لقد اختلف عالم اليوم تماما عن عالم الأمس، وإن ما زالت الكثير من مشاكله الكبيرة قائمة وغير محلولة، لكن النظرة إلى تلك المشاكل، اصبحت في الاقل، تختلف كثيرا عما كانت عليه سابقا، وصارت الناس بشكل عام تسعى إلى التقارب حيث خفّت كثيرا النزعة القومانية التي قامت عليها اغلب الدول...
لم تزل عبارة (أجنبي) ترن في أذني بعد ان اقتحمتها وهي غضة، تتلقى المعلومات بدهشة وتتعامل معها بعفوية.. الكلمة أو العبارة، كنت أسمعها من أهلي حين كنّا في الريف، وتطلق على الشخص الذي يأتي إلى قريتنا من قرية اخرى أو ليس من معارفنا أو أقاربنا، فهو إذن (أجنبي) ويجب التعامل معه بحذر وبتكلّف.
مؤخرا صارت هذه العبارة تختفي تدريجيا من قاموس الناس اليومي في الريف، ولم تعد متداولة بينهم بالشكل الذي كانت عليه سابقا، لان الطرق الحديثة والتواصل المستمر والسهل بين اهالي القرى والمدن، أسهم في تعريف الناس ببعضهم وأزال حواجز الريبة السابقة بشكل كبير.
في لغة الدول الرسمية، تطلق كلمة (اجنبي) على ابناء الدول الاخرى، وايضا يكون التعامل معهم في الغالب بحذر وتكلّف، واحيانا بحساسية ليس فقط على المستوى الرسمي والمحذورات الأمنية، وإنما حتى على مستوى الناس العاديين الذين كانوا يرون في (الاجنبي) شيء مثير ووجوده بينهم يثير الفضول، فالسفر إلى الخارج قبل اربعة عقود كان نعمة يتمتع بها اقل من عشر أي شعب، لا سيما من أبناء الدول الفقيرة، وفي الغالب طلبا للعلاج أو ضرورات أخرى، لذا كانت العلاقة بين البشر في كل العالم تقريبا، تخضع لمعايير انسانية تغيرت كثيرا في العقدين الأخيرين، حيث اصبح حلم السفر إلى أوروبا مثلا، ليس صعب التحقق، اما السفر إلى الدول المجاورة فأصبح بين بعض الدول اشبه بالتنقل بين مدن البلاد الواحدة.
وقد انعكس هذا المزاج العام على السياسة والعلاقات بين الدول بشكل واضح في السنين الاخيرة، فالآخر الغريب أو الأجنبي، صار قريبا ليس جغرافيا، بوجود وسائط النقل الحديثة فقط وانما على المستوى النفسي ايضا، حيث قلّص البث الفضائي الذي يعمل على مدار اليوم وينقل اخبار العالم المختلفة المسافة النفسية بين الشعوب وصار همّ الناس يتوحد بشكل يومي مع قضايا وأحداث تقع في اي بقعة من العالم، لان كاميرات الفضائيات تنقل الحدث مباشرة لكل بقاع الارض، بعد ان كان البث التلفزيوني الارضي يغطي مساحة الدولة الواحدة ويعبر قريبا خارج حدودها، ويخضع لرقابة السلطات بغية صناعة الرأي العام وفقا لما تريد.
نعم انتهى هذا الأسر الاعلامي إلى الابد وباتت الشعوب تتشارك في متابعة الاخبار من القنوات الفضائية وتتابع من خلالها ايضا المسلسلات والافلام والبرامج المختلفة، وقد لعبت هذه دورا كبيرا في توحيد امزجة الناس وصناعة تقارب بينهم لم تستطع الأنظمة وسفاراتها من القيام بجزء قليل منه سابقا.
لقد اختلف عالم اليوم تماما عن عالم الأمس، وإن ما زالت الكثير من مشاكله الكبيرة قائمة وغير محلولة، لكن النظرة إلى تلك المشاكل، اصبحت في الاقل، تختلف كثيرا عما كانت عليه سابقا، وصارت الناس بشكل عام تسعى إلى التقارب حيث خفّت كثيرا النزعة القومانية التي قامت عليها اغلب الدول وتحولت إلى اشبه بالعصا السحرية التي تستخدمها الانظمة لتعبئة الشعوب وقتما تشاء، وباتت المصالح التي تتحقق بالتقارب مع الآخرين هي الفاعل أو ان الذي لم يضع هذا الاعتبار في أولوية سياساته سيخسر الكثير ولم يعد قادرا على التحدث بلغة العصر.
ما نراه اليوم من فعاليات مختلفة تقوم بها جهات شعبية لتعبر عن مشاعرها أو مواقفها وان كان البعض يراها غير مناسبة، هي ترجمة لواقع جديد أخذ يتشكل بدواخلنا بعيدا عن وصاية الايديولوجيات والسرديات الكبرى التي كان تسويقها يجري بطريقة قسرية اثبتت عدم نجاعتها. وإن أي نظام سياسي لا يضع استراتيجية للتعامل مع الواقع الجديد سيجد نفسه معزولا، ليس دوليا فقط وانما عن شعبه أيضا.



اضف تعليق