تواجه اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ضغوطًا متزايدة لتقليص اعتمادها على النفط، مع تحولات الطاقة وتنامي السكان واحتياجات العمل. ويتطلب الانتقال إلى اقتصاد منتج تنويع الإيرادات والصادرات، ورفع الإنتاجية، وتطوير المهارات والمؤسسات والمنافسة، وحماية الفئات المتضررة من الإصلاح. كما يرتبط نجاح التحول بتجديد العقود الاجتماعية وتعزيز الاستقرار والتكامل...
تقف اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمام مرحلة تتزايد فيها صعوبة الاعتماد على النفط والغاز لتمويل الإنفاق العام وتوفير الوظائف والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي. فمع تحولات أسواق الطاقة، وتسارع التطور التكنولوجي، وتنامي الاحتياجات السكانية، تبرز الحاجة إلى تحويل العائدات النفطية إلى قاعدة إنتاجية متنوعة، قادرة على توليد الدخل وفرص العمل ومواجهة الصدمات.
وفي هذا السياق، تقدم دراسة «أفول عصر النفط في زمن اللايقين: الانتقال من الحلقة المفرغة إلى الحلقة المثمرة»، التي أصدرتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في تشرين الأول 2026، قراءة مترابطة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه المنطقة. وتوضح أن نجاح التنويع يتطلب رفع الإنتاجية، وتطوير المؤسسات والمنافسة، وتجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، بالتوازي مع تعزيز الاستقرار والتكامل الإقليمي، بما يتيح توظيف الثروة المتاحة اليوم في بناء اقتصاد أكثر استدامة للأجيال المقبلة.
على امتداد عقود، منح النفط والغاز دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قدرة واسعة على تمويل التنمية، وبناء البنية التحتية، وتوسيع الخدمات العامة، وتوفير الوظائف والدعم. لكن الثروة التي أسهمت في تشكيل اقتصادات المنطقة وعلاقاتها الاجتماعية وموقعها الدولي أصبحت تفرض عليها سؤالًا مختلفًا: كيف يمكن تحويل العائدات المتاحة اليوم إلى قدرة إنتاجية تضمن الاستقرار والازدهار عندما تتغير أسواق الطاقة وتتراجع قدرة الريع على تلبية احتياجات السكان؟
تنبع أهمية هذا السؤال من ضخامة الموارد التي مرت بالمنطقة، ومن اتساع الفجوة بين امتلاك الثروة وبناء اقتصاد قادر على تجديدها. ففي عام 2025، بلغت حصة المنطقة نحو 30 في المئة من الصادرات العالمية للنفط والغاز، وتجاوزت عائداتها الإجمالية تريليون دولار. ومنذ انطلاق الطفرة النفطية الثانية عام 2000، وصلت إيرادات صادراتها من هذين الموردين إلى نحو 25 تريليون دولار، محسوبة بأسعار عام 2025، وفق الأرقام التي تعرضها الدراسة.
ورغم هذا الحجم الاستثنائي من الإيرادات، ما زالت اقتصادات كثيرة تعتمد على موارد الطاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالدول المصدرة تستند إليها في الموازنات والصادرات والتوظيف والطلب المحلي، فيما ترتبط بها الدول المستوردة من خلال تحويلات العاملين والاستثمارات والمساعدات الآتية من البلدان النفطية. ولذلك فإن التحول في اقتصاد الطاقة سيترك أثره في المنطقة بأكملها، وإن اختلفت قنوات انتقاله وشدته بين بلد وآخر.
تنطلق دراسة «أفول عصر النفط في زمن اللايقين: الانتقال من الحلقة المفرغة إلى الحلقة المثمرة»، التي تقدم، بأقلام إسحاق ديوان ونور عرفة وحمزة المؤدب ومروان المعشر، رؤية تربط التنويع الاقتصادي بإنتاجية العمل، والعقود الاجتماعية، والاستقرار والتعاون الإقليميين. وفي هذا الإطار، يصبح الانتقال الاقتصادي مشروعًا متكاملًا يمس طريقة إنتاج الثروة وتوزيع الفرص وإدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع.
ثروة كبيرة وتنويع غير مكتمل
تكشف المقارنة بين اقتصادات المنطقة أن حجم الثروة النفطية وحده لا يفسر نجاح التنويع أو تعثره. فالدول التي تتمتع بنصيب مرتفع للفرد من عائدات النفط والغاز، مثل الإمارات وقطر، استطاعت توسيع أنشطتها غير النفطية بدرجة أكبر من دول ذات نصيب أقل، مثل العراق والجزائر. وفي الحالتين الأخيرتين، يظل قطاع الموارد كبيرًا داخل الاقتصاد لأن الأنشطة الإنتاجية الأخرى لم تتطور بالقدر الكافي، رغم تواضع العائدات المتاحة لكل فرد مقارنة ببعض البلدان الخليجية.
يعكس هذا التفاوت اختلاف القدرة على تحويل الإيرادات إلى بنية اقتصادية أوسع. فالعائدات تستطيع تمويل الطرق والموانئ والمطارات والتعليم، لكنها تحتاج إلى مؤسسات وسياسات تجعل هذه الاستثمارات أساسًا لإنتاج تنافسي. وعندما تذهب الحصة الأكبر إلى الاستهلاك الجاري، أو تتوزع عبر شبكات المحسوبية، تظل قدرة الاقتصاد على توليد مصادر دخل جديدة محدودة، حتى إذا سجل توسعًا في الإنفاق والعمران والخدمات المحلية.
ويقتضي فهم التنويع التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: تنوع الأنشطة التي يتكون منها الناتج المحلي، وتنوع مصادر إيرادات الدولة، وتنوع الصادرات التي توفر العملات الأجنبية. فقد تتوسع الخدمات والتجارة والبناء، بينما تبقى الموازنة معتمدة على النفط، وتبقى غالبية السلع المستوردة ممولة بعائداته. وفي هذه الحالة، يكون الاقتصاد قد اتسع من الداخل، لكن قدرته على مواجهة تراجع الإيرادات الخارجية تظل ضعيفة.
بحسب الدراسة، تقارب مساهمة النفط والغاز 80 في المئة أو أكثر من إيرادات الموازنة والصادرات في دول مثل العراق والكويت وقطر وعُمان، مع تفاوت التفاصيل بين البلدان والمؤشرات. ويبين ذلك أن انخفاض حصة النفط في الناتج المحلي لا يكفي للحكم على انتهاء الاعتماد عليه. فالمعيار الأعمق يتعلق بقدرة الدولة والاقتصاد على الاستمرار في تمويل الإنفاق والاستيراد إذا تراجعت العوائد الهيدروكربونية مدة طويلة.
