على حافة هضبة الجزيرة في ناحية البغدادي، تتجاور الحافة الصخرية مع الهضبة والسهل الفيضي لنهر الفرات، في منطقة تتباين فيها الانحدارات والصخور والمياه والعمليات التي تعيد تشكيل سطح الأرض. هذا التباين الجغرافي جعل المنطقة ميداناً مهماً لدراسة العمليات الجيومورفولوجية والمخاطر البيئية الناتجة عنها....
على حافة هضبة الجزيرة في ناحية البغدادي، تتجاور الحافة الصخرية مع الهضبة والسهل الفيضي لنهر الفرات، في منطقة تتباين فيها الانحدارات والصخور والمياه والعمليات التي تعيد تشكيل سطح الأرض. هذا التباين الجغرافي جعل المنطقة ميداناً مهماً لدراسة العمليات الجيومورفولوجية والمخاطر البيئية الناتجة عنها.
ومن هذه المنطقة انطلقت رسالة الماجستير التي أعدها طالب الماجستير أحمد ضياء الدين محمود عبد الكبـيسي في قسم الجغرافية بكلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة الأنبار، بإشراف الأستاذ المساعد الدكتور أمير محمد خلف الدليمي، بهدف تحليل الخصائص الجيومرفية لحافة هضبة الجزيرة وتقييم مخاطرها البيئية وفق رؤية مكانية تجمع بين التحليل الرقمي والاستشعار عن بعد والعمل الميداني.
وتبلغ مساحة منطقة الدراسة نحو 123 كم²، وتضم الحافة الصخرية والهضبة والسهل الفيضي لنهر الفرات، وهو تنوع انعكس على طبيعة العمليات الجيومورفولوجية السائدة. ففي مناطق الحافة الصخرية تظهر عمليات الانزلاقات والتساقط الصخري والتعرية، بينما تتأثر مناطق الهضبة بعمليات التعرية المائية والريحية، في حين تبرز العمليات النهرية في السهل الفيضي.
وتتمثل القضية الرئيسة التي تناولتها الدراسة في معرفة أسباب التباين المكاني في نشاط العمليات الجيومورفولوجية والمخاطر الناتجة عنها، إذ تختلف طبيعة وشدة هذه العمليات من موقع إلى آخر تبعاً للبيئة التضاريسية والجيولوجية والمائية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن التكوينات الجيولوجية والانحدار يمثلان من أبرز العوامل المؤثرة في نشاط العمليات الجيومورفولوجية، مع تأثير واضح للمياه والتجوية. وقد جرى التوصل إلى ذلك من خلال مطابقة الظواهر الجيومورفولوجية مع الخرائط الجيولوجية وخرائط الانحدار، فضلاً عن المشاهدات الميدانية، إذ تركزت الظواهر في المواقع التي تتصف بصخور أقل مقاومة وانحدارات أكثر شدة.
وتؤدي البنية الجيولوجية دوراً في تحديد درجة مقاومة الصخور، فيما يحدد الانحدار قابلية المواد للحركة، وتؤثر شبكة التصريف في تركيز المياه داخل الأحواض والمجاري. وعندما تجتمع الصخور الضعيفة مع الانحدارات الشديدة وكثافة التصريف أو وجود الفواصل والتراكيب الخطية، ترتفع مستويات المخاطر الجيومورفولوجية.
وتبرز المياه، ولا سيما السيول، كعامل مؤثر في إعادة تشكيل سطح الأرض، من خلال تعميق المجاري وتعرية الأودية وإزالة المواد المفككة ونحت قواعد المنحدرات. كما يؤدي تشبع المواد بالمياه إلى تقليل تماسكها، الأمر الذي يهيئ الظروف لحدوث الانزلاقات والتساقط الصخري.
