هل نحن بحاجة إلى أقسام إعلام بالمعنى التقليدي، أم إلى أقسام للدراسات الإعلامية، أم إلى أقسام للإعلام الرقمي تجمع بين النظرية والتطبيق؟ هذا السؤال، الذي يمس جوهر التعليم الإعلامي، يشكّل محور هذه المناقشة. اذ تكمن المفارقة الكبرى؛ فالإعلام ليس معرفةً مجردة، بل فعلٌ ميداني...
لطالما ارتبط قسم الإعلام في أذهان الطلبة بلقب «إعلامي»، وكأن مجرد الالتحاق بهذا القسم يمنح صاحبه بطاقة مهنية جاهزة. غير أن الحقيقة الأكاديمية، التي يكتشفها كثيرون بعد سنوات من الدراسة، صادمة: الجامعات لا تُخرّج إعلاميين بالممارسة والصنعة، بل تُخرّج دارسين وباحثين في شؤون الإعلام وتحليل ظواهره.
هنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالإعلام ليس معرفةً مجردة، بل فعلٌ ميداني يتطلب سرعة بديهة أمام الكاميرا، وإتقاناً لصياغة الخبر تحت الضغط، ومهارةً في إدارة الحوار. ما يُقدَّم داخل الجامعات هو دراسة للظاهرة الإعلامية وتفكيكها، لا ممارسة المهنة نفسها.
في ضوء هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: هل نحن بحاجة إلى أقسام إعلام بالمعنى التقليدي، أم إلى أقسام للدراسات الإعلامية، أم إلى أقسام للإعلام الرقمي تجمع بين النظرية والتطبيق؟ هذا السؤال، الذي يمس جوهر التعليم الإعلامي، يشكّل محور هذه المناقشة.
الواقع من منظور علمي
عند الحديث عن أقسام الإعلام في الجامعات العربية، يصعب تجاهل الفجوة الواضحة بين الاسم والتوقع. فالطالب يدخل القسم وهو يتخيل نفسه بعد أربع سنوات خلف المايكروفون أو أمام الكاميرا، او صحفيا ً بارعاً، ليصطدم لاحقاً بحقيقة بسيطة لكنها قاسية: ما يُدرّس في القاعة لا يشبه ما يجري في غرفة الأخبار.
واقع أقسام الإعلام اليوم هو واقع أقسام نظرية في الغالب، تعتمد مناهج شبه ثابتة، وتعمل وفق نظم تعليمية بطيئة، في وقت يتحرك فيه الإعلام بوتيرة التكنولوجيا المتسارعة. يدرس الطالب نظريات الاتصال وتاريخ الصحافة وأشكال الخبر التقليدية، بينما يُدار الإعلام المعاصر عبر الخوارزميات، والمنصات الرقمية، وسرعة القرار.
هذا الواقع لا يقتصر على جامعة بعينها، بل يكاد يكون سمة عامة في العالم العربي. أقسام الإعلام موجودة عدداً، لكنها محدودة الأثر في سوق العمل. والدليل العملي واضح: عند دخول معظم محطات الإذاعة والتلفزيون أو الصحف الورقية والإلكترونية، نلاحظ أن عدد خريجي أقسام الإعلام بين العاملين قليل بشكل لافت. فالصحفي السياسي غالباً خريج علوم سياسية، والمذيع جاء من خلفية لغوية أو أدبية، والمحرر الاقتصادي خريج اقتصاد، فيما يعمل خريج الإعلام، في حالات كثيرة، خارج المجال أو في أدوار هامشية.
يمكن توصيف واقع أقسام الإعلام عربياً بثلاث سمات رئيسية:
أولاً: جمود المناهج: لا تزال كثير من الكليات تدرّس النظريات الكلاسيكية ذاتها دون تحديث منهجي جاد، في حين انتقلت البيئة الإعلامية إلى فضاءات المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي. يدرس الطالب الصحافة الورقية بمعلومات قديمة، بينما يُدار الواقع عبر الإعلام الرقمي المتسارع.
ثانياً: الفصل بين النظرية والممارسة: المقررات التطبيقية غالباً شكلية، تفتقر إلى بنية تحتية حقيقية مثل غرف أخبار جامعية أو استوديوهات فاعلة أو شراكات مهنية جادة. والنتيجة خريج يمتلك معرفة وصفية بالإعلام، لكنه غير قادر على ممارسة المهنة دون إعادة تأهيل.
ثالثاً: غياب الرؤية الوظيفية للتخصص: لا تمتلك معظم الأقسام تصوراً واضحاً لهوية الخريج: هل هو صحفي؟ باحث؟ محلل؟ هذا الغموض ينعكس على الطالب الذي يتخرج بلا هوية مهنية أو معرفية محددة.