كما أن جزءًا مهمًا من النشاط المسمى غير نفطي يظل مرتبطًا بالنفط من خلال الطلب الحكومي. فشركات المقاولات والتجارة والعقار والخدمات قد تعمل خارج قطاع الاستخراج، لكنها تعتمد على مشاريع تمولها الدولة، وعلى استهلاك تدعمه الرواتب العامة. ولذلك يتطلب التنويع الفعلي توسيع الأنشطة التي تمتلك مصادر طلب مستقلة نسبيًا، وتستطيع بيع سلعها وخدماتها في الأسواق الخارجية، بدل الاقتصار على إعادة تدوير الإيرادات داخل السوق المحلية.
ويستدعي تقييم التنويع أيضًا الانتباه إلى الصلة بين النشاط الجديد ومدخلاته. فالتوسع في صناعة تعتمد على طاقة مدعومة أو عقود حكومية دائمة قد يضيف إنتاجًا وصادرات، لكن استدامته ترتبط بمقدار قدرته على تحمل تغير شروط الدعم والتمويل. ولهذا تركز الدراسة على الإنتاجية والقدرة التنافسية، وعلى تطور الروابط داخل الاقتصاد. فكلما انتشرت المعرفة والتدريب والموردون المحليون حول النشاط الجديد، اتسع أثره التنموي، وأصبح أقل انعزالًا عن بقية القطاعات، وأكثر قدرة على توليد فرص متراكمة تتجاوز المشروع المنفرد، وتساعد الاقتصاد على استيعاب العاملين وبناء خبرة يمكن نقلها وتطويرها في مجالات أخرى مع مرور الوقت.
تحولات الطاقة تضيق نافذة الانتظار
يرتبط أفول العصر النفطي، في منظور الدراسة، بتغير الدور الاقتصادي للنفط والغاز وتراجع ضمان استمرار عائداتهما بالمستويات السابقة. وتحدد ثلاثة عوامل رئيسة تدفع نحو هذا التحول: التقدم التكنولوجي، والسياسات المناخية، والمخاطر الجيوسياسية. وتتفاعل هذه العوامل بطرق متفاوتة، فتجعل المستقبل مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، لكنها تمنح الدول المعتمدة على الطاقة سببًا واضحًا لتسريع الاستعداد وعدم ربط سياساتها بتوقع واحد للأسعار والطلب.
أصبح التقدم في المركبات الكهربائية والبطاريات ومصادر الطاقة المتجددة عاملًا مؤثرًا في مستقبل استهلاك الوقود، خصوصًا في النقل البري. وتؤدي الصين دورًا محوريًا في هذا المسار، عبر توسيع إنتاج تقنيات الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات وتصديرها بأسعار تنافسية. وتتجاوز دوافع هذا التطور الاعتبارات البيئية لتشمل بناء صناعات جديدة وتقليص الاعتماد على الطاقة المستوردة، وهو ما يمنح التحول قاعدة اقتصادية واستراتيجية متداخلة.
وتضيف السياسات المناخية ضغطًا على استهلاك الموارد الهيدروكربونية، وإن تفاوت الالتزام بها بين الدول والفترات. فالقيود على الانبعاثات وتطوير الطاقة النظيفة وتغيير معايير الإنتاج والتجارة تدفع نحو تقليص كثافة استخدام الوقود الأحفوري. وفي الوقت نفسه، قد تؤخر الضغوط المالية والمعارضة الاجتماعية بعض الإجراءات. لذلك تعرض الدراسة التحول بوصفه مسارًا غير منتظم، تتسارع خطواته في مناطق وقطاعات، بينما تتباطأ في مناطق وقطاعات أخرى.
وتوضح السيناريوهات التي تناقشها الدراسة حجم الاختلاف المحتمل. ففي المسارات التي تفترض تنفيذ تعهدات مناخية واسعة أو بلوغ صافي الانبعاثات الصفري، قد ينخفض الطلب العالمي على النفط بنسبة تتراوح بين 50 و75 في المئة بحلول عام 2050. وهذه تقديرات مشروطة بافتراضات السياسات والتنفيذ، وليست نتيجة واحدة محسومة. أما استمرار السياسات القائمة، فيتيح بقاء دور واسع للنفط، مع تغير التوزيع الجغرافي للطلب ومجالات استخدامه.
وتعرض الدراسة، ضمن مناقشتها لمستقبل الطلب، احتمال استمرار نمو الاستهلاك في الهند وسائر آسيا وأجزاء من أفريقيا، مقابل تراجعه في الاقتصادات المتقدمة. كما يظل الطلب على البتروكيميائيات والطيران والشحن مختلفًا عن الطلب في النقل البري. وتبرز هذه الفروق أهمية التمييز بين تباطؤ نمو النفط عالميًا، وتراجع بعض استخداماته، وتغير حصة كل منتج من الأسواق، بدل جمعها في توقع مبسط عن اختفاء الطلب دفعة واحدة.
أما المخاطر الجيوسياسية، فتؤثر في جاذبية الإمدادات والاستثمارات من خلال أمن المنشآت والممرات البحرية وكلفة التأمين والنقل. وتتمتع دول الخليج بانخفاض تكاليف الاستخراج، بما يمنحها ميزة في مواجهة منتجين أعلى كلفة. لكن اضطراب الإمدادات يمكن أن يضعف هذه الميزة، ويدفع المستوردين إلى تنويع مصادرهم وتسريع البدائل. وهكذا يصبح الاستقرار جزءًا من القدرة التنافسية للطاقة نفسها، إلى جانب أهميته للاستثمار في القطاعات الجديدة.
وتتضح أهمية اختلاف السيناريوهات عند النظر إلى استراتيجية الدول منخفضة الكلفة التي تراهن على البقاء ضمن آخر المنتجين في السوق. فالحفاظ على حصة أكبر من سوق متقلصة قد يطيل أمد التصدير، لكنه لا يضمن المحافظة على القيمة نفسها للإيرادات، خصوصًا إذا تراجعت الأسعار. كما أن توسيع التكرير والبتروكيميائيات وتعميق العلاقات مع الأسواق الآسيوية يساعدان على إدارة التحول، لكنهما لا يلغيان الحاجة إلى أنشطة مستقلة عن دورة الطاقة. ولذلك تصبح الميزة النفطية موردًا لتمويل الاستعداد، ويحدد استخدامها الحالي مقدار المرونة التي ستمتلكها الدولة عندما تتغير شروط الطلب والمنافسة والتمويل في المستقبل.
