لماذا يستطيع بعض المسؤولين الحديث لساعات عن خطط مؤسساتهم بينما يصعب على الناس العثور على أثر واضح لها في حياتهم؟ إن المشكلة تتجاوز ضعف الأداء الإداري لتطرح سؤالاً عميقاً حول العلاقة بين المسؤولية والصورة؛ فبعض الإداريين يتعاملون مع المنصب بوصفه مساحة لإثبات الحضور وصناعة الخطاب البديل عن العمل...
لماذا يستطيع بعض المسؤولين الحديث لساعات عن خطط مؤسساتهم، بينما يصعب على الناس العثور على أثر واضح لتلك الخطط في حياتهم؟ ولماذا تتكرر الوعود في الاجتماعات والتصريحات، فيما تبقى المشكلات اليومية على حالها؟ كيف يتحول السؤال عن الإنجاز إلى حديث طويل عن الظروف والتحديات والإجراءات؟ ومتى يصبح تفسير التعثر أهم لدى المسؤول من معالجة أسبابه؟ ثم كيف يستطيع المواطن أو الموظف التمييز بين مسؤول يواجه صعوبة في تنفيذ مهمته، وآخر يتقن صناعة المبررات حتى يبدو مقصراً في العمل ومجتهداً في الكلام؟
ربما صادفت مسؤولاً يستقبلك بابتسامة واسعة، ويحدثك عن مشروع كبير، ويشرح لك حجم الجهود المبذولة، ويعدد الاجتماعات التي عقدها واللجان التي شكلها والكتب التي وجهها. تخرج من اللقاء بانطباع أن المؤسسة تعمل بكامل طاقتها، ثم تعود إلى المشكلة نفسها التي دفعتك إلى مراجعته. وقد تكتشف بعد فترة أن المشروع ما زال في مرحلة الدراسة، وأن اللجنة تنتظر توجيهاً جديداً، وأن الكتاب الذي قيل إنه حسم الموضوع لم يغير شيئاً في الواقع.
أجد أن هذا المشهد يكشف مشكلة تتجاوز ضعف الأداء الإداري؛ فهو يطرح سؤالاً عن العلاقة بين المسؤولية والصورة التي يصنعها المسؤول عن نفسه. فبعض الأشخاص يتعاملون مع المنصب بوصفه مساحة لإثبات الحضور، فيما يفترض أن يكون تكليفاً بإنجاز مهام محددة وتحمل نتائجها. ومع مرور الوقت، يمكن أن تصبح القدرة على الحديث عن العمل بديلاً عن القدرة على إنجازه، ويغدو تفسير التأخير نشاطاً إدارياً موازياً للتأخير نفسه.
اساس المعضلة غالباً من طريقة فهم الدور الوظيفي. فالمسؤول يتولى موقعاً يمنحه صلاحيات محددة، ويقابله التزام بتحقيق أهداف وخدمة مصالح الناس وإدارة الموارد المتاحة. ومع ذلك، قد ينشغل بعض شاغلي المواقع الإدارية بتعزيز مكانتهم داخل المؤسسة، وتوسيع حضورهم في المناسبات، وإظهار قربهم من مراكز القرار، وصناعة خطاب يوحي بأنهم منشغلون على الدوام. وتصبح هذه الأنشطة وسيلة لإنتاج انطباع بالفاعلية، حتى عندما تكون النتائج محدودة.
ولعل أكثر ما يستحق الانتباه أن المبررات لا تأتي دائماً في صورة أعذار مباشرة. فقد يتحدث المسؤول عن نقص التمويل، أو تعقيد الإجراءات، أو ضعف التعاون بين الأقسام، أو تأخر الموافقات، أو عدم توفر البيانات. وكل سبب من هذه الأسباب يمكن أن يكون حقيقياً ويؤثر فعلاً في التنفيذ. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ماذا فعل المسؤول لمواجهة هذه العقبات؟ هل قدم بديلاً؟ هل أعاد ترتيب الأولويات؟ هل طلب الصلاحية اللازمة؟ هل رفع المشكلة إلى الجهة المختصة وتابعها؟ أم اكتفى بعرض العائق في كل اجتماع، ثم أعاد عرضه في التقرير التالي؟
الفارق بين المسؤول الذي يواجه التحديات والمسؤول الذي يتخذها ذريعة يكمن في طريقة التعامل معها. فالأول يحدد المشكلة، ويوضح أثرها، ويقترح مساراً لمعالجتها، ويتابع ما يستطيع إنجازه ضمن صلاحياته. أما الثاني فيجعل المشكلة محور خطابه، ويكرر وصفها حتى تصبح جزءاً من الرواية التي يقدمها عن أدائه. وفي الحالتين قد تكون الظروف متشابهة، لكن الموقف الإداري مختلف تماماً.
