لم تَعُد السيادة في الحالة السورية تعني السيطرة الكاملة، بل القدرة على تحديد أولويات الخسارة. فالدولة لا تختار بين سيادةٍ مكتملة وانعدامها، بل بين أشكالٍ مختلفة من التنازل المُنظَّم. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يَعُد: هل تملك سوريا سيادتها؟ بل: كيف تُعيد تعريفها تحت الضغط، وبأي كلفة...

لم تَعُد الحالة السّورية قابلة للاختزال في توصيفاتٍ تقليدية من قبيل “الضَّعف” أو “الانكشاف”، بل باتت أقرب إلى نمطٍ مركّب يمكن تسميته بـ“إدارة العجز ضمن توازنات قَسرية”. فالجغرافيا هنا لم تَعُد مجرّد مسرحٍ للصِّراع، بل تحوَّلت إلى مجالٍ تشغيلي تتقاطع فيه استراتيجيات قوى متعارضة، لكلٍّ منها سقفه الخاص وأدواته وحدود اندفاعه. وبهذا المعنى، لا تُدار سوريا كوحدة سيادية مكتملة، بل كساحةٍ مضبوطة الإيقاع، تُختبر فيها حدود القوة أكثر مما تُحسم فيها نتائجها.

في هذا الإطار، لا يُمثِّل تراجع القدرة على التحكُّم في المجال الجوي انعدامًا للسيادة، بل تحوُّلًا في طبيعتها. فما تشهده الأجواء السورية هو نمط متكرّر من الاختراقات الجوية المحسوبة، تُنفَّذ في نوافذ زمنية قصيرة، وتستهدف مواقع بعينها مرتبطة بالبنية اللوجستية لحلفاء إيران. هذه العمليات، التي تمرّ غالبًا دون ردّ مباشر، لا تعكس غياب الدولة بقدر ما تكشف انتقال السيادة من حالة “الاحتكار الكامل” إلى حالة “الإدارة الانتقائية”، حيث يُعاد تعريف ما يمكن الدفاع عنه وما ينبغي تجاهله تفاديًا لتوسّع الاشتباك.

هنا تتشكّل المعضلة المركزية: فالرَّدّ المباشر على هذه الضربات يحمل خطر الانزلاق إلى مواجهة واسعة غير متكافئة، في حين أن تجاهلها يرسّخ نمطًا من الاختراق المُستدام. غير أن القراءة الأدق تُظهر أن ما يبدو “تراجعًا” هو، في أحد وجوهه، خيارٌ عقلاني تحت الإكراه؛ إذ تُفضِّل دمشق امتصاص الضربات المحدودة على فتح جبهةٍ لا تملك شروطها. إنها مفاضلة قاسية بين خسارة موضعية مُتكرّرة، وخسارة شاملة محتملة.

بموازاة ذلك، لا تُختزل معادلة “تأجيل الحسم” في حسابات النُّخبة، إذ يحملها أيضًا عامل داخلي أقلّ ظهورًا وأكثر تأثيرًا: المجتمع. فالسوريون الذين أنهكتهم سنوات الحرب وتفكّك الاقتصاد، يعيشون حالة يمكن توصيفها بـ“الجمود القَسري”؛ حيث يتراجع منسوب الفعل الجماعي، لا بسبب غياب الرغبة في التغيير، بل لأن كلفة الانفلات تبدو أعلى من كلفة التحمّل. في مدنٍ أنهكها تآكل الخدمات وتراجع الدخل، لا يتحوّل السخط إلى انفجار، بل إلى صبرٍ ثقيل يوازن بين الخوف من المجهول والاعتياد على المأزق.

هذه الحالة تُنتج مفارقة لافتة: فالمجتمع، وهو في موقع الضحية، يتحوّل –دون قصد– إلى عنصر استقرار نسبي. إن قدرته على تحمّل الانهيار البطيء تُوفّر للدولة هامشًا زمنيًا للمناورة، وتُبقي “إدارة العجز” خيارًا ممكنًا. وهنا تكمن المفاجأة التحليلية: الصبر المُستنزَف لا يُعطّل السياسة، بل يغذّيها، بوصفه وقودًا صامتًا يمنع الانفجار، ويُطيل عمر التوازن الهش.

على المستوى الإقليمي، يتجلّى الضغط الإسرائيلي في استهداف متكرّر لما يُعرف بمسارات الإمداد العابرة للأراضي السورية. فقد أدّت الضربات الدقيقة إلى تعطيل مخازن، وإعادة تموضع قوافل، وفرض أنماط حركة أكثر تشتّتًا وأقلّ كفاءة. ومع ذلك، لم تُفضِ هذه الضغوط إلى شللٍ كامل، بل إلى تحوّل في السلوك: من شبكات واضحة إلى مسارات أكثر مرونة ولا مركزية. أي أن الجغرافيا لم تُغلق، لكنها أصبحت أعلى كلفة وأشدّ خطورة.

غير أن هذا الاشتباك لا يجري في فراغ. فخلف هذه العمليات، تعمل تفاهمات غير مُعلنة تضبط الإيقاع وتمنع الانزلاق. إن ما يُسمّى بـ“سقف الاشتباك” ليس مجرّد توصيف، بل آلية فعلية تُبقي الضربات ضمن حدودٍ محسوبة: ضربات كافية لإيصال الرسائل، لكنها دون العتبة التي تُطلق حربًا مفتوحة. وبهذا، تتحوّل سوريا إلى “منطقة إدارة صراع” تُمارس فيها القوى المختلفة أقصى ما يمكن دون كسر القواعد الضمنية.

في ضوء ذلك، تبدو دمشق محكومة بمنطق “تأجيل الحسم”، لا كخيار مريح، بل كضرورة مرحلية. فهي لا تملك القدرة على إنهاء النفوذ الإيراني، ولا على منع الاختراقات الإسرائيلية، لكنها في المقابل تنجح –حتى الآن– في منع تحوّل أراضيها إلى ساحة انهيار شامل. إنها تُمسك بخيطٍ رفيع بين التفكّك والبقاء، وتُدير توازنًا دقيقًا بين ما يمكن احتماله وما يجب تجنّبه.

في المحصّلة، لم تَعُد السيادة في الحالة السورية تعني السيطرة الكاملة، بل القدرة على تحديد أولويات الخسارة. فالدولة لا تختار بين سيادةٍ مكتملة وانعدامها، بل بين أشكالٍ مختلفة من التنازل المُنظَّم. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يَعُد: هل تملك سوريا سيادتها؟ بل: كيف تُعيد تعريفها تحت الضغط، وبأي كلفة، وإلى متى؟

هذا التحوّل في السؤال، في حد ذاته، مؤشر على أن الصراع لم يعد يدور حول استعادة السيطرة، بل حول إدارة حدودها، في انتظار لحظة إقليمية فاصلة تعيد تعريف قواعد اللعبة من جديد.

اضف تعليق