الوظيفة الحكومية أمام حدودها المالية
تفرض التحولات السكانية والتعليمية سببًا إضافيًا للتنويع، حتى قبل تحقق السيناريوهات الأشد تراجعًا للطلب النفطي. فعدد الداخلين إلى سوق العمل يرتفع، ومستويات التعليم تتقدم، وطموحات الشباب تتوسع، بينما لا تنمو الموارد المتاحة لكل فرد بالوتيرة نفسها. ومنذ عام 2010، تراجع نصيب الفرد من الريوع النفطية والغازية، وفق الدراسة، بفعل تفاعل تغير الأسعار مع زيادة السكان واتساع الاحتياجات العامة.
في مراحل سابقة، استطاعت الحكومات استيعاب أعداد واسعة من المواطنين داخل الجهاز العام، مستخدمة التوظيف قناة لتوزيع الثروة وتأمين الدخل والاستقرار. لكن استمرار هذا المسار يرفع الالتزامات الجارية ويقيد القدرة على الاستثمار. كما أن استيعاب الخريجين في وظائف لا تستثمر مهاراتهم بكفاءة يحول التعليم إلى عبء مالي متزايد، بدل أن يجعله قوة دافعة للإنتاج والتجديد الاقتصادي وتحسين نوعية الخدمات.
وتشير الدراسة إلى أن بعض الاقتصادات تواجه صعوبة في الحفاظ على توظيف حكومي واسع وتحقيق توازن مالي عندما تنخفض أسعار النفط. وتعرض الكويت مثالًا بارزًا، إذ يعمل أكثر من 80 في المئة من القوى العاملة الوطنية في القطاع العام. ويعني ذلك أن أعدادًا كبيرة من الأسر تعتمد على قدرة الموازنة على الاستمرار في دفع أجور ومزايا مرتفعة، وهي قدرة تتأثر مباشرة بمسار الموارد والأسعار والالتزامات المتراكمة.
وتوضح بيانات أوردتها الدراسة لعام 2021 أن فاتورة أجور القطاع العام قاربت 16 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في السعودية، ونحو 19.5 في المئة في الكويت، مقابل نحو 9 إلى 10 في المئة في البحرين وقطر وعُمان. وتكشف هذه النسب مقدار الموارد التي تلتزم بها الدولة سنويًا، وتبين صعوبة تحويل الإنفاق نحو الاستثمار مع استمرار التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالتوظيف العام.
يتطلب الانتقال، لذلك، بناء وظائف منتجة توفر دخلًا مناسبًا وفرصًا للتقدم خارج الإدارة الحكومية. فإبطاء التعيين وحده يترك الداخلين الجدد إلى سوق العمل أمام فجوة بين ما ورثوه من توقعات وما يجدونه من فرص. والنجاح يقاس بقدرة الأنشطة الجديدة على استيعابهم بأجور ومهارات ومسارات مهنية قابلة للاستمرار، مع توفير حماية اجتماعية تساعدهم على التعامل مع تغير طبيعة العمل وتقلباته.
وتشير هذه التحولات إلى ضرورة مراجعة مفهوم الأمان الوظيفي نفسه. فحين يرتبط الأمان بوظيفة حكومية محددة، يصبح الانتقال إلى نشاط آخر مخاطرة كبيرة، حتى إذا امتلك العامل مهارات مناسبة. أما توسيع التأمين والحماية والتدريب، فيساعد على جعل الانتقال أقل كلفة على الأسرة. ومن شأن هذا المسار أن يقرب بين احتياجات الاقتصاد إلى المرونة وحاجة المواطنين إلى الاستقرار. وتظل جودة الوظائف وأجورها شرطًا حاسمًا، لأن دفع الشباب إلى القطاع الخاص دون تحسين فرصهم الفعلية قد ينقل العبء المالي والاجتماعي إليهم، ويضعف التأييد العام للسياسات التي يفترض أن تفتح أمامهم آفاقًا أفضل.
التجربة الخليجية بين الطموح والقدرة التنافسية
أطلقت دول مجلس التعاون الخليجي رؤى وبرامج طويلة الأمد تستهدف تخفيف الاعتماد على النفط، وتطوير القطاعات الخاصة، وجذب الاستثمار، وتحديث الخدمات الحكومية. وشملت هذه المسارات تنمية السياحة والضيافة والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالطاقة والتمويل، ثم قطاعات الطاقة المتجددة والتقنيات المتقدمة. وقد وفرت الموارد المالية والبنية التحتية أساسًا مهمًا لهذا التحول، مع تفاوت واضح في سرعة التنفيذ والنتائج بين دولة وأخرى.
في السعودية، يؤدي صندوق الاستثمارات العامة دورًا محوريًا عبر الاستثمار في شركات ومشروعات وقطاعات جديدة. وتقدر الدراسة ما يضخه سنويًا في الاقتصاد المحلي بما يعادل نحو 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتشمل مهامه تطوير الشركات القائمة، وإطلاق أنشطة جديدة، وتحفيز مشاركة القطاع الخاص، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والمساهمة في تشكيل البيئة المؤسسية والسياسات التي تحتاج إليها التحولات الاقتصادية واسعة النطاق.
لكن الفجوة بين الأهداف والنتائج ما زالت ملموسة. فوفق الأرقام المعروضة، استهدفت السعودية رفع حصة القطاع الخاص من الناتج المحلي من 40 في المئة عام 2016 إلى 65 في المئة عام 2030، بينما بلغت نحو 43 في المئة عام 2025. كما ارتفعت حصة الصادرات غير الهيدروكربونية من 16 إلى 27 في المئة خلال الفترة نفسها، مقابل هدف بلوغ 50 في المئة عام 2030.
تكشف هذه الفجوة طبيعة التحدي: إنشاء أنشطة جديدة يحتاج إلى وقت وقدرات إنتاجية وأسواق، ويتطلب أكثر من ضخ التمويل. فالسياحة، مثلًا، تحتاج إلى بنية تحتية وفنادق ومهارات وخدمات مساندة تعمل بصورة متكاملة. والصناعة التصديرية تحتاج إلى جودة وتكلفة وتسليم منتظم وقدرة على التطوير. ولذلك يصبح تنسيق الاستثمار والتدريب والتنظيم ضروريًا، مع متابعة النتائج وتصحيح المشروعات التي لا تحقق أهدافها الاقتصادية.
وتبرز أهمية الفصل بين الأنشطة التي تخدم السوق المحلية والأنشطة القادرة على المنافسة الدولية. فقد ينمو قطاع خدمات محلي بفعل الإنفاق الحكومي، بينما يتطلب التصدير مجاراة منتجين من دول متعددة. وقد نجحت بلدان الخليج في مجالات تستفيد من الطاقة ورأس المال، مثل البتروكيميائيات والألمنيوم والأسمدة، لكن توسيع قاعدة التنافس إلى أنشطة أخرى يظل مشروطًا بالمهارات والابتكار وكفاءة المؤسسات وتراكم الخبرة داخل الشركات.
