جذر المشكلة هو قلب الميزان؛ فبدلاً من أن نعرف الرجال بالحق، يُعرَف الحق بالرجال. وحين تُختزَل الحقيقة في أشخاص أو جماعات، تصبح قابلة للتزييف بقدر ما نمنحهم من ثقة مفرطة أو قداسة بل مبرر؛ عندها، لا يُسأل: "ما الدليل؟" بل: "مَنْ القائل؟". هذا النمط ليس سذاجة عابرة، بل...

ليست المشكلة أن الناس يخطئون، بل أنهم أحياناً ينكرون الحقيقة وهم يدركونها، ثم يبنون مواقفهم وسلوكهم على الوهم. تلك الحالة التي يصفها القرآن الكريم بدقة: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم)(النمل: 14). وهنا يكمن السؤال المهم: لماذا يصدّق الإنسان ما يعلم –في قرارة نفسه– أنه غير صحيح؟ ولماذا ينحاز إلى خبر مزيف أو صورة ملفقة أو رواية كاذبة فقط لأنها توافق رغباته أو تصدر عمّن يثق به؟

الجواب يبدأ من قاعدة بسيطة عبّر عنها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بمقولة خالدة: "الحق لا يُعرَف بالرجال، اعرفْ الحق تعرف أهله" (أمالي المفيد: ج5 – ص3). لكن حين ينعكس هذا المبدأ، ويُعرَف الحق عبر الأشخاص لا العكس، يبدأ التشوّه.

بكلمة أخرى، حين يقاس الحق بالأشخاص، لا بالمعايير، ينقلب ميزان الحكم؛ أي الفكرة لا تُقبَل لأنها صحيحة، بل لأنها صادرة عن "أحدنا"، ولا تُرفَض لأنها خاطئة، بل لأنها صادرة عن "خصمنا" أو صادرة عن "مَنْ يخالفنا". وبهذا المنطق، لا يعود السؤال: هل هذا صحيح؟ بل يصبح: مَنْ الذي قاله؟ بينما يضع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) القاعدة الحاسمة: "لا تنظر الى مََنْ قال، وانظر الى ما قال" (غرر الحكم: ج1 - ص355).

بين هذين المنهجين يتحدد الفرق بين عقل يبحث عن الحقيقة، وعقل يبحث عمّن يوافقه. بالتالي، المشكلة ليست في غياب الحقيقة، بل في استبدال معيارها. فحين نحاكم الأقوال بأصحابها، لا بمضمونها، نكون قد عطّلنا عقولنا طوعاً، وخالفنا القاعدة العَلَويّة التي تختصر النجاة: انظر الى ما يُقال، لا الى مَن قاله. وهنا يبدأ الخداع أو التزييف؛ تُستبدَل الحقيقة بالولاء، ويُعطَّل العقل لصالح الانتماء، ويغدو الدفاع عن الشخص أهم من الدفاع عن الصواب.

الأخطر أنه حين تُعرَض الحقيقة مدعومة بالأدلة، لا تُقابَل بالمراجعة بل بالعداء؛ سبّ وتشهير واتهام وتخوين وتكفير الى غير ذلك، وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة، لا فضيلة(*). هنا لا يعود الخلاف معرفياً، بل يتحوّل إلى خلل أخلاقي.. الخلل هو رفض الحقيقة لأنها تُحرج الانتماء أو تُربك الصورة الذاتية.

يتضح من ذلك أن جذر المشكلة هو قلب الميزان؛ فبدلاً من أن نعرف الرجال بالحق، يُعرَف الحق بالرجال. وحين تُختزَل الحقيقة في أشخاص أو جماعات، تصبح قابلة للتزييف بقدر ما نمنحهم من ثقة مفرطة أو قداسة بل مبرر؛ عندها، لا يُسأل: "ما الدليل؟" بل: "مَنْ القائل؟".