أتذكر أن بعض المواقف المهنية تكشف هذه المسافة بوضوح: يُطلب إنجاز معاملة بسيطة، فتبدأ رحلة من المخاطبات والإحالات والتواقيع، ويقضي الموظف وقتاً في متابعة الكتاب أكثر مما يحتاج إليه تنفيذ الطلب نفسه. وعندما يُسأل عن سبب التأخير، يشرح لك تسلسل الإجراءات بدقة، ويعدد الجهات التي مر بها الملف، ويقدم تفسيراً كاملاً لما حدث.
لكن المستفيد لا يحتاج إلى معرفة تاريخ انتقال معاملته بين المكاتب بقدر حاجته إلى معرفة موعد إنجازها. فالإدارة تقاس بقدرتها على حل المشكلة، لا بقدرتها على وصف الطريق الطويل الذي سلكته المشكلة داخلها.
وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً عندما تتحول الاجتماعات إلى مساحة لإنتاج الكلام أكثر من اتخاذ القرارات. يجتمع المسؤولون، وتعرض التقارير، وتناقش المقترحات، وتُسجل الملاحظات، ثم ينتهي اللقاء بتوصيات عامة لا تتضمن مسؤولاً محدداً أو موعداً للتنفيذ أو مؤشراً لقياس النتيجة. وفي الاجتماع التالي تعود الموضوعات نفسها، ويعاد الحديث عن المعوقات ذاتها، وكأن المؤسسة تدور داخل حلقة من النقاشات التي لا تنتج تغييراً ملموساً.
وقد يتخذ التبرير شكلاً أكثر تعقيداً عندما يستخدم المسؤول لغة إدارية مزدحمة بالمصطلحات. يتحدث عن التحول المؤسسي، والحوكمة، والاستدامة، والتطوير الاستراتيجي، ورفع الكفاءة، وتحديث المنظومات. وهذه مفاهيم مهمة عندما ترتبط ببرامج واضحة ونتائج قابلة للقياس، لكنها تفقد قيمتها عندما تتحول إلى مفردات لتغطية غياب العمل. فليس المهم أن تعلن المؤسسة تبنيها مفهوماً إدارياً حديثاً، وإنما أن يستطيع الموظف والمراجع ملاحظة أثره في سرعة الخدمة وجودتها وعدالتها.
ومن العوامل التي تساعد على استمرار هذا السلوك ضعف المساءلة. فالمؤسسة التي لا تحدد مسؤولية كل موقع، ولا تضع مواعيد واضحة للإنجاز، ولا تراجع النتائج بصورة منتظمة، تمنح المقصر مساحة واسعة للاختباء خلف التفسيرات. وعندما لا توجد معايير معلنة لتقييم الأداء، يصبح الانطباع الشخصي عن المسؤول أكثر حضوراً من النتائج التي حققها. وقد ينجح صاحب الخطاب المؤثر في بناء صورة إيجابية عن أدائه، بينما يتراجع الشخص الذي يعمل بصمت ولا يجيد تسويق إنجازاته.
وهذا يقودنا إلى مسألة مهمة: هل يعني ذلك أن المسؤول ينبغي أن يبتعد عن الإعلام والتواصل العام؟ أرى أن الإجابة ترتبط بالغرض من الظهور. فالمؤسسة تحتاج إلى إعلام يوضح أعمالها، ويعرّف الناس بخدماتها، ويكشف نتائج برامجها، ويشرح القرارات التي تمس حياتهم. والمسؤول مطالب بالتواصل والشفافية وتقديم المعلومات. لكن هذا الدور يختلف عن تحويل الإعلام إلى مساحة لتكريس صورة الشخص، أو تكرار تصريحاته، أو إبراز حضوره في كل مناسبة من دون أن يقابل ذلك إنجاز يستحق التوثيق.
