في تاريخ أميركا البروتستانتية في سعيها نحو غرس إثم إسرائيل في عالمنا أن صنعت عقيدة الألفية المسيحية أو ما عبرت عنه بعض الدراسات بعلم الأخرويات الألفي وكان من نتائج هذا العلم تحول مفهوم "أورشليم السماوية" الى "القدس الأرضية"، وفي تلك المهمة البروتستانتية أبحر مبشرون تحت رعاية مجلس المفوضين الأمريكيين...
لم تكن اسرائيل صنعة يهودية توراتية أو صهيونية ولم تكن في تسلسلها تاريخياً عمل يهودي أو صهيوني بامتياز، فلم تكن التوراة تخص إسرائيل بالذكر في مفهومها التاريخي ولم تكن تعني بسعي يهودي تاريخي في إقامتها وتأسيسها إنما كانت مخططا مسيحيا-بروتستانتيا أميركيا خالصا، وقبل أن تلوح بذلك الحلم نصوص أو أدبيات يهودية متأخرة، بل قبل أن تبدأ الصهيونية فكرها التأويلي الذي مارسته في قراءه النص التوراتي حول ارض الميعاد، وقد سعى نابليون خلال حملته على مصر عام 1798م الى توطين اليهود في فلسطين إلا أن اليهود في آسيا وأروبا لم يستجيبوا الى محاولات نابليون.
ولم تؤشر الأدبيات اليهودية قبل القرن التاسع عشر الميلادي أي احتمالات في إقامة وطن مسترد لليهود في فلسطين، وكانت الفكرة أو العقيدة اليهودية التوراتية التي تقوم على عقيدة أرض الميعاد التي وعد الله تعالى بها إبراهيم كما تقول التوراة، تعتمد على التدخل الإلهي المباشر بعودة موسى أو يهوه أو يوشع على اختلاف في النظر اليهودي التفسيري أو خلاصتها في المشيح أو المسيح الموعود، وكانت تاريخيا هي نقطة الافتراق بين الاسرائيلية اليهودية والاسرائيلية المسيحية في أول أمرها ثم صارت عقدة افتراق كبرى بين الديانتين.
ثم أعادت الجمع بينهما البروتستانتية المسيحية اللوثرية والكلفانية لا سيما مع القراءة الحرفية التي اعتمدها مارتن لوثر بإقصائه العقل والتأويلات الكاثوليكية للنصوص الدينية التوراتية والانجيلية والتي مهدت كثيرا لفكرة الأرض الموعودة لليهود في فلسطين، وكذلك اعتماد البروتستانتية على عقيدة العمل الفردي والجماعي من أجل تطبيق عملي للتعليمات المسيحية يقوم بها الأفراد المسيحين، ويستغنون بذلك عن رجل الدين المسيحي فالعلاقة يجب أن تكون مباشرة بين الإنسان المسيحي والرب ولا تمر عبر وسيط بشري أو كهنوتي، وهو ما دعاه الى التمرد على عقيدة صكوك الغفران الكاثوليكية، وقام بتأثير من إلغاء الوسيط بين الإنسان المسيحي والرب بترجمة الكتاب المقدس الى اللغات أو اللهجات العامية المتداولة.
وقد ترتب على عقيدة العمل الفردي والجماعي المسيحي أن يسعى أتباعه الى العمل على عودة المسيح الثانية-الألفية وتهيئة المناخ المناسب له في العودة وتحقق القيامة أو الدينونة الصغرى، ولم يعد المسيحي البروتستانتي مجرد منتظر يأمل إنجاز الرب وينتظر قرار الرب بعودة أو بعث المشيح أو المسيح الموعود كما يفعل اليهود والمسيحية التقليدية الكاثوليكية، بل يجب الخروج الى الأراضي المقدسة والعيش فيها، وتمهيدها لإعادة اليهود إليها باعتبارها شرط عقائدي في البروتستانتية في عودة المسيح الثانية ثم الانقلاب عليهم وقتلهم من أجل العودة الكلية والألفية للمسيح.
وفي التطبيق العملي لنصوص الكتاب المقدس أطلق البروتستانت أسماء توراتية على جغرافيا الأرض التي هاجروا إليها من أوربا الى أميركا الشمالية، وتقول نشرة فلسطينية (سُميت عشرات البلدات بأسماء توراتية مثل الناصرة "Nazareth" وصهيون "Zion" والخليل "Hebron" ولبنان "Lebanon" وبيت لحم "Bethlehem" قبل الثورة، واستمر عددها في الازدياد إلى عدة مئات بعد الاستقلال مع توسع الاتحاد غرباً.
