إن الأدب أصبح أمام تحد كبير، إذ لا بد للأديب من البحث عن أشكال جديدة للوصول إلى أمزجة الأجيال الجديدة التي باتت بفعل التراكم اليومي المذهل للأعمال الفنية الدعائية الخفيفة المشوّقة غير مهيأة نفسيا للتعاطي مع الأدب التقليدي أو مع (الوعظ الحديث) الذي تقادم عليه الزمن فلم يعد حديثا!...

يتردد سؤال خجول في السنين الأخيرة، مفاده أن الأدب سينتهي أو سيتراجع دوره، فالإنسان المعاصر بدا غير مكترث بالنتاج الأدبي قياسا بالعقود أو القرون الماضية، بعد أن أخذت التقنية الحديثة والميديا الممتزجة بالفن تعيدان برمجة وعيه وتقنن وقته ولم يعد البعد (الوعظي الحديث) الذي يقدمه الأدب مؤثرا بشكل سريع في مزاجه، أو أنه لم يعد مهتما به قياسا بالمراحل السابقة، حيث كان الأدب يمثل وسيلة للتطهّر، وفقا لأرسطو، وتطوّر وسائل (الوعظ) ونقلها من الخطب الدينية أو الإرشادات الأخلاقية المباشرة إلى وسائل أرقى متمثلة بالأدب لجعل الإنسان يعيش الحدث المحتمل بأبعاده الإنسانية والأخلاقية ويخرج منه بعبرة يقصدها العمل أو كاتبه، بمثابة الوسيلة المثلى الناجعة.

من رحم الأسئلة الأولى للإنسان؛ من أين أتينا؟ ولماذا أتينا؟ وإلى أين نتجه؟ والتي كبرت بالتدريج وتنوعت منذ بداية الخليقة وتكوّن الجماعات البشرية على الأرض، بدأت رحلة الإنسان الأولى مع (الأساطير) التي تعددت وفقا لنضج كل جماعة وظروفها الخاصة، إذ كانت (الأساطير) التي ظلت تتناقلها الأجيال في العصور القديمة وتضيف إليها، أشبه بالترياق الذي سلّحت به البشرية جسدها الجمعي لتشعر بالاطمئنان، فكانت الديانات والأحداث الأولى التي أُسطرت فاتخذت شكلها النهائي بعد أن دوّنت لاحقا، لتصبح بداية لرحلة الإنسان مع (الأدب) بلمساته تلك.

لقد كانت (الأساطير) بمثابة المرآة الأولى التي رأى الإنسان فيها ذاته الجمعية، أو حاول ذلك، ثم مع تطور العلاقات بين الجماعات وتلاقيها وتفاعلها مع بعضها، سلما أو حربا، ولدت (الملاحم) التي هي الوليد (الثقافي) للأساطير قبل أن يستقر الإنسان بعد أن أنضجته تجاربه الكثيرة على شكل أخير لتدوين ما تعتمل به أعماقه وهو يقرأ الأحداث من حوله ويعالجها قيميا وأخلاقيا فجاء (الأدب الحديث) المتمثل بالرواية والقصة وغيرهما، والذي تجاوزت حمولته الاهتمام بـ(البطل التاريخي) الذي يكون مقدسا في الغالب أو تحيطه هالة من العظمة والتبجيل، سواء كان محورا لأسطورة أو ملحمة، ليكون الاهتمام هذه المرة بالإنسان الفرد البسيط المغمور، الذي يتلقى إسقاطات الأحداث وينفعل أو يتفاعل معها وفقا لطبيعة الحدث الذي يتناوله الأديب وموقع هذا الإنسان فيه.

لقد تغيّر العالم في العقود الأخيرة بشكل مذهل، سريع جدا، فباتت وسائل التأثير في مزاج الإنسان وصناعة ميوله متعددة ومشوّقة أيضا، بكلفة متابعة أقل زمنيا وأيسر ماديا في الحصول عليها من الكتاب... نعم، انضغط الزمن بداخلنا بشكل كبير، فصار يمر بسرعة ولم يعد هناك كثيرون اليوم ممن يقرأون مئات الصفحات لكي يتحصلوا على مقولة (أخلاقية) لعمل أدبي، كما كان سابقا مع الروايات، كذلك المسرحيات التي تصطف الناس وتنتظر طويلا لمشاهدتها!

من هنا يمكن القول إن الأدب أصبح أمام تحد كبير، إذ لا بد للأديب من البحث عن أشكال جديدة للوصول إلى أمزجة الأجيال الجديدة التي باتت بفعل التراكم اليومي المذهل للأعمال الفنية الدعائية الخفيفة المشوّقة غير مهيأة نفسيا للتعاطي مع الأدب التقليدي أو مع (الوعظ الحديث) الذي تقادم عليه الزمن فلم يعد حديثا!

لعلّ العقود القليلة القادمة ستضعنا في قلب هذا التحدي، شئنا أو أبينا!

اضف تعليق