فالظهور الإعلامي يمكن أن يكون وسيلة للمساءلة أيضاً. يستطيع الصحفي أن يسأل المسؤول عن نسبة إنجاز المشروع، والمدة التي استغرقها، والموارد التي أنفقت عليه، والأسباب التي أدت إلى تأخره، والخطوات التي ستتخذ لمعالجة الخلل. وفي هذه الحالة يصبح الإعلام شريكاً في كشف الأداء ومتابعة النتائج. أما عندما يكتفي بنشر التصريحات والصور والعبارات الاحتفالية، فإنه يسهم في توسيع المسافة بين الصورة والواقع.
ولا أعتقد أن كل تأخير دليل على تقصير المسؤول، أو أن كل مشروع متعثر نتيجة ضعف الإدارة. فالمؤسسات تعمل ضمن ظروف مالية وقانونية وفنية متباينة، وبعض الملفات تحتاج إلى وقت وتنسيق يتجاوز صلاحيات المسؤول المباشر. غير أن هذه الحقيقة تجعل الشفافية أكثر ضرورة؛ فمن حق الناس أن يعرفوا ما أُنجز، وما تعذر، ولماذا تعذر، وما البدائل المطروحة، ومن الجهة التي تتحمل مسؤولية القرار. الاعتراف بالعائق جزء من الإدارة النزيهة، أما استخدامه لإعفاء المسؤول من المتابعة والمبادرة فهو أمر مختلف.
وأرى أن الحل يبدأ بإعادة تعريف النجاح داخل المؤسسة. ينبغي أن يرتبط تقييم المسؤول بأهداف واضحة، ومواعيد معلنة، ومؤشرات يمكن التحقق منها، مع مراجعة دورية لما تحقق فعلياً. وكل مشروع يحتاج إلى تحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذه، والموارد المتاحة، والعقبات المحتملة، والبدائل الممكنة. كما ينبغي أن تتضمن التقارير الإدارية نتائج العمل، لا أن تكتفي بسرد الاجتماعات والمخاطبات والزيارات.
ومن المهم أيضاً أن تتغير ثقافة الاجتماعات. فبدلاً من تكرار عرض المشكلات، ينبغي أن ينتهي كل اجتماع بقرارات محددة، ومسؤوليات واضحة، ومواعيد للمتابعة. وبدلاً من مكافأة المسؤول على كثرة ظهوره، ينبغي تقدير من يختصر الإجراءات، ويحسن الخدمة، ويعالج الخلل، ويمنح الموظفين القدرة على الإنجاز. كما يحتاج الإعلام المؤسسي إلى بناء معاييره على قيمة المعلومة وأثر النشاط، مع إتاحة مساحة حقيقية لعرض التحديات والنتائج معاً.
وفي تقديري، لا يحتاج الناس إلى مسؤول يتحدث نيابة عن الإنجاز بقدر حاجتهم إلى مسؤول يجعل الإنجاز قابلاً للمشاهدة والقياس. فالموظف يريد إجراءً ينهي معاملته، والمواطن يريد خدمة تصل إليه، والطالب يريد بيئة تعليمية أفضل، والمراجع يريد جواباً واضحاً وموعداً محدداً. هذه الاحتياجات اليومية هي الاختبار الذي يكشف قيمة المنصب، وهي التي تمنح الخطاب الإداري معناه.
قد ينجح المسؤول في إقناع الآخرين بكثرة انشغاله لفترة، وقد تساعده التصريحات والصور والتقارير على بناء انطباع إيجابي، لكن استمرار الفجوة بين الوعود والنتائج يضعف الثقة تدريجياً. وعندما يفقد الناس ثقتهم بقدرة المؤسسة على التنفيذ، تصبح كل خطة جديدة موضع شك، وكل تصريح بحاجة إلى دليل، وكل وعد مؤجل عبئاً إضافياً على العلاقة بين المواطن والدولة.
لهذا أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل مسؤول في موقعه هو: ما الذي تغير في حياة الناس بسبب عملي؟ لا كم اجتماعاً عقدت، ولا كم تصريحاً أدليت به، ولا كم صورة نشرت، وإنما ما المشكلة التي عالجتها، وما الخدمة التي حسنتها، وما الوقت الذي وفرته، وما الحق الذي ساعدت على صونه؟
المسؤولية لا تُقاس بقدرة المسؤول على تفسير ما لم ينجزه، وإنما بقدرته على تحويل الصلاحية إلى نتيجة، والقرار إلى خدمة، والوعود إلى أثر يلمسه الناس. وعندما يصبح الكلام بديلاً عن العمل، يفقد المنصب جوهره، مهما ازدانت صورته في الواجهة.



اضف تعليق