هناك أمل في التغيير، وكل تغيير يبدأ من وعي جديد، فإنه حين نربي أطفالنا على الصراحة والجرأة دون وقاحة، ونعيد تشكيل خطابنا الديني ليحتوي النقد البناء، ونعيد تعريف الولاء بأنه "الصدق مع من نحب" وليس "السكوت عن أخطائه"، وندرك أن الدولة والمجتمع لا يتطوران إلا بأصوات الناقدين لاتصفيق المنافقين...
في المجتمعات الحية، يشكل النقد رافعة أساسية للإصلاح، وأداة لا غنى عنها في تطوير الوعي الفردي والجماعي، وتقويم مؤسسات الدولة، وضمان مسار الحكم الرشيد. أما في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، فالمشهد مختلف تماماً؛ إذ يُنظر إلى النقد غالباً بعين الريبة، ويُعامل الناقد كمثير للفتنة أو ناكر للجميل، حتى لو كانت ملاحظاته صادقة وهدفه الإصلاح. هذه المفارقة لا تثير القلق فحسب، بل تدعو إلى الحيرة، وربما إلى القرف كما قال أحدهم ذات مرة. فكيف لمجتمع يفتخر بالقيم والأخلاق والإصلاح، أن يضيق بالنقد، وهو الوسيلة الأولى للوصول إلى تلك القيم؟!
النقد في جوهره ليس هدماً، ولا خصومة، ولا فضيحة. بل هو عملية تفكير عقلاني وتحليلي تستهدف كشف الخلل، وتصويب الخطأ، وتقديم البديل الأفضل. النقد لا يعادي الأشخاص، بل يعالج الأفكار والسلوكيات والسياسات. وهو ليس امتيازاً لفئة، بل حق لكل فرد، وواجب على كل صاحب رأي وضمير حي.
وتتجسد أهمية النقد في بناء الفرد والمجتمع من خلال:
* يحرر الإنسان من التبعية العمياء، ويجعله كائناً واعياً يفكر ويختار ويعيد النظر.
* يساعد في تكوين شخصية مستقلة، ويُعزز من الثقة بالنفس دون الغرور، ومن التواضع دون الذل.
* يسهم النقد في ترسيخ العلاقات الأسرية وتقويمها، وتنقية العلاقات المجتمعية من المجاملات السامة، ويقوي الروابط على أساس الصراحة والاحترام المتبادل.
بالموازاة، النقد شرط أساسي لبناء دولة رشيدة فإن الدولة التي لا تسمع النقد، دولة تعيش خارج التاريخ حيث:
* لا يمكن الحديث عن الحكم الرشيد من دون صحافة حرة، ومؤسسات رقابية مستقلة، ومواطنين أحرار قادرين على طرح الأسئلة.
* كل سلطة لا تُراقَب تُفسُد وتُفسِد، وكل مسؤول لا يُحاسَب يطغى، وكل نظام لا يُنتَقَد يتحول إلى نظام مغلق قابل للانفجار.
لكن؛ لماذا يغيب النقد في مجتمعاتنا، رغم أن الإسلام في جوهره شجع على النقد، وأعلى من شأن النصح وحث على الوعظ والإرشاد، إلا أن السائد في مجتمعاتنا هو ثقافة الطاعة والسكوت، لا ثقافة النقد والمراجعة. ويمكن تلخيص أسباب هذا الغياب في ما يلي:
* الاستبداد السياسي حيث إن الأنظمة الاستبدادية ترى في كل نقد تهديداً وجودياً، لا فرصة للإصلاح، أو خيانة أو مؤامرة لا تعبيراً عن الرأي ولا حقاً من حقوق المواطن.
* الاستبداد الديني، الذي يمنح أشخاصاً ومؤسسات "قداسة"، لدرجة يصبح نقدهم كفراً أو حراماً.
* الاستبداد المجتمعي تحت عنوان الأعراف والتقاليد أو الأكثرية، وهو ما أسماه جون ستيوارت ميل بـ "طغيان الأغلبية"، ويرفض النقد بدعوى أنه "خروج عن الجماعة" أو "خدش للحياء العام". وهنا تبرز أهمية ما قاله المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "عدم التفات المرجع الديني إلى صوت الناقدين المخلصين سيؤدي إلى تراكم الأخطاء، وأحياناً يتسبب في انحراف المؤسسة المرجعية، الأمر الذي سيؤدي إلى انحراف الناس...".
* الخلط بين النقد والإهانة؛ فيُنظَر إلى الناقد كحاقد أو حاسد، وربما يُتَهم بالخيانة أو الكفر.
* الضعف التربوي في المدارس والجامعات، وحتى الأُسَر، فإنه نادراً ما يُشجَع الطالب على التفكير النقدي.
ولاشك في أنه حين يغيب النقد، تتراكم الأخطاء، وتتعفن البنى السياسية والدينية والاجتماعية، وتفقد الشعوب قدرتها على التصحيح الذاتي.