الحل لا يكمن في إلغاء الأقسام، بل في تحريرها من الوهم المهني. فإعادة تسميتها إلى «دراسات إعلامية» ليست مسألة شكلية، بل تحول فلسفي يعيد تعريف الهدف من التخصص: الانتقال من تعليم «كيف ننتج الخبر» إلى فهم «كيف يعمل الخبر داخل المجتمع»، والتركيز على التحليل النقدي بدلاً من التدريب التقني المؤقت، وفتح التخصص على العلوم الإنسانية والاجتماعية.
لماذا لا يعمل معظم الصحفيين من خريجي الإعلام؟
إذا تأملنا غرف أخبار الصحف العربية الكبرى، أو استوديوهات الإذاعات والقنوات الإخبارية، سنلاحظ حقيقة لافتة: عدد خريجي أقسام الإعلام بين العاملين محدود. في مؤسسات كبرى، عربية ودولية، نجد الصحفي السياسي خريج علوم سياسية، والاقتصادي خريج اقتصاد، والاستقصائي خريج تاريخ أو قانون، فيما يحضر خريج الإعلام كاستثناء لا كقاعدة.
هذه الظاهرة لا تنتقص من قيمة أقسام الإعلام، بل تكشف طبيعة الإشكالية. فالجامعة، في جوهرها، ليست بديلاً عن غرفة الأخبار، بل فضاءً لفهم الظاهرة الإعلامية وتحليلها.
في أقسام الإعلام، يغرق الطالب في نظريات مثل «ترتيب الأولويات» و«حارس البوابة»، فيتعلم كيف تُصاغ الأجندة العامة وكيف تمر الرسائل عبر فلاتر السلطة والمؤسسة. هذه المعرفة تمنحه وعياً نقدياً عالياً، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على تحرير خبر عاجل تحت ضغط الوقت.
هنا يتجلى الفرق الجوهري: الدراسات الإعلامية تسأل: لماذا يؤثر هذا المحتوى؟ وكيف يُشكّل الوعي؟
أما الممارسة الإعلامية فتسأل: ماذا سننشر الآن؟ وكيف نصل إلى الجمهور بأسرع وأدق طريقة؟
فجوة القاعة والواقع
تكمن المشكلة في بطء المناهج الأكاديمية مقابل حيوية الإعلام ككيان حي يتنفس التكنولوجيا. لا يزال بعض الطلاب يدرسون تاريخ الصحافة الورقية وفق أساليب تقليدية، في وقت أصبح فيه العالم يعتمد على صحافة البيانات، والتحقق الرقمي، والتحليل باستخدام الذكاء الاصطناعي، وإنتاج محتوى متعدد الوسائط.
هذه الفجوة تتجلى عمليًا في مواقف يومية: فالمحاضرات تركز على نظريات الاتصال، وتاريخ الصحافة، ومبادئ التحرير التقليدي، بينما يحتاج الطلاب اليوم إلى تعلم أدوات تحليل البيانات، منصات النشر الرقمية، إدارة الحملات، والتفاعل مع جمهور متعدد الوسائط. حتى المشاريع العملية غالبًا ما تكون مجرد محاكاة، لا تجربة حقيقية للتعامل مع جمهور أو تحليل نتائج المحتوى، مما يجعل المهارات المكتسبة أقل ملاءمة لسوق العمل الرقمي.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن أقسام الإعلام بلا قيمة. على العكس، فإن تسمية «الدراسات الإعلامية» تمنح التخصص مكانته الفكرية والثقافية. المهمة ليست تعليم الطالب فقط كيفية الضغط على زر الكاميرا أو تحرير نص رقمي، بل تعليمه معنى الوقوف خلف الكاميرا، فهم سيكولوجية الجمهور، أخلاقيات المهنة، وعلاقة السلطة بالمعلومة.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى بعض التجارب الناجحة كنموذج: في جامعات مثل جامعة كولومبيا الأمريكية أو نورثويسترن، يُدمج التعليم النظري مع مشاريع حية تُنشر على منصات رقمية حقيقية، وتحلل نتائجها، ويشارك الطلاب في جلسات تقييم نقدي. هذا الدمج بين النظرية والممارسة يخلق فارقًا كبيرًا بين مجرد حفظ المعلومات وبين اكتساب القدرة على اتخاذ القرارات الإعلامية في الواقع.
باختصار، الأقسام الجامعية لا تزال ضرورية لصناعة مثقف إعلامي قادر على فهم الديناميكيات الاجتماعية والسياسية، لكن نجاحها يعتمد على ربط المناهج بالنماذج العملية الحديثة والتكنولوجيا الرقمية، بحيث تتحول القاعة الجامعية من سرد تاريخي إلى منصة تجهيز حقيقية للمستقبل الإعلامي.
الشهادة والموهبة
الكليات تمنح الأدوات والمعايير، لكنها لا تمنح الموهبة ولا الخبرة. الصحفي المهني لا يُولد في القاعة، بل يُصقل في الميدان. وحتى أولئك الذين تخرّجوا من أقسام الإعلام ثم لمعوا، لم تصنعهم الأقسام بقدر ما صنعتهم الموهبة والإرادة والاحتكاك المبكر بالواقع.
