لم تغيّر التكنولوجيا الصداقة بقدر ما كشفت هشاشتها الأصلية، لقد نزعت عنها الأوهام الرومانسية، ووضعتها أمام سؤالها الحقيقي: هل الصداقة علاقة حضور أم علاقة معنى؟ وإذا كان المعنى هو الأساس، فهل يمكن بناؤه في عالم يختزل الإنسان إلى شاشة؟ فالصداقة في العصر الرقمي لم تمت، لكنها أصبحت...
لم تكن الصداقة يومًا مجرّد علاقة اجتماعية عابرة، بل كانت دائمًا سؤالًا فلسفيًا عن القرب، والآخر، والمعنى. ومع دخول التكنولوجيا إلى تفاصيل حياتنا اليومية، لم يتغيّر شكل الصداقة فقط، بل تغيّر فهمنا لها من الأساس: من هو الصديق؟ وكيف نقيس قربه؟ وهل القرب مسافة أم شعور؟
والصداقة، في جوهرها الفلسفي، ليست علاقة تواصل، بل علاقة اعتراف. هي أن يرى الإنسان نفسه منعكسة في الآخر دون أن يفقد فرادته. غير أن التكنولوجيا، حين دخلت وسيطًا بين الذوات، لم تكتفِ بتغيير شكل الصداقة، بل أعادت صياغة شروط إمكانها: كيف نكون أصدقاء في عالم تُدار فيه العلاقات عبر الخوارزميات؟
وكان مفهوم الصداقة في الفلسفة القديمة، خصوصًا عند أرسطو، فعل مشاركة في الحياة؛ أي مشاركة الزمن، الفعل، والخبرة، إذ إنَّ الصديق ليس من نتحدث إليه، بل من نعيش معه معنى العيش. أمّا في العصر الرقمي، فقد انفصلت الصداقة عن التجربة، وأصبحت علاقة قائمة على التبادل الرمزي: رسالة، صورة، تفاعل. هنا تتحوّل الصداقة من علاقة وجودية إلى علاقة تمثيلية، يُستبدل فيها الوجود بالإشارة.
هذا التحوّل يكشف عن مفارقة عميقة؛ كلما ازداد الاتصال، قلّ الحضور، فالتكنولوجيا ألغت الصمت المشترك، ذلك الصمت الذي كان يشكّل أحد أعمق أشكال القرب، ونحن اليوم نعرفُ عن أصدقائنا كل شيء، لكننا نختبر معهم القليل. حيث إنَّ المعرفة حلّت محل المعايشة، والاطّلاع حلّ محل الفهم.
ومن زاوية أنطولوجية، أعادت التكنولوجيا تعريف “الآخر” فلم يعد الآخر كائنًا غير قابل للاختزال، بل صار محتوى يمكن تمريره، تجاهله، أو استبداله. فالصديق لم يعد وجهًا يطالبنا بالمسؤولية، بل ملفًا رقميًا لا يفرض علينا سوى ردّ فعل عابر. وهنا تفقد الصداقة بعدها الأخلاقي، لتتحوّل من التزام إلى خيار قابل للإلغاء في أي لحظة.
كيف أثرت وسائل التواصل على اللحمة الاجتماعية؟
وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام غيرت الطريقة التي نتفاعل بها مع الأصدقاء. أصبح بإمكاننا التواصل مع الأصدقاء في أي وقت ومن أي مكان، ولكن هذا أدى أيضًا إلى تغيير في طبيعة العلاقات، وأصبحنا نمتلك عددًا أكبر من الأصدقاء الافتراضيين، ولكن العلاقات العميقة والمستمرة أصبحت نادرة، فالتواصل الافتراضي لا يمكن ان يكشف عن الحقيقة الذاتية للشخص دون التواصل المباشر، ونجد كثيراً من الأصدقاء في الافتراض ولا تواصل حقيقي بينهم، وإذا يتم التواصل المباشر يتفاجئ بعضهم ببعض، وهذا ما أدّى إلى الانزواء والتقهقر النفسي لدى الأفراد.
الإدمان المرئي
يؤدي الإدمان المرئي إلى الانعزال عن المحيط المجتمعي والانطواء على الذات مما يُحرك الشعور السلبي ودفع الآخرين، وكثيراً ما يعاني منه الإطفال الذين يُمارسون الرؤيا المستمرة في شاشات الهواتف، والمساعد الرئيس لذلك هما الأبوان، مما يؤدي إلى ملازمة (الاسبرجر) المعروف باضطراب في النمو العصبي الذي يؤثر في التواصل والتفاعل مع الآخرين، وقد عُرف بــ(التوحد) فهو نوع من الطيف الانعزالي الذي يمتلك االذكاء العالي ولكنَّه يصعب استخدامه للتفاعل مع الآخرين، وهذا النوع فيه درجات متفاوتة وعنوانات متغايرة كـطيف التوحد (Autism Spectrum Disorder ASD) والاسبرجر (Asperger's Syndrome) ومن درجاته: التوحد الضعيف (High-Functioning Autism): نوع من طيف التوحد يتميز بذكاء عالٍ وقدرات لغوية جيدة، ولكنه ضعيف في التواصل مع الآخرين.