مع ذلك، هناك أمل في التغيير، وكل تغيير يبدأ من وعي جديد، فإنه حين نربي أطفالنا على الصراحة والجرأة دون وقاحة، ونعيد تشكيل خطابنا الديني ليحتوي النقد البناء، ونعيد تعريف الولاء بأنه "الصدق مع من نحب" وليس "السكوت عن أخطائه"، وندرك أن الدولة والمجتمع لا يتطوران إلا بأصوات الناقدين لا تصفيق المنافقين، عندها يمكن أن نرى بارقة أمل في أفق مجتمعاتنا.
وهكذا، فإن النقد ليس مجرد ترصد للأخطاء، بل هو أداة تفكير تمنع الركود وتدفع نحو التطور. بالتالي، النقد ضرورة عقلية وإنسانية وإصلاحية، وإذا أردنا دولاً بلا طغيان، ومجتمعات بلا نفاق، وأفراداً بلا ترد أخلاقي وفكري، فلا مفر من إعادة الاعتبار لفريضة النقد، وحماية واحترام وشكر من يعمل بها بأمانة ومسؤولية وشجاعة، تماهياً مع رُوي عن أهل الدين والعلم والحكمة والهدى والنور والتقى، أهل البيت (عليهم السلام)، فقد قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "لِيَكُنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ المُشْفِقُ النَّاصِحُ" (بحار الأنوار: ج74 – ص198). وقد ورد في "رسالة الحقوق" للإمام زين العابدين (عليه السلام) أن حق الناصح هو أن "وَأما حَقُّ النَّاصِحِ، فَأَنْ تُلِينَ لَهُ جَنَاحَكَ ثُمَّ تشرئب لَهُ قَلبَكَ، وَتفْتَحَ لَهُ سمْعَكَ حتَّى تَفْهَمَ عَنهُ نصِيحَتَهُ، ثُمَّ تنْظُرَ فِيها، فَإنْ كَانَ وُفّقَ فِيهَا لِلصَّوَاب حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَبلْتَ مِنهُ، وَعَرَفْتَ لَهُ نَصِيحَتَهُ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ وُفّقَ لَهَا فِيهَا رَحِمْتَهُ وَلَمْ تتَّهِمْهُ، وَعَلِمْتَ أَنهُ لَمْ يألُكَ نُصْحًا إلا أنَّهُ أَخطأَ، إلا أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مُسْتَحِقًّا لِلتُّهْمَةِ فلا تَعْبـأْ بشيء مِنْ أَمْرِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" (تحف العقول: ص184)، ويقول الإمام الباقر (عليه السلام): "اتبع من يُبكيك وهو لك ناصح، ولا تتبع من يُضحكك وهو لك غاش، وستردون على الله جميعاً فتعلمون" (الكافي: ح2 - ص638)، ورُويَ عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: "أَحَبُّ إِخْواني إِلَيَّ مَنْ أَهْدى إِلَيَّ عُيُوبي" (الكافي: ج2 – ص639).
النقد المؤسسي مرآة داخلية
النقد دليل على وجود حرية، والحرية أساس أي تقييم وتغيير وإصلاح، وصولاً إلى ضمان أفكار سليمة، وقيم راسخة، وحياة كريمة، شريطة أن يُمارَس بمسؤولية ودوافع بنّاءة تصب في خدمة المصلحة العامة. بالتالي، لا تقاس حيوية المؤسسات الدينية؛ وغير الدينية، بقدرتها على إطلاق التوجيهات وتوجيه الإرشادات وإنتاج القرارات فقط، بل بقدرتها على تصحيح ذاتها قبل أن تتراكم أخطاؤها. فإن المؤسسة - أية مؤسسة - التي لا تسمع لا تتعلم، والتي لا تتعلم تتصلّب، ومع الزمن تفقد علاقتها بالواقع وبالناس معاً. من هنا، لا يكون النقد خطراً على المؤسسات الحيّة، بل علامة من علامات عافيتها، شرط أن يُفهَم النقد بوصفه أداة إصلاح لا وسيلة هدم.
وفي التفكير المؤسسي السليم، لا يُنظَر إلى النقد باعتباره تهديداً للمكانة أو انتقاصاً من الهيبة، بل باعتباره مرآة داخلية تكشف مواضع الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات. ولهذا في كتابه "المرجعية الإسلامية" يحذِر المرجع الديني المجدِّد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) من إن قيادة أي جماعة أو أمة بلا تفكير، تفضي إلى الفشل، وإن تعطيل العقل يفتح الباب أمام تحكّم الحاشية وصناعة القرار بالنيابة عن القيادة نفسها. وهنا لا يعود الخلل شخصياً، بل مؤسسياً بنيوياً.



اضف تعليق