السياسي كلاعب كرة القدم، يستخدم المراوغة بغية إيصال الكرة إلى الهدف، أي تحقيق الفوز لشعبه، وليس هذا بالضرورة على حساب الآخرين أو بإيذائهم، وإن كانوا خصوماً أو مختلفين معه، وإنما بالتعاون معهم إذا لزم الأمر ووجد في ذلك مصلحة لبلاده...
مثلما قرأنا عن الاشتراكية بوصفها مذهباً سياسياً وفكرياً اقتحم القاموس السياسي العالمي بقوة قبل قرنين، وقرأنا كذلك عن البراغماتية بوصفها مذهباً متعارضاً مع الاشتراكية؛ قرأنا أيضاً عن شخصيات سياسية في التاريخ، بعضها ذات صبغة قدسية، مارست الاشتراكية والبراغماتية في آن!
انطلاقاً من أن الاشتراكية تمثل نزوعاً للعدالة ومحاولة لمنح الفرص المتكافئة للجميع، وفقاً لظروف كل عصر ومعطياته، وفي الوقت نفسه نجد أن بعض هؤلاء مارسوا البراغماتية كثيراً في تعاملهم مع القوى المؤثرة في محيطهم أو أتباعهم من أجل تجنب الضرر قدر الإمكان، أو عندما يتيقنون من استحالة منعه عند حصول خلاف أو مشكلة ما مع هؤلاء المؤثرين، سواء كانوا أقواماً مختلفة مجاورة أو قوى معارضة داخلية للمشروع الذي كانوا ينهضون به.
في ثمانينيات القرن الماضي قرأتُ كتاب “اليمين واليسار في الإسلام” لمؤلفه أحمد عباس صالح، وقد أعجبتني رؤية الكاتب في كيفية قراءته توجهات بعض الشخصيات المؤثرة والكبيرة في مرحلة مثيرة من تاريخ الإسلام، وكيف انتهى إلى تقييم أو توصيف بعضهم بـ (اليساريين) وبعضهم الآخر بـ (اليمينيين) وفقاً لسلوك ومواقف كل منهم؛ أي أنه أسقط فقط العنوان الحديث (اليسار – اليمين) على واقع ما قبل ألف وأربعمائة سنة تقريباً، ليقينه من أن الأهم هو جوهر الفعل ومعناه عبر التاريخ، وأن كيفية تقييمه مستقبلاً أو وفق أية تسمية فلا يهم ذلك.
وعند قراءتنا لتاريخ منطقتنا الحديث والمعاصر، وقفنا عند شخصيات مارست البراغماتية ونجحت بشكل كبير في الحفاظ على بلدانها، مثلما عرفنا شخصيات مارست نوعاً من الاشتراكية من دون أن تجعل ذلك شعاراً لسياستها، تجنباً لحساسيات مرحلة الحرب الباردة ولعبة الاستقطابات الدولية خلالها.
نستطيع القول إن البراغماتية والاشتراكية لم تأتيا من العدم أو من تأملات مجردة قام بها هذا المفكر أو الفيلسوف أو حتى السياسي المثقف، وإنما هما خلاصة تجربة حياتية تراكمت عبر التاريخ أمام الباحثين والمتأملين في المشهد السياسي الإنساني وتداعياته المستمرة، وإن الكثير من قادة الدول الناجحين مارسوا المدرستين أو المنهجين، الاشتراكية والبراغماتية، في الوقت نفسه وحيثما تطلب الظرف؛ وهذا من صميم العمل السياسي الذي يعتمد على المراوغة، ليس من أجل اللعب أو التغالب مع الآخرين، وإنما بقصد تحقيق المكاسب وتجنب الشر أو الضرر، وهو ما يسجل للكبار حين تقرأ سيرهم بعد حين.
فالسياسي كلاعب كرة القدم، يستخدم المراوغة بغية إيصال الكرة إلى الهدف، أي تحقيق الفوز لشعبه، وليس هذا بالضرورة على حساب الآخرين أو بإيذائهم، وإن كانوا خصوماً أو مختلفين معه، وإنما بالتعاون معهم إذا لزم الأمر ووجد في ذلك مصلحة لبلاده.
لم يعد الناس يهتمون كثيراً لسير من يسمون بـ (الأبطال) الذين اقتصر دورهم على خوض الحروب وإن كانوا ينتصرون بها باستمرار، بل صار القادة الذين تمثلت بسيرهم الأفعال التي كانت وراء ارتقاء شعوبهم وتقدمها هم القدوة اليوم والمثال الذي يحتذى؛ فالحروب هي لحظة استفراغ حمولة غضب أو محاولة للسيطرة على حقوق الغير من دون وجه حق، وهذه باتت في عالم اليوم منبوذة، لأن الوصول إلى المنافع ممكن التحقق من خلال سبل سلمية وبلا كلفة بشرية ومعنوية، ومردوداتها كبيرة أيضاً وعلى كل المستويات، ومن بين هذه المردودات أن يصبح هذا السياسي صاحب سيرة حسنة عندما يقرأ الناس التاريخ!



اضف تعليق