كان الخطاب الألفيّ، وهو الاعتقاد بأن المسيح سيعود ليقيم حكماً مدته ألف عام، قد تغلغل في المجتمع الأمريكي الاستيطانيّ، إلى جانب تساؤلات عن مكانة اليهود في الألفية وخلاصهم وإعادة تسكينهم وتمركزهم في الأراضي المقدسة "Restoration"، ولكن التفسيرات البروتستانتية كانت تصطدم بحقيقة أن تلك الأرض – أميركا لم تكن فلسطين أو أرض الميعاد الموعود فيها ظهور أو قيام المسيح، وهنا برز سؤال هل يمكن أن تكون تلك الأرض بديلا عن إسرائيل التوراتية وتحت ضغط الحرفية في قراءة النص التوراتي، كان الإيمان البروتستانتي يتجه الى تبني فكرة إسرائيل التوراتية تبنيا دينيا حادا وأن فلسطين هي الأرض التي لا يوجد غيرها مكانا لإقامة الحلم التوراتي الذي يجد تكملته في المسيحية-الصهيونية وفق العقيدة البروتستانتية.
وكانت أول محاولة في ترسيخ تلك العقيدة كحقيقة سياسية مع ويليام بلاكستون 1841-1935م وهو بروتستانتي-مشيخي إنجيلي فقد سافر في العام 1888م إلى الأرض المقدسة وزار مواقع الحج المسيحية والمستعمرات اليهودية الحديثة النشأة، ودعا الى إعادة اليهود من جميع أنحاء العالم إلى فلسطين وتأسيس دولة يهودية كشرط مسبق للمجيء الثاني ليسوع المسيح وفق عقيدته البروتستانتية.
وفي آذار1891م قدم بلاكستون للرئيس بنجامين هاريسون مذكرة موقعة من 413 شخصية تضم قادة كنائس ورجال أعمال ورؤساء مؤسسات تعليمية وأصحاب صحف ورؤساء تحرير وسياسيون وحكام ولايات ورئيس المحكمة العليا وأعضاء كونغرس وقد تساءلت مذكرة بلاكستون (إلى أين سيذهب 2.000.000 من هؤلاء الفقراء؟ إن أوروبا مزدحمة ولا تتسع لمزيد من الفلاحين هل سيأتون إلى أمريكا؟ سيكون ذلك مكلفاً جداً وسيتطلب سنوات لماذا لا نعيد إليهم فلسطين مرة أُخرى؟ فوفقاً لتوزيع الله للأمم إنها وطنهم وهي ملك غير قابل للتصرف وقد طُردوا منها بالقوة).
وكانت تلك المذكرة قد رفعت الى الحكومة الأميركية على أثر قيام روسيا القيصرية الأرثذوكسية في العام 1882م بمحاولة طرد اليهود من أراضيها، وكانت دعوة الأميركي بلاكستون قبل ظهور دعوة تيودور هرتزل الى تأسيس وطن قومي لليهود فقد نشر هرتزل كتابه "الدولة اليهودية" في العام 1896م ثم دعا إلى انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا في العام 1897م، وفي ذلك المؤتمر تأسست المنظمة الصهيونية وبذلك فإن الرؤية المسيحية البروتستانتية الأميركية كانت تسبق الحركة الصهيونية في الدعوة الى احتلال فلسطين وإقامة الوطن القومي فيها لليهود، وهي قضية لم يفكر بها اليهود قبل بلاكستون باستثناء آمال وأحلام كانت تراود المخيلة الدينية اليهودية.
وفي مسارات التوافق والاجماع الأوربي حول إعادة اليهود الى فلسطين عقد مؤتمر لندن في العام 1840م وقد حضره اللورد بالمرستون وزير الخارجية البريطانية وقد تسلم طلبا في هذا المؤتمر طلب فيه المؤتمرون تبني الحكومة البريطانية عملية تنظيم هجرة اليهود الى فلسطين، وقد تبنى بالمرستون الدعوة لإقامة كومنولث يهودي في بقعة كانت تشغلها الدولة إسرائيل العبرية القديمة في فلسطين وتكون مجرد دولة تابعة للتاج البريطاني وفق مفهوم الكومنولث وقد كانت كل المحاولات قبل كلانستون تهدف الى تأمين مصالح الدول ومصالح اليهود لا سيما حاخامات اليهود.
ولم يبدو عند اليهود أي اهتمام بمحاولات بعض الحاخامات في العام 1833م بالدعوة الى توطين اليهود في فلسطين، وقد قام بتلك المحاولات كتّاب يهود هما يهودا الكالاي والحاخام يهودا قلعي، وفي استمرار عدم المبالاة اليهودية بالبدعة البروتستانتية كانت دعوة بلاكستون تلقى المعارضة اليهودية في الداخل الأميركي لأنه يتعارض مع رغبة هؤلاء اليهود الذين كانوا يسعون الى الاندماج في المجتمع الأمريكي والتخلص من تاريخ من النبذ الوطني لهم من جانب الدول والمجتمعات الأوربية التي عاشوا فيها قبل هجراتهم الى أميركا منذ أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.
