ لم اجد وثيقة واحدة خاصة بملف عبد الامير الازري اذ تحججت في فقدانها وهذا الامر شكل صعوبة في بداية كتابة الرسالة الا انني بتوجيهات مشرفي الفاضل الاستاذ الدكتور فهد امسلم الفجر وبعد البحث والقراءة تمكنت من ملئ هذه الفجوة من خلال الاعتماد على الكتب المختصة لوزراء الحقبة الملكية والكتب الوثائقية فضلا عن الاعتماد على بعض اجابات ابناءه من خلال الاسئلة التي طرحتها لهم عن طريق تواصلي معهم عبر برنامج الواتساب . 

أثر الاغتراب: درس الأزري الهندسة في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الماضي. كيف انعكست هذه التجربة الغربية مبكراً على عقليته الإدارية عند عودته للعراق؟ وهل كان صدامه مع الواقع الخدمي صدمة حضارية له؟

تعد تجرية دراسة عبد الامير الازري في الولايات المتحدة الامريكية تجربة ذات اثر مهم وكبير لأنه الطالب الوحيد من ضمن دفعته الذي اختار دراسة الهندسة على الرغم من الصعوبات التي لاقاها الا انه تخرج من جامعة ميشيغان بمعدل عالِ ومؤهلات مكنتهُ في النهوض بالواقع الخدمي لبلده، فضلا عن ذلك انه نجح في تولي مناصب عدة في وزارة المواصلات والاشغال وبالتحديد في مديرية الري ومن ثم الوزارة ذاتها ويمكن عد تجربته فيها تجربة فعالة واثر ملموس في الواقع.

غالباً ما يوصف المهندسون في السلطة بالصرامة العملية. كيف استطاع الأزري التوفيق بين لغة الأرقام والمشاريع وبين المناورات السياسية داخل مجلس النواب والأعيان؟

حضر عبد الامير الازري عشرات جلسات مجلس الامة (الاعيان والنواب) طوال مدة تواجده في وزارة المواصلات والاشغال ثلاث سنوات وكان له نصيب كاف ِ في الاجابة عن تساؤلات النواب واقناع الاخرين منهم في امرار عشرات اللوائح القانونية الخاصة بمشاريع الري كمشروع الحبانية مثلا، اذ كانت له رؤية واضحة اتجاه ما كان يحدث والذي حدث في ذلك الوقت.

ارتبط اسم الأزري بمشاريع كبرى مثل (الثرثار والحبانية). برأيكِ، هل كان الأزري مجرد منفذ إداري أم كان صاحب رؤية في مواجهة كوارث الفيضانات التي كانت تهدد بغداد آنذاك؟

يعد مشروعان الري الحبانية والثرثار من المشاريع الهامة والمفصلية في تاريخ العراق الحديث والمعاصر اذ ان بداية تنفيذهما كانت في العهد العثماني الاخير وافتتاحهما في العهد الملكي ، واجه هذان المشروعان عوائق عدة بدءً من قيام الحرب العالمية الاولى ( 1914-1918) ومن ثم الحرب العالمية الثانية ( 1939-1945) مما ادى بإيقاف العمل بهما مرات عدة وكان رأي عبد الامير الازري الذي كان يشغل منصب وزير المواصلات والاشغال آنذاك بعد انتهاء الحرب الاخيرة في اعادة العمل واكمالهما لأهميتهما الكبيرة في درء اخطار الفيضانات وخاصة نهر دجلة اذ كانت فيضاناته اعنف وادمر من فيضانات نهر الفرات وعلى الرغم من اعتراض بعض نواب مجلس الامة في امرار لائحة تعديل مشروع الحبانية الا ان الازري كان مصر على امرارها وتم له ما اراد بعد انعقاد جلسات عدة والاجابة من قبله على استفسارات النواب التي طرحت داخل المجلس.

بصفتكِ باحثة، كيف تقيمين تجربة الأزري كعضو إجرائي في مجلس الإعمار؟ وهل تعتقدين أن تجربة ذلك المجلس هي العصر الذهبي الذي لم يتكرر في تاريخ العراق الحديث؟

يعد مجلس الاعمار من اهم وابرز ما انتجه العهد الملكي وكان لاختيار عبد الامير الازري عضوا اجرائيا فيه ذات اختيار صائب نتيجة ما يحمله من خبرة في شؤون الري والمواصلات واطلاعه على المشاريع الكبرى فضلا عن المؤهلات العلمية التي كان يحملها لذلك من رأيي كباحثة ان هذه التجربة تحسب للأزري نتيجة ما قدمة من نصح ومشورة طوال جلسات مجلس الاعمار اذ لم يمل او يتهاون في اعطاء رايه بكل صرامة ووضوح في المشاريع التي بحاجة البلاد اليها فضلا عن ذلك كان له دور في الاطلاع على اعمال المشاريع على ارض الواقع من خلال زياراته الميدانية التي اجراها من جانب اخر كانت له زيارات خارج البلاد بأمر من رئيس المجلس والاعضاء لإيفاد المهندسين والخبراء المطلوبين ، لذلك ان هذه التجربة لها اثر هام في مسيرة عبد الامير الازري السياسية.

