دعمَ واشنطن لوحدةِ ليبيا كان في جوهرِه نتاجَ اعتباراتٍ براغماتيّةٍ. فقد نظرت الولاياتُ المتّحدةُ إلى ليبيا بوصفِها موقعًا استراتيجيًّا بالغَ الأهميّةِ في سياقِ تشكُّلِ نظامِ الحربِ الباردةِ. تتجلّى هذه الأهميّةُ جغرافيًّا: تُمثِّلُ ليبيا نقطةَ وصلٍ بين أوروبا وإفريقيا، وتُشرف على البحرِ المتوسّطِ. عسكريًّا: تقع ضمن المجالِ الحيويِّ للجناحِ...

المُقدِّمةُ

تُعدُّ مسألةُ وحدةِ الدَّولةِ الليبيّةِ وسلامةِ أراضيها من القضايا التي تداخل فيها المحلّيُّ بالإقليميِّ والدُّوليِّ منذ نهايةِ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ. ولم تكن هذه الوحدةُ نتاجَ إرادةٍ داخليّةٍ فحسب، بل جاءت أيضًا نتيجةَ توازناتٍ دوليّةٍ مُعقَّدةٍ، لعبت فيها القوى الكبرى دورًا حاسمًا. وفي هذا السياق، برزت الولاياتُ المتّحدةُ الأمريكيّةُ بوصفها فاعلًا مؤثِّرًا في ترجيحِ خيارِ الدَّولةِ الليبيّةِ المُوحَّدةِ، ليس انطلاقًا من اعتباراتٍ مبدئيّةٍ خالصةٍ، بل ضمن حساباتٍ استراتيجيّةٍ ارتبطت بموقعِ ليبيا وأهميّتِها في بنيةِ النِّظامِ الدُّوليِّ النّاشئ آنذاك.

يهدفُ هذا المقالُ إلى إعادةِ قراءةِ الموقفِ الأمريكيِّ من وحدةِ ليبيا، من خلال تحليلِ سياقاتِه التاريخيّةِ، وتفكيكِ دوافعِه الاستراتيجيّةِ، وربطِه بتحوُّلاتِ التنافسِ الدُّوليِّ قديمًا وحديثًا.

أوّلًا: المسارُ الدُّوليُّ للقضيّةِ الليبيّةِ (1945–1951)

عقبَ نهايةِ الحربِ العالميّةِ الثانيةِ، طُرحت مسألةُ المستعمراتِ الإيطاليّةِ، ومن ضمنها ليبيا، على جدولِ أعمالِ القوى المُنتصرةِ. وقد نوقش مصيرُ ليبيا في مؤتمرِ لندن (1945)، ثم في مؤتمرِ باريس (1946)، دون التوصُّلِ إلى تسويةٍ نهائيّةٍ، ليُحال الملفُّ لاحقًا إلى الأمم المتحدة.

في موازاةِ ذلك، نشطت جامعة الدول العربية في دعمِ استقلالِ ليبيا كدولةٍ موحَّدةٍ، وكان لأمينِها العامِّ آنذاك عبد الرحمن عزام دورٌ بارزٌ في هذا الاتّجاهِ، رغم تعقيداتِ المواقفِ الإقليميّةِ، لا سيّما ما تعلّق ببعضِ الحساباتِ المصريّةِ المرتبطةِ بالحدودِ والنفوذِ.

برزت في تلك الفترةِ مشاريعُ لتقسيمِ ليبيا، من أهمِّها مشروعُ بيفن–سفورزا، الذي اقترح وضعَ الأقاليمِ الليبيّةِ تحت وصايةٍ دوليّةٍ مُتعدِّدةٍ. غير أنّ هذا المشروعَ واجه معارضةً واسعةً، ليس فقط من الدُّولِ العربيّةِ، بل أيضًا من الولاياتِ المتّحدةِ التي رأت فيه صيغةً قد تُبقي على النفوذِ الاستعماريِّ الأوروبيِّ بصورةٍ غير مباشرةٍ.

وقد تُوِّج هذا المسارُ بصدورِ قرارِ الجمعيّةِ العامّةِ لـ الأمم المتحدة رقم 289 (1949)، الذي نصَّ على استقلالِ ليبيا كدولةٍ موحَّدةٍ في موعدٍ أقصاه الأوّلُ من يناير 1952. ويُعدُّ هذا القرارُ نقطةَ تحوُّلٍ مفصليّةً، إذ عكس توازنًا دوليًّا مال لصالحِ خيارِ الاستقلالِ والوحدةِ، في مواجهةِ مشاريعِ التقسيمِ والوصايةِ.