وتقدم تجربتا البحرين وعُمان صورة عن اختلاف مسارات التنويع حتى بين البلدان ذات الموارد الأقل نسبيًا. فقد اتجهت البحرين مبكرًا إلى الألمنيوم والخدمات المالية، بينما تطور المسار العُماني لاحقًا حول الصناعات والموانئ، ثم السياحة والطاقة المتجددة والهيدروجين. وتبين المقارنة أن توقيت التحول والموقع الجغرافي والعلاقة بالأسواق والتغير التكنولوجي عوامل تحدد طبيعة الفرص، وأن نقل تجربة دولة إلى أخرى يحتاج إلى مراعاة شروطها الخاصة.
وتبين هذه التجارب أيضًا أن وفرة رأس المال لا تعوض جميع القيود الطبيعية والتنظيمية. فارتفاع الحرارة يزيد الحاجة إلى التبريد، وندرة المياه ترفع أهمية التحلية، والاعتماد على المركبات يوسع استهلاك الطاقة. وتضع هذه الخصائص أمام المشروعات الصناعية والخدمية اعتبارات تتعلق بالكلفة والاستدامة. كما أن السباق نحو القطاعات المتشابهة داخل أسواق متقاربة يحتاج إلى فهم حجم الطلب ومصادره، حتى تتحول الاستثمارات إلى قدرات قابلة للاستخدام. ومن هنا تكتسب المتابعة والتقييم أهمية توازي أهمية إطلاق المشروعات، لأن الحفاظ على الموارد يتطلب معرفة ما يحقق قيمة اقتصادية وما يحتاج إلى إعادة تصميم أو ترتيب للأولويات.
دور الدولة وحدود حماية الشركات
تضع الدراسة الدولة في موقع أساسي داخل عملية التنويع. فبناء قطاعات جديدة يتطلب تخطيطًا وتنسيقًا وتمويلًا للبنية التحتية والتعليم والتدريب، وقد يستدعي تحمل مخاطر لا تستطيع الشركات الخاصة مواجهتها منفردة. كما أن المستثمر الأول في نشاط ناشئ قد يتحمل تكلفة تطوير مهارات أو خدمات يستفيد منها منافسون لاحقون، وهو ما يفسر الحاجة إلى سياسات صناعية تساعد على إطلاق الإنتاج وتجاوز العقبات الأولية.
لكن فاعلية هذا الدور ترتبط بطريقة اختيار المشروعات والشركات وتقييم النتائج. فعندما توزع المساندة وفق الولاء والقرب من السلطة، تصبح السياسة الصناعية وسيلة لحماية الامتيازات. وعندما تتوافر مؤشرات أداء ومراجعة مستقلة وإمكان لتعديل القرارات، يمكن للدعم أن يساعد الشركات على بناء قدراتها. والفارق بين الحالتين يظهر في قدرة المؤسسة على الاستمرار والمنافسة، وفي مقدار القيمة التي تحققها مقارنة بالموارد العامة التي تحصل عليها.
وتحذر الدراسة من أن التوسع في الشركات المملوكة للدولة قد يفضي إلى صناعات تعتمد دائمًا على التمويل والحماية. وقد أثبتت شركات عامة خليجية قدرة إدارية مهمة في المرافق والنقل وبعض القطاعات الكبرى، لكن دخول أنشطة تنافسية جديدة يفرض اختبارات مختلفة. فالشركة التي تحصل على أرض وتمويل وطاقة بشروط مميزة قد تتوسع سريعًا، بينما تظل كفاءتها الفعلية غير واضحة ما لم تخضع للمقارنة والمساءلة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في اقتصادات تتمتع فيها المؤسسات العامة والصناديق السيادية بوزن كبير. فتمركز الموارد قد يسهل تعبئتها لمشروعات استراتيجية، لكنه قد يضيق المجال أمام منشآت مستقلة أكثر مرونة وابتكارًا. وتحتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى فرص فعلية في التمويل والمشتريات والأسواق، وإلى تنظيم يتيح لها النمو ومنافسة المؤسسات الراسخة، بدل بقائها تابعة للمقاولات الثانوية أو محصورة في أنشطة محدودة الإنتاجية.
وفي جوهر هذه القضية سؤال عن توزيع القوة الاقتصادية. فالقطاع الخاص القادر على المبادرة يحتاج إلى قدر من الاستقلال والثقة بالقواعد، وإلى ضمان أن النجاح يتحدد بالأداء. وقد تتردد النخب المستفيدة من الوضع القائم في قبول منافسين جدد يهددون حصصها. لذلك يصبح إصلاح المنافسة وسيادة القانون وحوكمة الدعم جزءًا أصيلًا من التنويع، لأن تنمية الإنتاج تتطلب إتاحة الموارد والفرص للجهات الأقدر على استخدامها.
وتشدد الدراسة على أهمية قدرة منظومة القرار على التعلم. فالمشروعات الجديدة تنطوي بطبيعتها على عدم يقين، وقد تتغير تكاليفها وأسواقها وتقنياتها أثناء التنفيذ. وعندما يصبح استمرار المشروع مرتبطًا بمكانة الجهة التي أطلقته، يصعب تقليصه أو تعديله مهما تغيرت جدواه. أما الحوكمة التي تتيح التدقيق والمراجعة، فتمنح الدولة فرصة لتوجيه الموارد نحو الاستخدام الأفضل. وتساعد قواعد المنافسة أيضًا على كشف التكاليف الحقيقية، وعلى تمييز الشركات التي تطور كفاءتها عن الشركات التي تستمر بفعل امتيازاتها، بما يحفظ للسياسة الصناعية غايتها في بناء القدرة الإنتاجية، ويمنع تحولها إلى التزام مفتوح يمتص الموارد دون نتائج متناسبة.
البلدان المتوسطة الدخل وفخ ضعف الإنتاجية
تواجه البلدان المتوسطة الدخل وضعًا أشد صعوبة بسبب محدودية الموارد والقدرة على امتصاص الصدمات. وتضم الدراسة ضمن هذه المجموعة مصدرين للنفط والغاز، هم العراق والجزائر وليبيا وإيران، ومستوردين تشملهم مصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس. ورغم اختلاف ظروفها، يجمع بينها ضعف الزخم الإنتاجي، وتعثر الاستثمار، واتساع التحديات الاجتماعية والمالية، بما يجعل تحسين الكفاءة ضرورة موازية للتنويع أو سابقة عليه في بعض الحالات.
