إنَّ ما يحدثُ في احتفالاتِ التخرجِ من حركاتٍ رديئةٍ وسوقيةٍ لا تليقُ إلا بالنوادي الليلية، هو كفرٌ بالسلوكِ الجامعي وإهانةٌ لقيمِ التعليم؛ فالحفاظُ على قدسيةِ الحرمِ الجامعي واحترامُ الأعرافِ المجتمعيةِ ليس قيداً على الحرية، بل هو انعكاسٌ لمدى نضجِ الخريجِ ووعيه، وصورةٌ مهنيةٌ مبكرةٌ لما سيكونُ عليهِ في المستقبل...
فرحة التخرج لا تعادلها أي فرحة ويحق للخريج أن يظهر سعادته بالطريقة التي تروق له، ولكن يجب أن تكون هذه الطريقة بعيدة عن أي انتهاك للأعراف أو القانون أو اعتداء على حقوق الآخرين والذوق العام ومحددات وقيم المجتمع العربي عموماً والعراقي على وجه التحديد، فكيف يمكن ضبط إيقاع حفلات التخرج؟
للأسف إن ما يحدث في احتفالات الجامعات وما بعدها تعبير مغالط لماهية الاحتفال وطبيعته وعلى أساس ذلك يتحول الاحتفال إلى أصوات وازدحام لا يمت للفرحة بصلة، بل هو سوء تعبير من الخريج أو ذويه عن الفرح، وهذا ما يؤشر انحداراً قيمياً مخيفاً لمن يمارس السلوكيات الصاخبة وغير الأخلاقية بجميع أشكالها وصنوفها. نحن لسنا ضد حفلات التخرج التي تقام من قبل في تخرجهم من كلياتهم ولكن أن تتضمن هذه الحفلات حركات رديئة وسوقية لا تُفعل إلا في النوادي الليلية وصالات الملاهي والخمر أعتقد هذا عيب بحق الطلبة وكفر بالسلوك الجامعي.
المصيبة التي تدعونا للقلق أن بعض كبار العمر من ذوي المتخرجين أو من غيرهم يدافعون عن سلوكيات الطلبة المتخرجين، معللين ذلك بكونها فرحة لن تتكرر، وهي بالفعل فرحة العمر كما توصف لكن ألا يوجد طريقة أخرى عن التعبير عن الفرح؟ ومن أتى بمثل هذه السلوكيات التي عدت مسلمات في حفلات التخرج؟ وهل فقد المجتمع تأثيره في إيقاف هذه السلوكيات؟ التصرفات السيئة وغير المناسبة خلال حفلات التخرج، مثل التصرفات العدوانية أو الفاضحة، تعتبر إهانة لقيم التعليم، كما تظهر الجامعة والطلاب بشكل سلبي أمام المجتمع، ومثل هذه الأفعال غير المهنية تقلل من قيمة حفلات التخرج ومعناها الرمزي، وتضعف من مكانة الشهادة الجامعية وسمعة الجامعة نفسها.
كيف نحد من التصرفات السيئة في حفلات التخرج؟
نظراً للانتقاد الكبير الذي يوجه لبعض السلوكيات الصادرة من حفلات التخرج في الجامعات العراقية سواء كانت رسمية أو غير رسمية لابد أن تتوقف هذه المهازل عبر التأكيد على أهمية إذكاء الوعي في الجامعة وتحفيز الطلاب على المسؤولية الاجتماعية، إذ يجب على الآباء والأساتذة تشجيع الطلبة على اتباع سلوكيات محترمة سواء خلال حفلات التخرج لأن ذلك يعد انعكاساً حقيقياً لصورتهم المهنية فيما بعد.
إن هذه التصرفات السيئة تزداد شيوعاً بين الشباب في إطار الحرية الشخصية، ولكن من المهم فهم أن هذه الحرية لا تعني التصرف بلا مسؤولية، فحرية الأفراد تأتي مع واجب، ويجب على الأفراد والطلاب وخصوصاً، أن يدركوا أن تصرفاتهم لها نتائج وأثر كبير على المجتمع والجهات التي ينتمون إليها ومنها عوائلهم التي تتضرر سمعتها هي الأخرى جراء الأفعال المشينة التي تصدر منهم. وعلى الإدارات العليا سواء في وزارة التعليم العالي أو في رئاسات الجامعات لاسيما الجامعات الأهلية أن تضع قواعد ومحددات حازمة تسير الاحتفالات بذوق وأدب ومن دون خرق لأهم المحددات الاجتماعية لمجتمعنا الإسلامي ذو الصبغة الاجتماعية الملتزمة.
وعلى المجتمع أن يرفض هذه السلوكيات المشينة التي باتت تشوه وجه المؤسسات التعليمية وتهدد الثقة بالخريجين الذي يفترض أنهم من يقودون المجتمع للتقدم، إذ إن الرفض المجتمعي من شأنه أن يمارس قوة ضبط للكثير من السلوكيات غير المنضبطة وبالتالي يلغيها أو يقلل منها على أقل تقدير، على عكس لو سكت المجتمع فإن هذه السلوكيات ستنشط وتتسع رقعتها.
في النهاية نقول: إن فرحة التخرج هي المكافأة المستحقة لسنوات من السهر والجهد، لكنها يجب أن تكون بداية لرحلة مهنية عنوانها الانضباط والرقي، والحفاظ على قدسية الحرم الجامعي واحترام الأعراف المجتمعية ليس قيداً على الحرية بل هو انعكاس لمدى نضج الخريج ووعيه.



اضف تعليق