تتيح المراجعة التي تُـجرى كل عشر سنوات (الجارية حاليا)، لتصميم برامج صندوق النقد الدولي وشروطه، الفرصة للصندوق للتخلي عن وصفات السياسات البالية الـهَدّامة، وتوجيه أمواله نحو ما توصلت إليه أبحاثه، وتَبَنّي النهج القائم على الأدلة الذي يقر موظفوه وقيادته بضرورته. في خضم التقلبات الاقتصادية المتنامية، يشكل التوقيت أهمية حاسمة...
واشنطن العاصمة ــ تأتي اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي هذا العام في وقت يتسم بتفاقم حالة انعدام اليقين الاقتصادي ويدعو إلى التدقيق الشديد في قدرات المؤسسة ونهجها. يزعم منتقدو الصندوق على اليسار إنه يفرض تدابير تقشفية رجعية على المقترضين، تُفضي إلى تفاقم الفقر، وتعوق النمو الاقتصادي، وتُضعِف قدرتهم على تحقيق استدامة الديون. وعلى اليمين، اتهمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الصندوق بأنه "يتجاوز مهمته"، مدّعية أنه انحرف عن مهمته الأساسية المتمثلة في الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.
ورغم أن هذه الانتقادات ليست كلها صحيحة، فإن صندوق النقد الدولي ذاته يدرك أن الإصلاح ضروري. وقد حدد باحثوه بالفعل تغييرات حاسمة، واعترفت قياداته بها. لكن الصندوق كان بطيئا في وضعها موضع التنفيذ.
وتعد النتائج بشأن التقشف التي توصل إليها الصندوق في عام 2016 مثالا على ذلك. قبل عقد من الزمن، أوضح خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي أن خفض الإنفاق العام أثناء الأزمات يؤدي إلى اتساع فجوات التفاوت، على النحو الذي يلحق الضرر "بمستوى النمو ومدى استدامته". يرتبط أحد الأسباب الرئيسية وراء هذا "بالمضاعفات المالية": أي التأثير الذي تخلفه التغيرات في الإنفاق الحكومي على الناتج المحلي الإجمالي.
وكما أظهر البنك الدولي، فإن الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية، مثل المساعدات النقدية الموجهة للفقراء، من الممكن أن يحقق عوائد هائلة، حيث يضيف كل دولار يُنفق 2.50 دولارا إلى الاقتصاد المحلي. والديناميكية هنا واضحة: تنفق الأُسَر المنخفضة الدخل الأموال التي تتلقاها على السلع والخدمات، فيدفع هذا الشركات إلى التوسع وتوظيف مزيد من العمال، الذين يزيدون بدورهم من إنفاقهم. لكن العكس صحيح أيضا، حيث إن كل دولار يُـخَـفَّض من الإنفاق الاجتماعي يزيل 2.50 دولارا من الاقتصاد.
مع ذلك، تظل سياسات التقشف تشكل أداة محورية في برامج صندوق النقد الدولي. ونتيجة لهذا، يظل النمو أقل من توقعات الصندوق على نحو مستمر ــ بعبارة أخرى، كلما اشتدت سياسات التقشف، اتسعت الفجوة. وعلى هذا فإن تقييمات القدرة على تحمل الديون التي تعتمد عليها برامج صندوق النقد الدولي كثيرا ما تثبت عدم دقتها، الأمر الذي يجعل البلدان التي تمتثل لمطالب الصندوق في احتياج إلى تمويل طارئ إضافي.
على نحو مماثل، دعت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا إلى فرض ضرائب أعلى على الأغنياء، موضحة أن الضرائب التصاعدية هي الأداة الأكثر فعالية التي تملكها الحكومات لتمويل ميزانيات الدولة وتضييق فجوات التفاوت دون الإضرار بالنمو. على النقيض من ذلك، تعمل الضرائب التراجعية مثل ضريبة القيمة المضافة (VAT) على تقويض النمو من خلال زيادة فجوات التفاوت اتساعا، وإضعاف الاستهلاك، وتثبيط الاستثمار وخلق فرص العمل. على الرغم من هذه النتائج، لا يزال قسم كبير من النصائح السياسية الرسمية المقدمة من صندوق النقد الدولي يشجع على اتخاذ تدابير ضريبية تراجعية في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل.
