تفرض الخوارزميات على الإنسان أن يرى ما تريد له أن يراه؛ إذ ترصد انفعالاته وسيكولوجيته لتنميط حياته بما يتناغم مع مصالح الرأسمالية المتوحشة ومكاسبها المالية. أخطرت أنواع السلطة هي التي تختفي داخل اختيارات الإنسان فتجعله يريد ما تريده له، ويتوهم ممارسة حريته بينما تصاغ رغباته في الخفاء. يتراجع الإنسان حين يتنازل للآلة عن حقه في التخيل والتأويل وصناعة المعنى...

تفرض الخوارزميات على الإنسان أن يرى ما تريد له أن يراه، إذ تحاول أن تعيد تشكيل ذوقه واهتماماته ورؤيته للعالم من دون أن يشعر. ترصد الخوارزميات هواياته ورغباته واحتياجاته ومشاعره وانفعالاته وردود أفعاله وأنماط علاقاته، وتحاول أن تتعرف إلى سيكولوجية شخصيته وكيفية تفكيره، وتعمل على بناء ملف معلومات خاص به، وفي ضوء هذه المعلومات، تحاول أن تعيد تنميط حياته بما يتناغم مع متطلبات سياسات الشركات العملاقة وما تنشده من تسلط وانقياد طوعي ومكاسب مالية فاحشة.

أخذت الأفكار المتداولة في العقول البشرية تصدر عن شبكات خوارزمية واسعة، تنتقي المحتوى، وترتب الأولويات، وتمنح بعض الأصوات حضورًا، وتحجب أصواتًا أخرى. وحين تغدو القيم والثقافة والآداب والفنون، التي تنقذ الإنسان من الشعور بالغربة الوجودية، نتاجًا لكيانات غير بشرية، يبدأ الإنسان بالانسحاب تدريجيًا من موقعه المحوري في التاريخ، ويدخل طورًا وجوديًا جديدًا يتحول فيه من منتج للمعنى إلى مستهلك له، ومن كائن يبتكر صور العالم إلى متلق يراقب نصوصًا وصورًا تصاغ له خارج خبرته ورؤيته.

يكمن الخطر في أن يتنازل الإنسان للآلة عن حقه في السؤال والتخيل والتأويل وصناعة المعنى، وينفصل الإنسان عن اللغة التي تشكلت فيها معاني حياته. اللغة مأوى الوعي والخيال والذاكرة والهوية، والفضاء الذي يكتشف فيه الإنسان ذاته، ويصوغ خبرته، ويمنح وجوده معنى.

أضحت لغة الخوارزميات سلطة مخيفة، تدجن الإنسان وفقًا لما ترمي إليه شركات الذكاء الاصطناعي والرأسمالية المتوحشة، وتدفعه إلى الانقياد لما تبثه من قناعات جاهزة ومفاهيم معلبة، فتوجه تفكيره، وتتلاعب بمشاعره وعواطفه، وترسم أحلامه وآماله وتطلعاته بما يخدم سعيها المحموم إلى مراكمة الأرباح. لم تعد الخوارزميات تكتفي بتنظيم ما يراه الإنسان على الشاشة، فقد صارت تعيد تشكيل ما يحبه، وتمنحه وهم الاختيار الحر، فيما تصنع اختياراته في الخفاء، وتحدد له ما يقرأ ويشاهد ويستهلك، ومَن يحب ويكره، وما يقبل ويرفض.

حين تتحكم الرأسمالية المتوحشة في الخوارزميات، تعمل على إخضاع الإنسان لعبودية طوعية، لا يشعر معها بأنه مكره، لأنه يتلقى الأوامر في صورة رغبات شخصية، ويستجيب للإكراه متوهمًا أنه يمارس حريته. يتحقق ذلك عبر ما تراكمه الخوارزميات من صور وإعلانات وكلمات وإيحاءات ورموز تخدم أغراضها، ثم تحولها، بفعل التكرار، إلى بداهات مستقرة في الوعي واللاوعي، لا يسأل الإنسان عن مصدرها، ولا يتبنه إلى المصالح الكامنة وراءها. أخطر أنواع السلطة هي التي تختفي داخل اختيارات الإنسان، فتجعله يريد ما تريده له، ويفكر باللغة التي تصوغها، ويرى العالم من النافذة التي تفتحها أمامه.

تتسلل سلطة الخوارزميات إلى اللاشعور، فتوجه المشاعر والأذواق والمخاوف، وتعيد تشكيل وعي الإنسان من حيث لا يشعر. تراقب اهتماماته، وتتعقب نزعاته، وتكتشف مواطن ضعفه، ثم تغذيها بصور وكلمات وإيحاءات تتكرر حتى تستقر في أعماقه، وتتحول إلى ميول وقناعات يظن أنها نابعة من ذاته. تصنع الخوارزميات رغباته، ثم تمنحه وهم أنه اختارها بإرادته الحرة، وتقوده إلى ما تريده الشركات من دون أن يشعر بالإكراه. أخطر ما تفعله هذه السلطة أنها لا تواجه الإنسان بأوامر ظاهرة، وإنما تتخفى داخل رغباته، وتتكلم بصوته، وتجعله يتبنى ما تمليه عليه، ويدافع عنه كأنه تعبير أصيل عن ذاته. عندئذ تفقد الحرية معناها، حين يختار الإنسان ما اختارته الخوارزميات له، ويرغب فيما صممته له، ويرى العالم من خلال نافذة لا يدرك من فتحها ولا الغاية التي تريد أن تقوده إليها.