وتختلف حركات المواد من مكان إلى آخر تبعاً للانحدار ونوع الصخور والتربة ودرجة التجوية وتوفر المياه والغطاء النباتي. فقد تظهر الحركات البطيئة في المواد المفككة والمناطق ذات الانحدارات الأقل، بينما ترتبط الحركات السريعة بالمنحدرات الشديدة والصخور المتشققة أو الضعيفة، الأمر الذي يجعل بعض المواقع أكثر حاجة إلى الحماية والمتابعة.
وتحدد الدراسة المناطق التي تتطلب أولوية في إجراءات الحماية، خصوصاً القريبة من الطرق والمنشآت والمناطق المأهولة، وكذلك المواقع التي تتقاطع فيها مسارات حركة المواد مع النشاط البشري، ومن بينها أقدام المنحدرات الصخرية ومخارج الأودية والمناطق التي تتركز فيها مياه الجريان.
وفي الجانب التقني، اعتمدت الدراسة على نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد والعمل الميداني، إذ وفرت تقنيات الاستشعار عن بعد رؤية مكانية واسعة للمنطقة، بينما أسهمت نظم المعلومات الجغرافية في تحليل العلاقات المكانية بين العوامل المختلفة، وجاء العمل الميداني للتحقق من النتائج الرقمية وربطها بالواقع الجغرافي للمنطقة.
واستخدمت الدراسة نماذج الارتفاعات الرقمية وصور الأقمار الصناعية، ومنها بيانات Sentinel وLandsat، لاستخراج الارتفاعات والانحدارات واتجاهاتها وشبكات التصريف والأحواض والتغيرات في الغطاء الأرضي. وحولت هذه البيانات إلى طبقات مكانية ومؤشرات كمية أسهمت في إعداد خرائط المخاطر وتحديد المناطق الأكثر حساسية.
كما استعانت الدراسة بعدد من المؤشرات البيئية، ومنها NDVI لقياس الغطاء النباتي، وNDWI لرصد الرطوبة والمياه، وNDSI للكشف عن المظاهر المرتبطة بالأملاح، فضلاً عن BSI وLDI لقراءة الأراضي المكشوفة ومظاهر التدهور السطحي. وقد وفرت هذه المؤشرات قراءة كمية للتغيرات البيئية والمكانية في منطقة الدراسة.
وعند مقارنة التغيرات خلال المدة الممتدة من 1995 إلى 2025، أظهرت النتائج توسع بعض مظاهر التدهور وتغير توزيع الغطاء الأرضي وازدياد مساحات الأراضي المكشوفة والمتدهورة في بعض المواقع، وهو ما يعزز الحاجة إلى التدخل المبكر، خصوصاً مع قابلية بعض المناطق لمزيد من التعرية والتدهور والتصحر مستقبلاً.
وترتبط التربة والغطاء النباتي والمياه بعلاقة متبادلة في تشكيل الوضع البيئي للمنطقة. فضعف الغطاء النباتي وجفاف التربة وتفككها يزيد من قابلية السطح للتعرية، بينما يسهم الغطاء النباتي وتوفر الرطوبة المناسبة في تثبيت التربة وتقليل جريان المياه. ويؤدي تدهور أحد هذه العناصر إلى التأثير في العناصر الأخرى ورفع احتمالات التدهور والتصحر.
وفي تقييم المخاطر، اعتمدت الدراسة أسلوب التحليل الهرمي AHP، من خلال إجراء المقارنات الثنائية بين العوامل وفق أهميتها النسبية وتأثيرها العلمي، مع اختبار درجة الاتساق. وتكتسب الأوزان الناتجة أهمية مباشرة في بناء خريطة المخاطر النهائية، إذ يعكس الوزن الأعلى تأثير العامل بصورة أكبر في تحديد المناطق مرتفعة الخطورة.
كما وظفت الدراسة مجموعة من المؤشرات المورفومترية والمورفوتكتونية، من بينها T وAF وSL وVF، بهدف تقديم قراءة كمية لشكل الأحواض وتضرسها ونشاطها البنيوي، والكشف عن الاستجابات الجيومورفولوجية التي يمكن أن ترتبط بالنشاط التكتوني أو الاختلافات التركيبية.
