التربية على المواطنة ليست ترفاً فكرياً أو مادة دراسية تلقن، بل هي شريان الحياة الذي يغذي جسد المجتمع بالوعي والمسؤولية. إنها رحلة تبدأ من دفء العائلة وتمتد لتنضج في أروقة التعليم؛ لضمان بناء جيل لا يكتفي بالعيش على أرض الوطن، بل يعمل من أجل رفعته، كقوة فاعلة في البناء...
لكي تكون التربية فاعلة وتؤدي أدوارها بشكل طبيعي ومميز، يجب أن تكون شاملة لجميع الجوانب التي يحتاجها الإنسان في حياته، ولا تقتصر على بعض الأوجه وتغفل أوجهًا أخرى ربما هي الأكثر أثراً أو أنها لا تقل أهمية عن الأوجه الأخرى على أقل تقدير. ومما يجب عدم إغفاله في التربية هي تربية أبنائنا على المواطنة التي تربطه بما يحيا عليه ويمارس أنشطته فيه، فما هي التربية على المواطنة؟ وما هي صورها والسلوكيات المؤدية إليها؟
التربية على المواطنة هي عملية بناء قيم وسلوكيات تهدف إلى إعداد فرد واعٍ بحقوقه وواجباته، مرتبط بوطنه وتراثه، ويمارس المسؤولية المدنية داخل المجتمع؛ فهي تتجاوز الوعظ إلى الممارسة الفعلية، وتغرس قيم التسامح والعدالة والمساواة وحب الوطن.
التربية على المواطنة هي مسؤولية العائلة بالدرجة الأولى على اعتبارها الحاضنة الأولى للطفل والتي يؤسس عبرها لارتباط الإنسان بوطنه ارتباطاً روحياً، والمسؤول الثاني عن إذكاء روح المواطنة بعد العائلة هي المدرسة التي تكمل طريق تربية الطفل على المواطنة بدءاً من المرحلة الابتدائية وصولاً إلى المرحلة الإعدادية وحتى الجامعة التي تتوج فيها الجهود بجعل الفرد وطنياً حقيقياً لا حاملاً للشعار فقط.
التربية على المواطنة تتعلق بالتعليم والتنشئة التي تعطي المعرفة الأساسية لكل فرد في المجتمع، وهذا يهدف إلى تمكين الأفراد من المشاركة الكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والمدنية ضمن إطار القوانين والحقوق والواجبات، ويشمل ذلك تعلم مفاهيم متنوعة مثل السياسة، البرلمان، حقوق الإنسان، التصويت، العدالة، والاقتصاد، بالإضافة إلى تطوير مهارات المواطنة الفعالة ومتابعة الأحداث العالمية والمحلية، مما يسهم في تأمين مستقبل الجميع وبناء مجتمع واعٍ ومتحضر.
أهمية التربية على المواطنة
تأتي أهمية التربية على المواطنة من عدة أمور أهمها أنها تبني الهوية والانتماء لدى الطفل وبعدها لدى الإنسان في جميع مراحل عمره اللاحقة، إذ تعزز المواطنة شعور الفرد بالانتماء للوطن وتاريخه، وغرس قيم التضحية وحب الأرض. كما تعمل التربية على المواطنة على ترجمة القيم إلى سلوك، إذ تحول المفاهيم النظرية مثل احترام القانون، ونظافة البيئة إلى ممارسات يومية، سواء داخل المؤسسة التعليمية أو في المحيط الاجتماعي الذي ينشط فيه الإنسان، وبذا تعمل المواطنة على كبح القيم غير الصحية وإحلال أخرى محلها أكثر واقعية وملاءمة للواقع الإنساني الطبيعي.
وتربي المواطنة على القيم المدنية المتمثلة بترسيخ التسامح وقبول الآخر، المساواة، والعدالة الاجتماعية التي تبقي الإنسانية هي الحاكمة في المواقف الإنسانية المختلفة بدلاً من أن تتسيد قيم الكراهية والتناحر التي تفقد المجتمع الإنساني أمنه المجتمعي والنفسي. من مردودات التربية على المواطنة هي الوصول إلى المشاركة النشطة، إذ تعمل على تهيئة جيل يمتلك القدرة على اتخاذ الخيارات، معالجة القضايا، والانخراط في الفعاليات التطوعية التي تخدم المجتمع وتديم روح المحبة ومساعدة الآخر، وبالتالي يبتعد الإنسان عن الأنانية والتفكير بذاته فقط، مما يعكس إحدى صور اقتراب الإنسان من أصل تكوينه وسر خلقه. وتمكن التربية على المواطنة من تقديم مساهمات إيجابية من خلال تطوير معرفة الأفراد بمسؤولياتهم وحقوقهم، بالإضافة إلى إعدادهم لمواجهة التحديات والفرص كبالغين وأصحاب مسؤوليات وطنية همها خدمة مصالح الوطن والناس.
في الخلاصة نقول
إن التربية على المواطنة ليست ترفاً فكرياً أو مادة دراسية تلقن، بل هي شريان الحياة الذي يغذي جسد المجتمع بالوعي والمسؤولية، إنها رحلة تبدأ من دفء العائلة وتمتد لتنضج في أروقة التعليم، وصولاً إلى فضاء المجتمع الواسع. فمتى ما نجحنا في غرس هذه القيم كنمط حياة، ضمنا بناء جيل لا يكتفي بالعيش على أرض الوطن، بل يعمل من أجل رفعة الوطن، ليتحول الفرد من مجرد رقم في التعداد إلى قوة فاعلة في البناء.



اضف تعليق