وهناك ما يُعرف بالتوحد الشديد (Low-Functioning Autism): نوع من طيف التوحد يتميز بصعوبات شديدة في التواصل والاعتماد على الآخرين، مما يُحدث عند صاحب المتلازمة بالتكرار (Repetitive Behavior)، فهو سلوك يتكرر بشكل مفرط، مثل تكرار الكلمات أو الحركات. وكذلك الانفعالات الحسية (Sensory Processing) وقد يعاني الأشخاص المصابون بالتوحد من حساسية زائدة أو منخفضة. بالإضافة إلى التفكير الصلب (Rigid Thinking): هو صعوبة في التكيف مع التغيير أو التفكير بطرق مختلفة.
هل الإدمان مختص في الصغار والشباب؟
ومن الخطأ أن يظنَّنَّ أحد مِن انَّ هذا الشعور وهذه المتلازمة هي مختصَّة بالأطفال؛ وإنَّما أغلب الكبار (رجالاً ونساء) يُصابون بمتلازمة الإدمان الالكتروني المرئي، وهذا ما تسرَّب إلى الجلسات الاجتماعية بين الأهل والأصدقاء إذ تجد الكثير يجلسون بمكان واحد إلَّا أنَّ أعينهم منهمكة في عالم ثانٍ ولا يتكلم أحدهم مع الآخر.
المعالجات
وهذا الأمر يحتاج إلى مقوِّمات سلوكية للتخلص من هذه المتلازمة:
1- التأهيل المهني (Occupational Therapy): يحتاج ذلك إلى عناية خاصَّة وإلتزام في أوقات التأهيل فهو علاج يساعد الأشخاص المصابين بالتوحد على تطوير مهارات الحياة اليومية.
2- التأهيل النطقي (Speech Therapy): يعاني أصحاب التوحد من الصعوبة في النطق وتجميع الكلمات مما يحتاج ذلك إلى تأهيل وعلاج يساعد على تحسين مهارات التواصل اللغوي.
3-العلاج السلوكي (Behavioral Therapy): مع اضطرابات النطق يعاني هؤلاء من الاضطرابات سلوكية فيحتاجون إلى علاج يساعد على تعديل السلوكيات غير المرغوبة.
4-التحفيز (Stimming): هو حركات أو سلوكيات تكررية تساعد على تهدئة النفس، مثل هز اليدين، والمحاورة المستمرة وطرح الأسئلة والعصف الذهني.
الخلاصة
نُجمل ما أوردناه بالملخص الآتي:
1- التكنولوجيا غيرت مفهوم الصداقة بشكل كبير، وأصبح لدينا خيارات أكثر للتواصل مع الأصدقاء. ومع ذلك، من المهم أن نحافظ على توازن بين التواصل الافتراضي والتواصل الشخصي لضمان علاقات صحية ومستمرة.
2- كما غيّرت التكنولوجيا علاقة الصداقة بالزمن.
3- الصداقة كانت تُبنى ببطء، وكان الزمن عنصرًا أخلاقيًا في ترسيخها، أمّا اليوم، فالزمن مُضغط، والعلاقات تُستهلك بالسرعة نفسها التي تُنشأ بها.
4-الصديق لم يعد (من بقي)، بل (من لم يُلغَ بعد). وهذا الاستهلاك الزمني يجعل الصداقة هشّة، سريعة الاشتعال وسريعة الانطفاء.
5- لا يمكن النظر إلى الصداقة الرقمية بوصفها انحطاطًا مطلقًا؛ فالتكنولوجيا كشفت شكلًا جديدًا من الصداقة: صداقة تقوم على القلق المشترك والأسئلة المتشابهة لا على المكان الواحد. هنا تقترب الصداقة من بعدها الفلسفي الخالص: تواطؤ في التفكير، لا مجرد تواطؤ في الحياة اليومية.
في النهاية، لم تغيّر التكنولوجيا الصداقة بقدر ما كشفت هشاشتها الأصلية، لقد نزعت عنها الأوهام الرومانسية، ووضعتها أمام سؤالها الحقيقي: هل الصداقة علاقة حضور أم علاقة معنى؟ وإذا كان المعنى هو الأساس، فهل يمكن بناؤه في عالم يختزل الإنسان إلى شاشة؟
فالصداقة في العصر الرقمي لم تمت، لكنها أصبحت امتحانًا وجوديًا: إمّا أن نعيد للآخر إنسانيته خلف الشاشة، أو نقبل بعلاقات بلا عمق، كثيرة العدد، فقيرة المعنى.



اضف تعليق