وأظهرت النتائج وجود تفاوت بين الأحواض من حيث مستويات الخطورة، إذ برزت بعض الأحواض ضمن مستويات مرتفعة، بينما ظهرت أخرى ضمن مستويات متوسطة. وترتبط الأحواض الأعلى خطورة بارتفاع درجات الانحدار وزيادة كثافة التصريف وسرعة تجمع مياه الجريان، فضلاً عن وجود تكوينات ضعيفة أو متشققة.
وتتجاوز أهمية خرائط المخاطر الجانب الأكاديمي لتصل إلى التخطيط المكاني، إذ كشفت عملية مطابقة المخاطر مع استعمالات الأرض عن وجود مخاطر تقترب أو تتداخل مع الطرق والمباني والأراضي الزراعية في بعض المواقع. ومن هنا تبرز أهمية إدخال خرائط المخاطر الجيومورفولوجية ضمن عمليات التخطيط قبل تنفيذ التوسعات العمرانية وشق الطرق وإقامة المشاريع.
وفي جانب آخر، تشير الدراسة إلى وجود إمكانات يمكن الإفادة منها في السياحة الجيومورفولوجية، من خلال الحافات الصخرية والأودية ومظاهر سطح الهضبة والتكوينات الجيولوجية والمشاهد المطلة على وادي الفرات. ويمكن استثمار هذه المقومات عبر اختيار المواقع الآمنة، وإنشاء مسارات للمشاهدة، ووضع لوحات تعريفية علمية، مع استبعاد المناطق مرتفعة الخطورة من أي نشاط سياحي.
ولعب العمل الميداني دوراً مهماً في تعزيز نتائج الدراسة، إذ أظهرت المشاهدات وجود مواقع تتركز فيها عمليات التساقط الصخري والتعرية على المنحدرات والأودية. وأسهمت الزيارات الميدانية في التحقق من الشقوق وحالة الصخور وآثار المياه والعوامل الأخرى التي قد يصعب تحديد تفاصيلها من خلال صور الأقمار الصناعية وحدها.
وترى الدراسة أن الخطوة العملية الأولى أمام الجهات المحلية تتمثل في تحديد أولويات التدخل المكاني، ابتداءً من حماية الطرق والمنشآت، وتجنب التوسع العمراني في المناطق الحساسة، والعمل على تثبيت المنحدرات وإدارة تصريف المياه بصورة تقلل من تأثير الجريان والسيول.
وتقدم الرسالة في مجملها قراءة مكانية للمخاطر الجيومورفولوجية في منطقة من غرب العراق، وتوضح أن هذه المخاطر ترتبط بأنماط مكانية يمكن تفسيرها وتحليلها والتنبؤ بمناطق حساسيتها من خلال الجمع بين التحليل المكاني والاستشعار عن بعد والعمل الميداني.
وتكمن القيمة الأساسية للدراسة في انتقالها من مجرد وصف أشكال سطح الأرض إلى تحديد أسباب نشأتها وتباينها المكاني وربطها بالمخاطر البيئية والاستعمالات البشرية، بما يفتح المجال أمام الإفادة من نتائجها في التخطيط والحماية وإدارة الموارد واستثمار المقومات الطبيعية بصورة أكثر أمناً واستدامة.
وهكذا تكشف حافة هضبة الجزيرة في ناحية البغدادي عن مساحة جغرافية تحمل في تضاريسها الكثير من المؤشرات العلمية؛ فالصخور والانحدارات والمياه وشبكات التصريف والغطاء النباتي تتفاعل بصورة مستمرة في تشكيل سطح الأرض. ومن خلال الدراسة المكانية لهذه العناصر، تصبح قراءة المخاطر أكثر وضوحاً، وتتحول نتائج البحث العلمي إلى أداة يمكن أن تسهم في حماية الإنسان والمكان ودعم التخطيط المستقبلي للمنطقة.



اضف تعليق