تحجب الخوارزميات عن الإنسان ما لا يستجيب لما يطلبه السوق ويراكم فيه الأرباح، وتعمل على إدارة عواطفه وتوجيه احتياجاته والتحكم في انتباهه. تنشئ حوله عالمًا مغلقًا، لا يرى فيه إلا ما يؤكد قناعاته السابقة، ويغذي مخاوفه وانحيازاته وأوهامه، فيتوهم أنه يشاهد العالم كما هو، فيما لا يشاهد إلا الصورة التي صاغتها له الخوارزميات. مع تكرار المحتوى نفسه، تضيق آفاق رؤيته، ويضعف استعداده للإصغاء إلى المختلف، ويتحول فضاؤه الرقمي إلى مرآة تعيد إليه صوته وأفكاره ورغباته. لا تكتفي الخوارزميات بتوجيه ما يراه الإنسان، وإنما تعيد تشكيل الطريقة التي يرى بها العالم، وتمنحه وهم المعرفة والاختيار، في اللحظة التي تحاصره داخل واقع مصمم سلفًا لخدمة مصالح السوق.

حين يتكرر أمام الإنسان خطاب الكراهية، يتطبع على قبول القسوة، ويألف العنف اللفظي والرمزي، ويتراجع إحساسه بآلام الآخرين، حتى يغدو التحقير والإقصاء سلوكًا عاديًا لا يثير ضميره. حين تغمره صور الاستهلاك والترف، يتسلل إليه شعور بالنقص واحتقار حياته اليومية، فيقيس قيمته بما يملك، ويقارن واقعه المحدود بصور منتقاة ومصطنعة لحياة الآخرين، فيفقد القدرة على الابتهاج بما لديه. وحين تطارده مقاطع النجاح السريع والثراء المفاجئ والجسد المثالي والسعادة الدائمة، ينشأ في داخله قلق مزمن من ذاته، كأنه مقصر أبدًا، وأن حياته ناقصة لا تستحق الرضا، فيرهقه السعي إلى مثال متخيل يتعذر بلوغه.

تتسلل الخوارزميات إلى اللاشعور الجمعي، ولا تقف آثارها عند حدود الفرد. عندما ترفع الأخبار المثيرة للخوف والغضب، تجعل المجتمع يعيش في توتر مستمر، وتدفع أفراده إلى رؤية الآخر مصدر تهديد دائم. عندما تكرر صور جماعة أو دين أو قومية في سياقات سلبية، تغرس في الوعي العام أحكامًا مسبقة، تتحول مع الزمن إلى صور نمطية راسخة يصعب اقتلاعها. وعندما تحاصر المستخدم بمحتويات متشابهة في السياسة والدين والهوية، تنشئ له عالمًا مغلقًا، يشعر داخله بأنه يرى الحقيقة كلها، مع أنه لا يرى إلا ما انتقته له الخوارزمية، فيفقد بالتدريج القدرة على الإصغاء إلى المختلف، وفهم تعقيد الواقع وتعدد وجوهه.  

وعندما تجعل الشهرة معيارًا للقيمة، يتحول الإنسان إلى كائن يستجدي الاعتراف بعدد المشاهدات والاعجابات والمتابعين، لا بعمق المعنى وصدق التجربة وأثرها في الحياة. عندئذ تصبح الذات معروضة باستمرار أمام أنظار الآخرين، ويغدو حضور الإنسان مرهونًا بانتباه عابر تمنحه المنصة أو تسحبه، فتضطرب صورته عن نفسه، ويستبد به خوف دائم من الغياب والنسيان. لا تبيع الخوارزمياتُ الإنسانَ السلع وحدها، بل تبيع له صورة متخيلة عن ذاته، ثم تشعره بأنها ناقصة، كي يظل مستهلكًا لا يشبع، ومطاردًا باعتراف لا يناله، وأسيرًا لرغبات تتجدد كلما ظن أنه بلغ غايتها. 

الخوارزميات سلطة خفية، لا تصدر أوامر مباشرة، لكنها تعيد تشكيل المشاعر، وتوجيه الانفعالات، والتحكم في الانتباه. أخطر ما تفعله أنها تمنح الإنسان وهم الحرية في اللحظة التي تضيّق فيها أفق اختياره، وتدفعه بهدوء إلى مسارات رسمتها سلفًا، فيختار ما اختارته له، ويرغب فيما صممته من أجله، ويتبنى أحكامًا يظن أنها ثمرة تفكيره الخاص، على الرغم من أنها من صناعة الخوارزميات. إنها سلطة تتخفى داخل الرغبة، وتتكلم بصوت الإنسان، وتستبدل الإكراه الظاهر بتوجيه ناعم لا يشعر معه بأنه خاضع.

يحتاج الإنسان اليوم إلى يقظة عقلية نقدية، وقيم أخلاقية، تكشف ما تحجبه الخوارزميات، وتحرر وعيه من الاستلاب، وتعيد إليه حقه في السؤال والشك والتفكير الحر، وفي حماية عالمه الداخلي من الاختراق والتلاعب. كما يحتاج إلى استرداد صلته بذاته والآخرين والطبيعة والعالم خارج ما تفرضه شاشات السوق والسلطة؛ فالحرية لا تعني كثرة الخيارات المعروضة على الشاشة، وإنما تعني وعي الإنسان بمن يصنع هذه الخيارات، وبالمصالح الكامنة وراءها، وقدرته على تجاوزها وصوغ اختياراته وفقًا لقيمه وخبرته ورؤيته الخاصة للحياة.

اضف تعليق