ثانيًا: دوافعُ الموقفِ الأمريكيِّ – بين البراغماتيّةِ والجيوسياسةِ

على خلافِ التصوُّراتِ التي تُضفي طابعًا مبدئيًّا على السّياسةِ الأمريكيّةِ، فإنّ دعمَ واشنطن لوحدةِ ليبيا كان في جوهرِه نتاجَ اعتباراتٍ براغماتيّةٍ. فقد نظرت الولاياتُ المتّحدةُ إلى ليبيا بوصفِها موقعًا استراتيجيًّا بالغَ الأهميّةِ في سياقِ تشكُّلِ نظامِ الحربِ الباردةِ.

تتجلّى هذه الأهميّةُ في عدّةِ مستوياتٍ:

جغرافيًّا: تُمثِّلُ ليبيا نقطةَ وصلٍ بين أوروبا وإفريقيا، وتُشرف على البحرِ المتوسّطِ.

عسكريًّا: تقع ضمن المجالِ الحيويِّ للجناحِ الجنوبيِّ لحلفِ شمالِ الأطلسيِّ.

اقتصاديًّا: مع اكتشافِ النفطِ لاحقًا، ازدادت أهميّتُها بوصفِها موردًا للطاقةِ.

في هذا السياقِ، سعت الولاياتُ المتّحدةُ إلى منع الاتحاد السوفييتي من إيجادِ موطئِ قدمٍ عسكريٍّ في ليبيا، خاصّةً في ظلِّ محاولاتِه منذ مؤتمرِ بوتسدام (1945).

وعليه، فإنّ دعمَ وحدةِ ليبيا لم يكن هدفًا بحدِّ ذاته، بل وسيلةً لضمانِ قيامِ دولةٍ قابلةٍ للتحالفِ مع الغربِ، ومنعِ الفراغِ الاستراتيجيِّ.

ثالثًا: الاستقلالُ والتحالفاتُ – خيارُ الضّرورةِ لا التبعيّةِ

عندما نالت ليبيا استقلالَها عام 1951 بقيادةِ الملكِ إدريس السنوسي، كانت دولةً محدودةَ المواردِ، ضعيفةَ المؤسّساتِ، ومحاطةً بتحدّياتٍ إقليميّةٍ مُعقَّدةٍ. في هذا السياقِ، اتّجهت القيادةُ الليبيّةُ إلى بناءِ تحالفاتٍ مع كلٍّ من بريطانيا والولاياتِ المتّحدةِ.

وقد تمثّلت أبرزُ مظاهرِ هذه التحالفاتِ في:

توقيعِ اتّفاقيّاتٍ دفاعيّةٍ

السّماحِ بإقامةِ قواعدَ عسكريّةٍ، مثل قاعدةِ “ويلوس” الأمريكيّةِ، إلى جانبِ منشآتٍ أخرى، من بينها قاعدةُ العدمِ في طبرق، وهو ما يعكس توزيعًا جغرافيًّا مدروسًا للوجودِ العسكريِّ الغربيِّ بين الغربِ والشرقِ.

ولا ينبغي تفسيرُ هذه الخياراتِ بوصفِها خضوعًا دائمًا، بل باعتبارِها استجابةً براغماتيّةً لضروراتِ البقاءِ.

رابعًا: من الحربِ الباردةِ إلى الحاضرِ – تحوُّلاتُ التنافسِ الدُّوليِّ

رغم انتهاءِ الحربِ الباردةِ، فإنّ الأهميّةَ الاستراتيجيّةَ لليبيا لم تتراجع، بل أُعيد إنتاجُها في سياقاتٍ جديدةٍ. فالتنافسُ الذي كان قائمًا بين الولاياتِ المتّحدةِ والاتحاد السوفييتي عاد اليوم بصيغٍ مختلفةٍ.

غير أنّ هذا التحوُّلَ لا ينبغي اختزالُه، إذ تختلف الأدواتُ:

سابقًا: قواعدٌ عسكريّةٌ وتحالفاتٌ صلبةٌ

حاليًّا: نفوذٌ غير مباشرٍ وتدخُّلاتٌ محدودةٌ

الخاتمةُ

تُظهر القراءةُ التاريخيّةُ–الاستراتيجيّةُ أنّ الموقفَ الأمريكيَّ من وحدةِ ليبيا لم يكن وليدَ لحظةٍ عابرةٍ، بل جاء ضمن سياقٍ ممتدٍّ من الحساباتِ الجيوسياسيّةِ. وقد لعبت الولاياتُ المتّحدةُ دورًا مهمًّا في ترجيحِ خيارِ الدّولةِ المُوحَّدةِ، ضمن منطقٍ براغماتيٍّ مرتبطٍ بمصالحِها الاستراتيجيّةِ.

وفي المقابلِ، شكّلت تحالفاتُ القيادةِ الليبيّةِ خيارًا عقلانيًّا فرضته ظروفُ الدولةِ النّاشئةِ. أمّا اليوم، فيتجدّد التنافسُ الدوليُّ حول ليبيا، ما يجعل استحضارَ هذا التاريخِ ضروريًّا لفهمِ الحاضرِ واستشرافِ المستقبلِ.

اضف تعليق