وتفسر الدراسة هذا الوضع جزئيًا بفخ الدخل المتوسط. فالمزايا التي تدعم النمو في المراحل الأولى، مثل انخفاض الأجور واستيعاب التقنيات الأساسية، تفقد جانبًا من قوتها مع تقدم الدخل. ويصبح استمرار النمو مرتبطًا بتحسين التعليم والمؤسسات والتكنولوجيا والابتكار. وإذا عجز الاقتصاد عن الانتقال إلى أنشطة أعلى إنتاجية، تتباطأ الأجور وفرص العمل، بينما ترتفع توقعات المجتمع وتكلفة الحفاظ على الخدمات والمستويات المعيشية القائمة.
وتشير الدراسة إلى تراجع نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج إلى الصفر أو ما دونه في المنطقة بعد عام 2011، وفق المقارنات التي تعرضها، مقابل نحو 2 في المئة سنويًا في اقتصادات شرق آسيا وجنوبها. ويعكس ذلك صعوبة تحقيق نتائج أكبر من الموارد المستخدمة، وضعف انتقال العمالة ورأس المال نحو أنشطة أكثر كفاءة، وتراجع الحوافز التي تدفع الشركات إلى تطوير عملياتها ورفع جودة إنتاجها.
وقد ضاعفت الصدمات المتتالية هذه الصعوبات، بدءًا من الجائحة وما تطلبته من إنفاق استثنائي، ثم ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتشديد شروط التمويل الدولي. ومع ارتفاع خدمة الدين وصعوبة الاقتراض الخارجي، لجأت حكومات إلى التمويل المحلي، فزاحمت القطاع الخاص على الموارد المتاحة. وترافق ذلك مع تراجع الاستثمار العام، لتصبح الاقتصادات أقل قدرة على بناء القطاعات التي تحتاج إليها للخروج من الضغط المالي.
ويختلف موقع البلدان المصدرة داخل هذه المجموعة؛ إذ منحتها العوائد النفطية المرتفعة نسبيًا فرصًا لتمويل التحول. لكن الدراسة ترى أن جانبًا واسعًا من الإيرادات الإضافية اتجه إلى الاستهلاك والأمن، بينما بقي تطوير القطاع الخاص محدودًا. وفي العراق، تربط تعثر هذا التطوير بالتشرذم السياسي وشبكات الزبائنية والمحسوبية التي تقيد المنافسة. وبذلك تبقى زيادة الإيرادات مؤقتًا عاجزة عن تغيير بنية الاقتصاد ما دامت آليات تخصيص الموارد نفسها مستمرة.
ويظهر أثر ضعف الإنتاجية في حياة الأسر عبر محدودية الأجور وضيق فرص الارتقاء، كما يظهر في المالية العامة عبر قاعدة ضريبية ضعيفة. وحين يستجيب الاقتصاد لهذا الوضع بمزيد من الاقتراض لتمويل الاستهلاك، تتراكم التزامات جديدة دون توسع مماثل في القدرة على السداد. وتوضح الدراسة أن مواجهة هذه الدائرة تحتاج إلى الجمع بين الاستقرار الكلي والتحديث الإنتاجي. فاستعادة التوازن المالي مع استمرار جمود الشركات لا تكفي لإطلاق النمو، كما أن تشجيع الاستثمار في بيئة مضطربة ماليًا يواجه صعوبات كبيرة. ويقتضي الخروج من المأزق تنسيق الإصلاحين وحماية الإنفاق الذي يبني القدرة على الإنتاج مستقبلًا.
المستوردون مرتبطون أيضًا بالاقتصاد النفطي
قد يبدو انخفاض أسعار النفط مكسبًا مباشرًا للدول المستوردة، لأنه يخفض فاتورة الطاقة ويحسن بعض التوازنات الخارجية. لكن الصورة الإقليمية أكثر تعقيدًا. فهذه البلدان تعتمد بدرجات متفاوتة على تحويلات العاملين في الخليج، والاستثمارات والمساعدات الآتية من الدول النفطية. وإذا تراجعت عوائد هذه الدول أو أعادت توجيهها نحو أولوياتها الداخلية، فقد يتقلص جانب من الموارد التي تستند إليها الاقتصادات المستوردة في تمويل الاستهلاك والاستثمار والواردات.
وتزداد هذه العلاقة تعقيدًا مع سياسات توطين الوظائف في الخليج. فتركيز الحكومات على تشغيل مواطنيها يغير فرص العمالة الوافدة، كما أن توجيه موارد أكبر إلى المشاريع المحلية قد يحد من التدفقات المتاحة للخارج. وتوضح الدراسة أن تحويلات المغتربين تتجاوز عائدات الصادرات الصناعية في عدد من البلدان المستوردة، مع استثناءات تشمل المغرب وتونس والأردن، وهو ما يعكس أهمية بناء مصادر مستقلة للعملات الأجنبية.
وتقدم التجربة المغربية مثالًا على إمكان تطوير مسار صناعي يستفيد من القرب من أوروبا والسياسات الموجهة للتصدير. فقد ساعدت المناطق الصناعية والشراكات الدولية والاستثمارات الأجنبية على توسيع صناعة السيارات والطيران والطاقة المتجددة. لكن استمرار التقدم يحتاج إلى زيادة المكون المحلي، وتقوية الروابط مع الشركات الوطنية، وتنمية الابتكار، حتى تتحول المشاركة في سلاسل الإنتاج إلى تراكم للمعرفة والمهارات والقيمة داخل الاقتصاد المحلي.
كما أن النجاح الصناعي الجزئي لا يحل تلقائيًا مشكلات البطالة والفقر والتفاوت بين المناطق. فقد تنمو قطاعات تصديرية متقدمة بينما تبقى فئات واسعة بعيدة عن فرصها بسبب ضعف المهارات أو الموقع أو الخدمات. ولذلك تقرن الدراسة الارتقاء التكنولوجي بإطار تنموي أكثر شمولًا، يوسع انتقال المنافع إلى المجتمع، ويجعل الإنفاق على التعليم والبنية التحتية والحماية الاجتماعية داعمًا للقدرة الإنتاجية ولإمكان المشاركة فيها معًا.
وتوفر إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية فرصة لبعض بلدان المنطقة. فانتقال مواقع الإنتاج إلى أسواق أقرب جغرافيًا، والسعي إلى تقليل المخاطر، قد يعززان جاذبية البلدان القريبة من أوروبا والخليج. لكن تحويل الموقع إلى ميزة إنتاجية يحتاج إلى انتظام الخدمات والجمارك والنقل، وإلى مؤسسات موثوقة وقدرة على تلبية المعايير. فالقرب الجغرافي يفتح بابًا، بينما تحدد الكفاءة وجودة السياسات مقدار الاستفادة الاقتصادية منه.