تتجلى هذه الفجوة بين المبدأ والممارسة أيضا في فهم صندوق النقد الدولي المحدود للسياسة والاقتصاد السياسي. يشير ما يصل إلى 85% من رؤساء بعثات الصندوق إلى أن القضايا السياسية هي "العقبة الرئيسية" التي تحول دون تنفيذ نصائح الصندوق في مجال السياسات، ومع ذلك تواصل المؤسسة توظيف الاقتصاديين فقط. وبالتالي، فإن افتقارها إلى الخبرة السياسية والمعرفة الخاصة بكل بلد هو مسألة ترتبط بالسياسات، وليس مجرد سهو.
للتعرف على إخفاقات صندوق النقد الدولي في الممارسة العملية، ما علينا إلا أن ننظر في حالة مِصر. بعد الانضمام إلى أربعة برامج متتالية للصندوق على مدار العقد الماضي، أصبحت البلاد الآن ثالث أكبر مدين للصندوق من حيث القيمة المطلقة، بديون مستحقة تبلغ 9.4 مليار دولار. مقابل هذه القروض، خفضت الحكومة أنظمة الحماية الاجتماعية الشاملة، وقلصت الإنفاق الاجتماعي، ورفعت الضرائب التراجعية مثل ضريبة القيمة المضافة والرسوم الجمركية.
ما لم تفعله مصر ــ على الأقل في مستهل الأمر ــ هو التعامل مع الشبكة الضخمة من الشركات المملوكة للجيش التي تثبط الاستثمار الخاص وتستنزف الموارد العامة. لم يكن صندوق النقد الدولي على دراية كافية باقتصاد مِصر السياسي ليدمج هذه القضية في برامج الإقراض المبكرة. لم يبدأ الصندوق في فرض شروط على الشركات المملوكة للجيش أخيرا إلا في عام 2022، بعد إقراض مصر 20 مليار دولار على مدى ست سنوات.
في الغالب الأعم، تَـمَسَّك صندوق النقد الدولي بنهجه التقليدي، مع نتائج متوقعة. فقد تسببت تدابير التقشف والضرائب في زيادة الفقر، وإضعاف الطلب المحلي، وتَـقَلُّص القطاع الخاص في 106 من أصل 120 شهرا الماضية. تقلص الناتج المحلي الإجمالي في مِصر من 351 مليار دولار في عام 2016 إلى 349 مليار دولار في عام 2025، حتى مع نمو السكان بنسبة 30%. في الوقت ذاته، تضاعف الدين الخارجي إلى ثلاثة أمثاله. في العام الماضي، كان المصريون ثاني أكبر مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا إلى أوروبا، وهذا يعكس تزايد الفقر ونقص فرص العمل في البلاد.
يعتمد استقرار الاقتصاد الكلي على القدرة على تحمل الديون، الأمر الذي يتطلب بدوره نموا قويا، وشاملا، ومستداما. بالتالي، يتعين على صندوق الدولي لكي يتسنى له الوفاء بمهمته العمل على تصميم برامج مخصصة لكل بلد على حِدة تراعي الحساسيات السياسية، وتتضمن استنتاجاته الخاصة حول العوامل التي تدفع النمو وتلك التي تقوضه. وبدلا من فرض سياسات التقشف، ينبغي لهذه البرامج أن تسعى إلى الاستفادة من الاستثمارات العامة في الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية. ينبغي لها أيضا أن تتضمن ضرائب تصاعدية، إلى جانب تدابير لتعزيز قدرة الحكومات على تحصيل الضرائب.
تتيح المراجعة التي تُـجرى كل عشر سنوات (الجارية حاليا)، لتصميم برامج صندوق النقد الدولي وشروطه، الفرصة للصندوق للتخلي عن وصفات السياسات البالية الـهَدّامة، وتوجيه أمواله نحو ما توصلت إليه أبحاثه، وتَبَنّي النهج القائم على الأدلة الذي يقر موظفوه وقيادته بضرورته. في خضم التقلبات الاقتصادية المتنامية، يشكل التوقيت أهمية حاسمة. ويجب على صندوق النقد الدولي ومساهميه ألا يسمحوا لأنفسهم بتفويت الفرصة.



اضف تعليق