الدبلوماسي في طهران: كانت مهمته في طهران (1956-1958) حساسة جداً. كيف أدار الأزري ملفات شائكة مثل شط العرب وجزر البحرين؟ وهل كان له دور في التنبؤ بانهيار العهد الملكي من خلال موقعه الدبلوماسي؟

ان تواجد عبد الامير الازري في طهران لأشغال منصب الدبلوماسية خلال ( 1956- 1958 ) تعد من المدد العسيرة والاوقات المتوترة بين البلدين (العراق وايران) وخاصة من المعروف ان شاه ايران محمد رضا بهلوي صعب التفاهم معه نتيجة تصلبه بقراراته وآرائه التي يصدرها لذلك عندما تم ابلاغ الازري في اختياره دبلوماسيا في طهران كان رافض بشكل قطعي لان لديه رؤية واضحة عما تعاني منها السفارة العراقية في ايران وبالفعل واجه عبد الامير الازري مصاعب عدة خلال تواجده فيها وخاصة في قضية مشكلة شط العرب المشكلة القائمة بين البلدين لعشرات السنوات ، على الرغم من ان وثائق وزارة الخارجية تذكر ان عبد الامير الازري كان له لقاءات مثمرة مع وزير الخارجية الايراني آنذاك ورئيس الوزراء للتباحث حول قضية شط العرب والاتفاق على عقد اتفاقية بينهما الا ان الجانب الايراني كان واضح عليه التمهل والمماطلة طوال الثلاث سنوات وحتى قيام ثورة 14 تموز 1958 لم تحل هذه المشكلة، اما فيما يخص تبؤه لم اجد خلال اطلاعي على الوثائق والجرائد العراقية والفارسية ان الازري كان يتوقع حدوث من هكذا امر.

نهاية الرحلة: توفي الأزري في لندن عام 1997، بعيداً عن العراق بقرابة أربعة عقود. كيف قضى رجل العهد الملكي سنواته الطويلة في المنفى؟ وهل ظل مشتبكاً مع الشأن العراقي أم آثر العزلة؟

بحسب ما ذكرت المصادر التاريخية وايضا ما ذكروه اولاد عبد الامير الازري انه سافر مباشرة من طهران الى بيروت بعد ان اطمأن على عائلته خرجت بسلام من بغداد واستقر في بيروت وظل ما يقارب عشرون عاما وثم في عام 1982 سافر الى لندن مع عائلته وعائلة اخيه عبد الكريم الازري ، كان يأتي زيارة عائليه الى بغداد طوال هذه المدة حتى وفاته عام 1997 ولم اجد أي مصدر يشير الى رجوعه للسلطة او مشاركته في أي حدث من الاحداث التي جرت في العراق آنذاك ايضا نتيجة اخفاء مذكراته كان من الصعب علي التعرف على موقفه من انهيار الحكم الملكي وما جرى بعدها من انقلابات عسكرية.

كلمة أخيرة: لو أتيحت لكِ فرصة لقاء الأزري اليوم، ما هو السؤال الذي كنتِ ستطرحينه عليه ولم تجدي إجابته في الوثائق؟

طوال مدة كتابتي للرسالة والبحث بين طيات المصادر كان يدور في ذهني أسئلة عديدة اتجاه عبد الامير الازري أرزها: 

_ ما رأيه الصريح في حكم العائلة الهاشمية الملكية؟ 

_ ما السبب في عدم مشاركته لاي حزب سياسي آنذاك؟ 

_ ما موقفه ورأيه اتجاه الحكومات التي حكمت العراق بعد ثورة 14 تموز 1958؟ 

في ختام هذا الإبحار الممتع في ذاكرة العراق الملكي، لا يسعنا إلا أن نتقدم بوافر الشكر والتقدير للباحثة زهراء خضير عبيس، التي لم تكتفِ بتقديم جهد أكاديمي جاد في أروقة جامعة المستنصرية، بل أعادت إحياء نموذج "الموظف الدولة" والمهندس النزيه في وجدان القارئ.

لقد أثبتت الباحثة من خلال تتبعها لسيرة عبد الأمير الأزري أن التاريخ لا يكتبه الساسة وحدهم، بل تبنيه سواعد المهندسين الذين صمدت مشاريعهم (كالثرثار والحبانية) في وجه الزمن، تماماً كما صمد بحثها أمام عقبات الوثائق المفقودة والمذكرات المحجوبة.

شكراً لزهراء خضير على هذا النفس البحثي الطويل، وعلى كشفها لزوايا غير مطروقة من حياة رجل آثر العزلة بكرامة بعد أن قدّم لوطنه خلاصة عقله وهندسته. نتمنى لها مزيداً من العطاء في رفد المكتبة التاريخية العراقية بهذه الكنوز المعرفية.

اضف تعليق