وتوضح الدراسة أن المساندة الخليجية للبلدان المتوسطة الدخل أخذت تتحول من الرعاية المالية غير المشروطة إلى انخراط يرتبط أكثر بالاستثمار والعائد ومتطلبات الإصلاح. وقد يدفع ذلك نحو تحسين المؤسسات، لكنه يرفع أيضًا حاجة الدول المتلقية إلى إدارة العلاقة بوضوح. فالاستثمار في أصل قائم قد يوفر سيولة آنية، بينما يتحدد أثره التنموي اللاحق بما يضيفه من توسع وتشغيل ومعرفة وروابط محلية. ولذلك تبرز أهمية الشفافية والمعايير المؤسسية ومواءمة التدفقات مع أولويات التنمية، حتى تصبح العلاقة المالية وسيلة لبناء تكامل إنتاجي أعمق، وقاعدة لتعاون مستمر يحقق منافع قابلة للقياس للطرفين على المدى الطويل.
تجديد العقد الاجتماعي وحماية الانتقال
توضح الدراسة أن التغيير الاقتصادي يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد قامت ترتيبات واسعة في المنطقة على توفير الوظائف والدعم والخدمات مقابل درجات مختلفة من القبول السياسي. ومع تضاؤل قدرة الحكومات على الاستمرار في هذا التوزيع، يطلب من المواطنين دفع ضرائب أكبر، والمنافسة في سوق العمل، وتحمل تقلبات كانت الدولة تعزلهم عنها جزئيًا. وهذا انتقال يمس تصورات العدالة والأمان والحقوق والواجبات.
وتبرز الصعوبة حين تتراجع ضمانات المرحلة السابقة قبل أن تستقر بدائلها. ففي الخليج، قد ينتقل الشاب إلى القطاع الخاص بأجر يقل عن أجر الوظيفة الحكومية التي حصل عليها جيل والديه، بينما ترتفع تكاليف السكن والخدمات. وفي البلدان المتوسطة الدخل، قد يتقلص الدعم وتضعف الخدمات تحت ضغط الدين، في وقت تظل فرص العمل محدودة. وهكذا تتسع الفجوة بين التوقعات الاجتماعية والقدرة الفعلية للاقتصاد.
وتعرض الدراسة مؤشرات على هشاشة بعض الوظائف الخاصة؛ ففي البحرين كان أكثر من ثلث المواطنين العاملين في القطاع الخاص عام 2022 يتقاضون أقل من 350 دينارًا شهريًا. وفي السعودية، كان نحو نصف المواطنين العاملين في القطاع الخاص عام 2023 يتقاضون أقل من خمسة آلاف ريال شهريًا. وتستخدم الدراسة هذه البيانات لإبراز أن وجود وظيفة لا يضمن وحده مستوى معيشة مستقرًا، خصوصًا للشباب الراغبين في تأسيس أسر.
وتختلف مصالح المتأثرين بالإصلاح. فالمؤسسات المحمية قد تقاوم المنافسة، والموظفون قد يخشون فقدان الأمان، والأسر محدودة الدخل قد تتضرر سريعًا من رفع الأسعار. وفي المقابل، تتوزع مكاسب الإنتاجية والاستثمار على فئات أوسع وتظهر تدريجيًا. وينشأ عن ذلك تفاوت في القدرة على تنظيم التأييد والمعارضة: الخسائر قريبة وواضحة، بينما تحتاج المنافع المستقبلية إلى ثقة بالأداء والمؤسسات والوعود الحكومية حتى تصبح مقنعة.
لذلك تدعو الدراسة إلى بناء تحالفات إصلاحية تشمل العمال والطبقة الوسطى والشباب ورواد الأعمال، وإلى وضع آليات موثوقة لتعويض المتضررين. فالإصلاح الذي يحمل الفئات الأضعف العبء الأكبر، ويترك الامتيازات محمية، يفقد مشروعيته الاجتماعية. كما أن إتاحة التعبير والتنظيم والمراجعة تساعد على كشف المشكلات مبكرًا، وتمنح المجتمع دورًا في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ، بما يعزز فرص الاستمرار ويخفض كلفة الأخطاء.
وتحذر الدراسة من أن حصر القرار وتقييد الاعتراض قد يؤجلان ظهور التوتر، لكنهما يضعفان التعلم وتصحيح السياسات وثقة المستثمرين. فالمشروعات الكبرى تحتاج إلى تدقيق، وتخصيص الموارد يحتاج إلى مساءلة، والتحولات الاجتماعية تحتاج إلى قنوات تفاوض. ومن هنا ترتبط الشرعية الجديدة بقدرة الدولة على توفير الفرص والإدماج والحوكمة الموثوقة، بحيث يرى المواطنون في الإصلاح مشروعًا مشتركًا يمكن تقييم نتائجه ومحاسبة القائمين عليه.
وتبرز في هذا السياق أهمية ترتيب الخطوات وتوقيت التعويض. فالأسر التي تواجه ارتفاعًا فوريًا في كلفة المعيشة لا تستطيع انتظار مكاسب قد تظهر بعد سنوات، كما أن فقدان الدخل قد يدفعها إلى تقليص التعليم والرعاية الصحية، فتضعف قدرتها على الاستفادة من التحول لاحقًا. ومن هنا ترى الدراسة أن الحماية الاجتماعية جزء من شروط الإصلاح المنتج. فتعويض الخسائر وحماية الخدمات الأساسية يحافظان على رأس المال البشري، ويمنحان المجتمع قدرة على تحمل الانتقال. ويتطلب ذلك إدارة قادرة على الوصول إلى المستحقين، ومعلومات موثوقة، ومراقبة تمنع تحول التعويض إلى قناة أخرى للمحاباة أو الإقصاء.
الادخار والمهارات والطاقة النظيفة
تحدد الدراسة مسارات عملية لرفع القدرة على الصمود والإنتاج، تبدأ ببناء هوامش مالية واجتماعية تخفف أثر الصدمات. فالدولة التي تدخل كل أزمة بديون مرتفعة واحتياطيات محدودة تضطر إلى تقليص الاستثمار والخدمات بسرعة، فتضعف إمكانات النمو اللاحق. أما الإدارة الحذرة للتمويل الخارجي وجذب الاستثمار المنتج، فيمكن أن يوفرا مجالًا أوسع للحفاظ على الأنشطة الأساسية ومساندة الأسر والشركات أثناء فترات الاضطراب.
وتحتاج الحماية الاجتماعية إلى إعادة بناء تجعلها أكثر عدالة واستهدافًا. فالدعم الشامل مكلف، وقد يمنح الفئات الأعلى استهلاكًا نصيبًا أكبر من المنافع، كما يشجع الإفراط في استخدام الموارد. وتقترح الدراسة تطوير شبكات أمان موجهة للفقراء، مع توسيع التغطية وتحسين الشفافية ومكافحة المحسوبية. وتتكامل هذه الشبكات مع التأمين الصحي والتقاعد والتعليم، حتى تحمي القدرة البشرية على المشاركة وتحد من انتقال الفقر بين الأجيال.
