إن حصر النقاشات في الغرف المغلقة يحول الدولة إلى ساحة لتقاسم المواقع بدل تحقيق التنمية؛ لذا يجب التحول من سؤال من يكون رئيسا للحكومة؟ إلى سؤال ما هو البرنامج الذي سيدار به البلد؟، لكي لا تظل العملية السياسية تعيد إنتاج الأزمة ذاتها بأسماء مختلفة...
ليس من المعقول أن تُدار واحدة من أخطر لحظات القرار السياسي في العراق بمنطق التفاهمات الضيقة أو المشاورات المغلقة، وكأن مسألة اختيار رئيس مجلس الوزراء شأنٌ داخليّ يخص مجموعة محدودة من الفاعلين السياسيين، لا قضية وطنية تتصل بمصير الدولة والمجتمع معًا. إن حصر النقاشات داخل أطر تفاوضية مغلقة لا يعكس فقط خللًا في آلية الاختيار، بل يكشف عن تصور قاصر لطبيعة العملية السياسية ذاتها، التي يفترض أن تقوم على الشفافية والتنافس البرامجي لا على التوافقات الشخصية.
إن المرشحين أو المتنافسين على رئاسة الحكومة لا يُفترض بهم أن يكونوا مجرد أسماء تُتداول في الكواليس، بل مشاريع سياسية متكاملة تُعرض على الرأي العام، وتُخضع للنقاش والتقييم. فالعراق اليوم لا يعاني من نقص في الأشخاص بقدر ما يعاني من غياب البرامج، ولا من قلة الطامحين بقدر ما يعاني من ندرة الرؤى القادرة على معالجة أزماته المركبة.
القضايا التي تنتظر أي رئيس حكومة ليست قضايا هامشية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بقرارات ارتجالية، بل هي ملفات ثقيلة تتطلب وضوحًا مسبقًا في الرؤية، وإعلانًا صريحًا في البرنامج. من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ملف الاقتصاد الريعي المعتمد على النفط، وإشكالية البطالة والفقر، وأزمة الخدمات الأساسية، وبنية الدولة الإدارية المترهلة، فضلاً عن التحديات الأمنية المعقدة، والعلاقات الإقليمية والدولية التي تحتاج إلى تموضع دقيق يوازن بين المصالح والسيادة.
إن غياب النقاش العلني حول هذه القضايا، وغياب البرامج الواضحة التي يقدمها المرشحون، يجعل عملية الاختيار أشبه بمنافسة على المنصب لا على المشروع، ويحوّل الدولة إلى ساحة لتقاسم المواقع بدل أن تكون إطارًا لتحقيق التنمية وبناء الاستقرار. وهذا النمط من العمل السياسي لا يمكن أن ينتج دولة قادرة، لأنه يفتقد إلى أهم عناصرها: الرؤية، والمساءلة، والتعاقد مع المجتمع.
وفي هذا السياق، فإن الاقتصار على التداول داخل لجان محدودة، أياً كان اسمها أو غطاؤها السياسي، يمثل إلغاءً فعليًا للدور الدستوري للمؤسسات، وتهميشًا للرأي العام، وإضعافًا لمبدأ الشرعية الديمقراطية الذي يقوم على المشاركة والاختيار الواعي. فالديمقراطية لا تُختزل في إجراءات شكلية، بل تتجسد في مضمونها، أي في قدرة المجتمع على معرفة الخيارات المطروحة، ومقارنة البرامج، ومحاسبة من يتولى السلطة على أساس ما وعد به.
إن اللحظة الراهنة تفرض تحولًا واضحًا في نمط التفكير السياسي، من منطق “من يكون رئيسًا للحكومة؟” إلى سؤال أكثر جوهرية: “ما هو البرنامج الذي سيُدار به البلد؟”. فالأشخاص يتغيرون، أما السياسات الخاطئة فتتكرر ما لم تُستبدل برؤى جديدة قائمة على فهم عميق لطبيعة الأزمة العراقية بوصفها أزمة بنيوية تمس الإنسان والقيم والمؤسسات معًا.
إن إعادة الاعتبار للنقاش العلني، وفرض تقديم البرامج، وفتح المجال أمام تقييمها من قبل النخب والرأي العام، ليست مطالب مثالية، بل شروط أساسية لأي محاولة جادة للانتقال من حالة الدولة الرخوة إلى أفق الدولة الحضارية الحديثة، التي تقوم على الكفاءة، والشفافية، والمسؤولية.
وفي غياب ذلك، ستبقى العملية السياسية تدور في حلقة مغلقة، يُعاد فيها إنتاج الأزمة ذاتها بأسماء مختلفة، بينما يظل المواطن خارج المعادلة، رغم أنه المعني الأول بنتائجها.
يجب ان يطالب الناس بهذا. فهذا من ابسط حقوقهم.



اضف تعليق