وقد كان في تاريخ أميركا البروتستانتية في سعيها نحو غرس إثم إسرائيل في عالمنا أن صنعت عقيدة الألفية المسيحية أو ما عبرت عنه بعض الدراسات بعلم الأخرويات الألفي وكان من نتائج هذا العلم تحول مفهوم "أورشليم السماوية" الى "القدس الأرضية"، وفي تلك المهمة البروتستانيتة أبحر مبشرون تحت رعاية مجلس المفوضين الأمريكيين للإرساليات الأجنبية إلى فلسطين في العام 1819م المسيحيين وخصوصاً اليهود في فلسطين على اعتناق البروتستانتية، ولكن كان المبشرون البروتستانت من البريطانيين أكثر نشاطا منهم في فلسطين وقام أولئك المبشرون الأمريكيون بتنظيم زيارات إلى فلسطين طوال القرن التاسع عشر.
وكذلك كان للبعثات الاستكشافية في إطار "علم الآثار التوراتية" دورا مهما في غرس تلك النبتة الآثمة في منطقتنا، وقد أسس هذا الاتجاه في التاريخ عالم توراتي أمريكي هو إدوارد روبنسون في العام 1837م وقد أراد أن يثبت بالأدلة الأثرية "الحقيقة التاريخية" للكتاب المقدس وهي لازالت تغذي العقل الإسرائيلي الحديث وأن شعب فلسطين من بقايا الحقبة التوراتية، وقد ظلت تلك البعثات الاستكشافية تعمل خلال القرن التاسع عشر الميلادي ولكن كانت تتقدم عليها في هذه المهمة البروتستانتية البعثات الاستكشافية البريطانية فقد كانت بريطانيا من أهم مهاد وقواعد البروتستانتية إضافة الى استعدادات الدولة البريطانية في نشأتها كدولة كبرى وامبراطورية عظمى.
ولم تكن تلك الدعوات الى إقامة وطن قومي لليهود ذا منحى ديني خالص عند ساسة وقادة أوربا السياسيين والفكريين إنما تضافرت عوامل مادية واقتصادية وحتى اجتماعية في تصدير هذه الفكرة والعمل على إنجازها، فقد كانت المسألة اليهودية موضع جدل ونقاش بسبب اضطراب الأوضاع السياسية والاجتماعية في أوربا على أثر الهجرات اليهودية من اسبانيا وروسيا الى أوربا الغربية بسبب الاضطهادات التي ألحقتها باليهود الكنيسة المسيحية في كلا الدولتين، وبداية تشكل عقدة الذنب الأوربية تجاه اليهودية والتي كانت الرحم التي نمت فيها فكرة معاداة السامية وقد تعززت تلك الفكرة وانتظمت في حقل الحداثة الأوربية في القرن الثامن عشر الميلادي، لا سيما مع الريادة اليهودية المبكرة في تأسيس وإنتاج الحداثة الأوربية -ارمسترنغ- وترويج فكرة المواطنة بعيدا عن تقسيمات الدين، ويرى عبد الوهاب الكيالي أن فشل التنوير الأوربي في دمج اليهود في المواطنة تسببت عنها فكرة العودة اليهودية الى فلسطين.
وقد تزامنت تلك المسألة اليهودية مع ظهور نابليون وسعيه الى الاستحواذ على دول أوربا وظهور دولة القياصرة في روسيا كأحد أخطر خصوم أوربا وتوقعات القادة الأوربيين انهيار وسقوط الدولة العثمانية التي بدت مترهلة في القرن التاسع عشر الميلادي، وكان من أثارها ابتكار أوربا نظام الامتيازات في الدولة العثمانية والتمثيل القنصلي لها في مدن ومناطق الدولة العثمانية، وكانت المسألة اليهودية تدخل في نطاق تلك الاهتمامات الإدارية والسياسية الأوربية، وتكرست بقوة في ما يعرف أوربيا بالمسألة الشرقية التي كانت فلسطين محورا أساسيا ومهما.
وقد لعبت القنصليات الأوربية دورا بارزا وخطيرا في تكوين وترويج فكرة وطن قومي بديل لليهود في فلسطين، وتشير تلك التوافقات الأوربية على إجماع الغرب على صنع إسرائيل وتكوين حاجز بشري وثقافي وديني بين عالم الشرق الإسلامي وعالم الغرب المسيحي، فالسواحل الشرقية للبحر المتوسط ظلت تشكل هاجسا مقلقا لأوربا عبر التاريخ لا سيما بعد سقوط القسطنطينية، وقد كتب بالمرستون (إن عودة الشعب اليهودي الى فلسطين بدعوة من السلطان تشكل سدا في وجه مخططات شريرة يعدها محمد علي ومن يخلفه) وقد تبنى فكرة بالمرستون رجال السياسة الاستعمارية البريطانية وصولا الى تشرشل ولكنها مرت ولازالت تمر من خلال غرس الإثم الذي غرسته المسيحية البروتستانتية.



اضف تعليق