في العراق، على سبيل المثال، لا تتجاوز نسبة خريجي الإعلام بين الأسماء الإعلامية البارزة خمسة بالمائة، بينما جاء معظم المشهورين من اختصاصات أخرى. وهي ظاهرة تنسحب على مصر ولبنان وسائر العالم العربي.
تاريخ الصحافة، عربياً وعالمياً، يقدّم شواهد واضحة على أن هذه المهنة لم تكن يوماً ابنة القاعات الدراسية بقدر ما كانت نتاج الموهبة والممارسة. فمحمد حسنين هيكل، أحد أعمدة الصحافة العربية في القرن العشرين، لم يدرس الإعلام أكاديمياً، بل صاغ تجربته المهنية عبر الاحتكاك المباشر بالحدث وصناعة الخبر من قلب السياسة والتاريخ.
وفي الصحافة العالمية، يبرز اسم سيمور هيرش، أحد أهم الصحفيين الاستقصائيين في العصر الحديث، والذي كشف جرائم حرب فيتنام وزلزل المؤسسة العسكرية الأميركية، وهو خريج تاريخ لا إعلام. أما بوب وودوارد، الذي ارتبط اسمه بفضيحة ووترغيت وأسهم في إسقاط رئيس أميركي، فقد جاء من خلفية أدبية وتاريخية صقلت قدرته على السرد والتحقيق والتحليل العميق.
ويمكن إضافة أسماء أخرى لا تقل ثقلاً: الصحفي الإيطالي أوريانا فالاتشي درست الطب قبل أن تصبح واحدة من أشهر محاوري زعماء العالم، والصحفي البريطاني روبرت فيسك، أحد أبرز مراسلي الحروب في الشرق الأوسط، درس الأدب الإنجليزي والعلوم السياسية. عربياً أيضاً، دخل كثير من كبار الصحفيين بلا شهادات إعلام، لكنهم امتلكوا الحسّ النقدي والثقافة الواسعة والشجاعة المهنية.
هذه الأمثلة لا تنتقص من قيمة الدراسة الأكاديمية، بل تضعها في سياقها الصحيح؛ فهي تؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن الصحافة لا تُورَّث عبر المناهج ولا تُمنح بالشهادات، بل تُكتسب عبر الميدان، حيث تُختبر الموهبة، وتُصقل الخبرة، ويُصنع الصحفي الحقيقي في مواجهة الواقع لا في ظلّه.
تخصيص مهني
من أقسام إعلام إلى دراسات إعلامية
المشكلة ليست في الإعلام كعلم، بل في تسويقه كتخصص مهني مباشر. تسمية «أقسام إعلام» توحي بالمعهد الحرفي، بينما «الدراسات الإعلامية» تنقل الطالب إلى موقع المحلل والمفكر.
وهنا تبدو بعض التجارب أكثر واقعية ونضجاً، حين اتجهت إلى تأسيس أقسام للدراسات الإعلامية والاجتماعية في مستوى الدراسات العليا فقط، كما في تجربة معهد العلمين للدراسات العليا في النجف، الذي ركّز على إعداد باحثين لا ممارسين.
تعميم هذا النموذج قد يشكل مخرجًا علميًا من أزمة أقسام الإعلام التقليدية، ويعيد توزيع الأدوار بوضوح: الجامعة تنتج المعرفة، والميدان يصنع المهارة.
فالواقع أن النموذج التقليدي ما زال عالقًا في نصوص مطبوعة وطرق تقييم جامدة، بينما تتسارع الأحداث في الميدان الرقمي، حيث تتشابك الأخبار، وتنتشر المنصات، ويتحوّل الجمهور من متلقٍ سلبي إلى مشارك فعال. وهنا تظهر الحاجة إلى إعادة التفكير في الهيكل الأكاديمي، بحيث لا يكون مجرد واجهة تكنولوجية، بل منصة حقيقية لتطوير المهارات والمعرفة في آن واحد.
في الجزء الثاني، سنتناول أوضاع أقسام الإعلام الرقمي ونتقصّى جدوى تعميم هذا النموذج الجديد. سنحاول الإجابة عن أهم الأسئلة التي تشغل بال المهتمين: هل هذا التحوّل مجرد تعديل شكلي يزين القديم بواجهة عصرية، أم ضرورة حقيقية لمواكبة تحديات العصر الرقمي؟ هل نحن أمام تحول بنيوي في فلسفة التعليم الإعلامي، أم مجرد إعادة تسمية تغطي خللاً عميقًا لم يُعالَج بعد؟ وهل الرقمنة حل جذري للأزمة، أم مجرد مسكن مؤقت لتجميل واقع متداعٍ؟



اضف تعليق