ويمثل حشد المدخرات المحلية أولوية أخرى. ففي معظم البلدان المتوسطة الدخل التي تتناولها الدراسة، تقل معدلات الادخار الوطني عن 10 في المئة من الناتج المحلي، بما يقل عن ثلث المتوسط العالمي للبلدان المتوسطة الدخل. ويحد ذلك من الموارد المتاحة للاستثمار ويزيد الاعتماد على الخارج. ويتطلب تحسين الوضع معالجة العجز المالي، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وبناء الثقة التي تشجع الأسر والشركات على الادخار والاستثمار طويل الأجل.
كما تبرز الحاجة إلى توسيع المشاركة في القوى العاملة وتحسين جودتها. وتورد الدراسة متوسطًا يقارب 70 في المئة لمشاركة الرجال في البلدان المتوسطة الدخل بالمنطقة، ونحو 17.5 في المئة للنساء، مقابل متوسط عالمي يقارب 50 في المئة للنساء. وترتبط هذه الفجوات بندرة الوظائف والقيود الاجتماعية والمؤسسية. وتوسيع المشاركة يحتاج إلى فرص مناسبة وخدمات داعمة ومهارات، حتى تتحول الموارد البشرية المعطلة إلى قوة إنتاج ودخل للأسر.
ويتيح التحول الرقمي تحسين الإنتاج والخدمات الحكومية، لكنه يتطلب الاستثمار في المهارات إلى جانب البنية التحتية. فقد توسع الاتصال بالإنترنت واستهلاك البيانات، بينما بقيت القدرة على توظيف المعرفة الرقمية محدودة في اقتصادات عديدة. وتؤكد الدراسة ضرورة سياسات تساعد على خلق الوظائف وتطويرها، وتحد من اتساع الفجوة بين أصحاب المهارات المرتفعة وبقية العاملين، حتى تنتشر مكاسب التكنولوجيا داخل الشركات والمجتمع بصورة أوسع.
وتوفر الطاقة المتجددة مجالًا موازيًا للتنويع، خصوصًا في البلدان القريبة من أوروبا. فوفرة الشمس وإمكان تطوير الكهرباء والهيدروجين والإنتاج منخفض الانبعاثات قد تعزز الصادرات. لكن المنطقة تواجه أيضًا الحرارة وندرة المياه والتصحر وتقلب الأمطار، وهي تحديات تتطلب استثمارات تكيف كبيرة. ولذلك تجمع الأجندة البيئية بين استغلال فرص اقتصادية جديدة وحماية الزراعة والمدن والبنية التحتية والصحة العامة من خسائر يمكن أن تعطل التنمية.
وتقترن تعبئة الموارد بإصلاح النظام الضريبي وتوسيع قاعدته وجعله أكثر تصاعدية، وفق ما تعرضه الدراسة. فضعف الإيرادات يرتبط بجوانب منها اتساع العمل غير الرسمي ومحدودية التغطية الاجتماعية. ويمكن لربط المشاركة الاقتصادية بخدمات وضمانات واضحة أن يدعم الانتقال إلى النشاط الرسمي، ويعزز استعداد الأفراد والمنشآت للمساهمة. لكن زيادة التحصيل تحتاج إلى مراعاة قدرة الفئات المختلفة، وإلى ثقة بأن الموارد تستخدم بكفاءة وعدالة. وبهذا يصبح الإصلاح المالي جزءًا من تجديد العلاقة بين الدولة والمجتمع، قائمًا على وضوح الالتزامات والمنافع، وعلى تحسين الإدارة والخدمات التي تجعل المساهمة العامة مرتبطة بنتائج ملموسة في حياة المواطنين.
الاستقرار والتكامل بوصفهما قاعدة للنمو
يرتبط نجاح التنويع بالبيئة الإقليمية التي تعمل فيها الاقتصادات. فالسياحة والنقل والتجارة والاستثمار تحتاج إلى توقعات مستقرة، وقد تتضرر بسرعة من النزاعات وتهديد الممرات البحرية. كما أن انهيار المؤسسات والنزوح يفرضان أعباء تتجاوز حدود الدولة المتضررة. وتؤكد الدراسة أن الإصلاح الداخلي يحتاج إلى حد أدنى من الأمن والتعاون، لأن القرارات الوطنية وحدها لا تستطيع احتواء جميع المخاطر التي تصيب الأسواق والإمدادات والثقة.
وتناقش الدراسة حدود الاعتماد على الضمانات الخارجية المنفردة، واتجاه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها وعلاقاتها. لكن تعدد الشركاء لا يصنع تلقائيًا نظامًا أمنيًا مستقرًا، خصوصًا مع اختلاف تصورات التهديد وتنافس الاصطفافات. ويظل بناء ترتيبات إقليمية تجمع الدبلوماسية والردع والتعاون ضروريًا لتقليل احتمالات التصعيد، وحماية سيادة الدول ومؤسساتها، وإتاحة توجيه الموارد إلى التنمية بدل استنزافها في دورات متكررة من إدارة الأزمات.
وتربط الدراسة هذا الاستقرار بمعالجة مصادر النزاع، بما فيها القضية الفلسطينية والتوترات المرتبطة بإيران، وبمنع تفكك الدول. ففي الدول المتضررة من الحروب، تتقدم إعادة الإعمار واستعادة المؤسسات وعودة النازحين على أولويات أخرى. ويحتاج هذا المسار إلى تعاون وتمويل يتجاوزان قدرة الدولة الواحدة، وإلى ربط التعافي الاقتصادي بتسويات تخفض المخاطر، حتى تصبح المشروعات والاستثمارات جزءًا من استقرار قابل للاستمرار بدل تعرضها المتكرر للتدمير والتعطيل.
وتنشأ من هنا أهمية التكامل الاقتصادي. فالمنطقة تملك موارد مالية خليجية كبيرة، وقوى عاملة وأسواقًا وقدرات صناعية وريادية في البلدان المتوسطة الدخل. ويمكن وصل هذه المقومات عبر سلاسل إنتاج إقليمية ومشروعات للبنية التحتية والتجارة والطاقة. ويسمح اتساع السوق للشركات بالتخصص وتحقيق وفورات الحجم واكتساب الخبرة، كما يمنح الاقتصادات مجالًا أوسع لتوزيع المخاطر وتطوير منتجات قادرة على الدخول في المنافسة العالمية.