هذا النمط ليس سذاجة عابرة، بل بنية ذهنية متماسكة. يفسّره علم النفس؛ وخاصة المقاربة المعرفية، بأن الإنسان يتصرف وفق الصورة التي يريدها للعالم، لا كما هو. فإذا بُنيَت هذه الصورة على ثنائيات مغلقة (نحن/هم، حق مطلق/باطل مطلق)، صار كل دليل مخالف تهديداً يجب إسكاتُه لا مناقشته.

ومن هنا تتولّد ثلاثة انحرافات خطيرة:

* تفكير ثنائي أعمى؛ حيث لا مناطق رمادية، ولا احتمال لخطأ الذات.

* تقديس الانتماء؛ حيث تتحول الجماعة إلى معيار للحقيقة، ويُستبدَل الضمير بالطاعة.

* إسقاط المسؤولية؛ حيث الفرد لا يخطئ، بل ينفّذ أو يدافع، فيُبرَّر الكذب والظلم باسم قضية.

وفي هذا المجتمع، يصبح السبّ والبهتان أدوات دفاع نفسي؛ فحين يعجز المرء عن دحض الحجة، يهاجم صاحبها. بالطبع، هذا السلوك لا يعبر عن قوة إيمان، إنما هو خوف من الحقيقة، وهشاشة فكرية وأخلاقية لا تحتمل الاختبار.

هنا، ينبغي التذكير بأن الدين في جوهره هو مكارم الأخلاق(**)؛ مثل الصدق والعدل والرحمة والأمانة والاحترام واللطف. لكنه حين يُختطَف أيديولوجياً، ينقلب "الدين" إلى غطاء لتزييف الوعي. عندها، لا يُسأل عن عدالة الفعل، بل عن فائدته للجماعة. ويصبح الظلم "ضرورة"، والكذب "حكمة"، والقمع "واجباً".

هنا، الخطر لا يكون فردياً، فحين تنتشر هذه الذهنية، تتآكل الثقة العامة، ويعاد تعريف الوطنية والولاء وفق مقاييس ضيقة، وتُستبدَل الحقيقة بالدعاية. بالتالي؛ مجتمع كهذا لا يعجز عن معرفة الحق، بل يرفضه. لذلك، المواجهة تبدأ بإعادة الاعتبار لمعيار بسيط وصارم؛ وهو الدليل قبل القائل، والحقيقة قبل الانتماء، والمسؤولية قبل التبرير، وما دون ذلك ليس اختلافاً في الرأي، بل تواطؤاً مع الوهم.

................................................

(*) يقول الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(الأنعام: 108).

وقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): "إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وإنَّما بُعِثْتُ داعياً ورَحْمَةً، اللهم اهْدِ قومي فإنّهم لا يعلمون" (بحار الأنوار: ج20 - ص21).

ومن الروايات؛ في هذا السياق، ما ورد في روضة الكافي في حديث طويل عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "وَجَامِلُوا النَّاسَ وَلَا تَحْمِلُوهُمْ عَلَى رِقَابِكُمْ تَجْمَعُوا مَعَ ذَلِكَ طَاعَةَ رَبِّكُمْ وَإِيَّاكُمْ وَسَبَّ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَكُمْ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَدْ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا حَدَّ سَبِّهِمْ لِلَّهِ كَيْفَ هُوَ إِنَّهُ مَنْ سَبَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدِ انْتَهَكَ سَبَّ اللَّهِ وَمَنْ أَظْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اسْتَسَبَّ لِلَّهِ وَلِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، فَمَهْلًا مَهْلًا فَاتَّبِعُوا أَمْرَ اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللّه" (الكافي: ج8 – ص7).

(**) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" أو "إنما بعثت لأتمم حسن الأخلاق" (كنز العمال: ح43542)، وقد أوصى (صلى الله عليه وآله): "عليكم بمكارم الأخلاق فإن الله بعثني بها" (أمالي الطوسي: ص478).

اضف تعليق