لكن التكامل يحتاج إلى إجراءات تتجاوز إعلان الاتفاقيات. فتحديث الجمارك، وتبسيط الإجراءات، وخفض كلفة النقل، وربط السكك والموانئ وشبكات الطاقة، وتحسين المنافسة وبيئة الأعمال، كلها شروط لتحويل التقارب إلى نشاط اقتصادي فعلي. كما ينبغي مواءمة الانفتاح التجاري مع بناء القدرات الإنتاجية، لأن تحرير الأسواق دون تسلسل مناسب قد يوسع الواردات أسرع من الصادرات، ويزيد اعتماد الاستهلاك على التمويل الخارجي بدل تقوية الصناعة المحلية.
وتقترح الدراسة مؤسسات للعمل المشترك، بينها بنك إقليمي لإعادة الإعمار والتنمية يستطيع توجيه التمويل نحو البنية التحتية والتكيف المناخي والتعافي بعد النزاعات. كما تدعو إلى توسيع التعاون ليشمل تركيا وإيران، لما تملكانه من أسواق وقدرات صناعية ومواقع مهمة. ويتطلب تحقيق هذه الإمكانات خفض التصعيد وبناء الثقة وقواعد واضحة، بحيث تتحول المصالح الاقتصادية المشتركة تدريجيًا إلى حافز يحمي التعاون ويزيد تكلفة العودة إلى النزاع.
وتولي الدراسة اهتمامًا بإعادة النظر في التوزيع الجغرافي لاستثمارات الصناديق السيادية. فتمركز الأصول في أسواق خارجية يحقق فرصًا وعوائد، لكنه يعرض المدخرات لمخاطر مالية وسياسية متغيرة. ويمكن لتوجيه حصة أكبر إلى مشروعات إقليمية منتجة أن يوسع فرص النمو ويخلق علاقات اعتماد متبادل تدعم الأمن. غير أن ذلك يتطلب تحسين بيئة الاستثمار داخل المنطقة، وتوفير قواعد شفافة وآليات تحمي الحقوق وتراقب الأداء. فنجاح إعادة التوجيه يرتبط بوجود مشروعات مجدية ومؤسسات موثوقة، وبقدرة التمويل على بناء أصول إنتاجية طويلة الأجل، تتكامل مع احتياجات الأسواق والمجتمعات وتخدم مصالح الأجيال التي خصصت لها هذه المدخرات.
من استهلاك الفرصة إلى بناء المستقبل
يتوقف الانتقال إلى اقتصاد أكثر إنتاجية على قدرة دول المنطقة على جمع هذه المسارات داخل رؤية متماسكة. فتطوير الصناعة يحتاج إلى مهارات وتمويل ومنافسة، وإصلاح الإنفاق يحتاج إلى حماية اجتماعية وقبول عام، وجذب الاستثمار يحتاج إلى استقرار وقواعد موثوقة، وتوسيع الأسواق يحتاج إلى تعاون إقليمي. وعندما ينفذ كل مسار بمعزل عن الآخر، ترتفع احتمالات التعثر، بينما يتيح تنسيقها أن تدعم نتائج كل خطوة الخطوات اللاحقة.
وتعرض الدراسة خطرًا خاصًا بالدول المصدرة يتمثل في محاولة تعظيم إيرادات النفط سريعًا لتمويل التحول. فزيادة الإنتاج قد تبدو منطقية لكل دولة منفردة، لكن تبنيها بصورة متزامنة يمكن أن يزيد العرض ويضغط على الأسعار ويقلص الموارد المتاحة للجميع. كما أن الاضطرابات المتكررة قد تدفع المستوردين إلى تسريع البدائل. ولذلك تظل إدارة الموارد والتنسيق بين المنتجين والاستثمار المبكر في التنويع عناصر متداخلة في حماية القدرة على الانتقال.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية للعراق، الذي تجمع حالته بين الاعتماد المالي والتصديري على النفط والحاجة الواسعة إلى الوظائف والخدمات والاستثمار. فالعوائد تمنحه موردًا قادرًا على تمويل بداية التحول، لكن توجيهها إلى التزامات جارية متزايدة يضيق هذا الهامش. ويقتضي المسار الذي ترسمه الدراسة تحسين تخصيص الإنفاق، وتقوية المؤسسات والمنافسة، وفتح المجال للمبادرات المنتجة، وربط الفرص الاقتصادية بإمكانات المجتمع بدل حصرها في علاقات النفوذ والمحسوبية.
وتؤكد الدراسة أن توطين الإصلاح داخل مشروع وطني واضح يساعد على تجاوز النظر إليه باعتباره استجابة لضغط خارجي أو وسيلة لحماية مصالح محدودة. فالمجتمع يحتاج إلى فهم غايات التحول، والجدول الذي يتحرك وفقه، والجهات التي تتحمل تكلفته، والآليات التي تكفل توزيع منافعه. ويمكن للجامعات ومراكز الأبحاث والشبكات المهنية أن تسهم في صياغة هذه الرؤية وتطوير الخبرة اللازمة لتنفيذها، وبناء توافق على أولويات تستمر رغم تغير الظروف. كما أن الانتقال إلى موقع إقليمي أكثر فاعلية يحتاج إلى قدرة مشتركة على إدارة تحديات المياه والغذاء واللاجئين وإعادة الإعمار، وهي ملفات تؤثر في الاستقرار وفي صورة المنطقة الاقتصادية. وعندما تقترن هذه القدرة بتحسين الإنتاجية وفتح الأسواق وتوسيع المشاركة، يصبح التعاون وسيلة لزيادة القوة التفاوضية مع الشركاء الدوليين. وتستطيع المنطقة عندئذ التعامل مع التحول في الطاقة والتكنولوجيا وتعدد مراكز القوة من موقع أكثر استعدادًا، مستندة إلى مواردها البشرية والمؤسسية والإنتاجية، وإلى مصالح مشتركة تمنح دولها حافزًا عمليًا للحفاظ على الاستقرار والتقدم.
وتخلص الرؤية العامة إلى أن الثروة النفطية المتبقية تستطيع أن تكون أساسًا لبناء مرحلة اقتصادية أكثر استقرارًا إذا تحولت إلى معرفة ومهارات ومؤسسات وقدرات إنتاجية. فكل تقدم في فرص العمل والثقة والعدالة يوسع قبول الإصلاح، وكل تحسن في التعاون يخفض مخاطر الاستثمار. ومن هذا التفاعل تتكون الحلقة المثمرة التي تقترحها الدراسة: إنتاجية تدعم الاستقرار، واستقرار يحفز الاستثمار، واستثمار يوسع الفرص ويمنح المجتمعات قدرة أكبر على صناعة مستقبلها على امتداد السنوات والعقود المقبلة.



اضف تعليق