إن هذه المتغيرات الماثلة لن يكون من السهل التعامل معها بمنطق العداء والولاء، أو الحب والكره. فسواء نجحت الجمهورية الإسلامية في عبور هذه المرحلة أم تعثرت عندها، فإن الإقليم بأسره سيكون أمام زلازل سياسية وأمنية ستعيد رسم المشهد الإقليمي وتؤثر بعمق في توازناته...

يختلف المراقبون في تصنيف درجة خطورة الاحتجاجات الجارية في إيران بين من يراها مقدمة لتغييرات عميقة واضطرارية في بنية السلطة والسياسة والأمن والأيديولوجيا، وبين من يراها غير ذات تهديد جوهري لبنية النظام، وقابلة للاحتواء والعبور، كما استطاع النظام الإيراني تجاوز هزات سياسية وأمنية مماثلة على مدى العقود الأربعة الماضية.

هذا التباين في تقدير المخاطر، وما يرافقه أحيانًا من سوء حساب في قراءة أحداث كبرى كهذه، ينبع أساسًا من زاوية النظر إلى ما يمكن تسميته بـ«اللحظة الزمنية الفارقة» التي تمر بها إيران. فوفق قراءة أولى، يمكن القول إن هذه الاحتجاجات لا تمثل انقلابًا جذريًا على الوعي السياسي للطبقات الاجتماعية الذي حكم علاقة النظام بالجمهور الإيراني طوال السنوات الماضية؛ أي أنها لا تمس أسس النظام ولا بنيته الأيديولوجية، ولا تعبّر عن قطيعة نهائية بين المجتمع والسلطة.

ويستند أنصار هذه القراءة إلى شواهد حديثة، أبرزها ما حدث قبل ستة أشهر حين توحّد الإيرانيون، بمختلف اتجاهاتهم، في مواجهة العدوان الإسرائيلي-الأميركي خلال ما عُرف بـ«حرب الأيام الاثني عشر»، حيث طغت نبرة الوحدة الوطنية والشعور القومي-الديني على الخلافات السياسية الداخلية. وقد باتت هذه الرؤية تُطرح داخل إيران وخارجها بوصفها رسائل تطمين، أو حتى نوعًا من العزاء الذاتي، وتفسيرًا رغبويًا لما يجري.وفق هذا المنظور، يسهل التسليم بأن الاحتجاجات الحالية ليست سوى انفعالات ظرفية، ممتزجة بتحريض خارجي، واستجابة محدودة لحرب ناعمة تشنها قوى معادية بهدف النيل من صلابة النظام وهز صورته داخليًا وخارجيًا. 

ويُعزَّز هذا الطرح بالقول إن الاحتجاجات ما تزال محصورة في تجمعات صغيرة، رغم التركيز الإعلامي المكثف عليها، وأنها ذات طابع مطلبي مرتبط بتدهور مستويات المعيشة، وتقلبات سعر الصرف، وانهيار العملة الوطنية. وهي سياقات اعتاد عليها الإيرانيون، وسبق أن تجلت في موجات احتجاجية مماثلة، كما حصل عام 2022 في احتجاجات «المرأة، الحياة، الحرية» بعد وفاة الشابة الكردية مهسا أميني، أو في احتجاجات عام 2019 على رفع أسعار البنزين، أو حتى في ما عُرف بـ«الثورة الخضراء» عام 2009 عقب الانتخابات الرئاسية، التي جاءت بمحمود أحمدي نجاد لولاية ثانية وأقصت مير حسين موسوي.

في المقابل، تذهب القراءة الثانية إلى أن الأمور أبعد من هذا التبسيط، وتستند في تفسيرها إلى متغيرات كبرى شهدتها إيران والمنطقة خلال السنوات الأخيرة، وانعكست بعمق على طريقة تعاطي الإيرانيين – ولا سيما خارج الكتلة الصلبة للنظام – مع الدولة ومشروعها السياسي.

هذه القراءة ترى أن الأزمة في إيران لم تعد أزمة سياسات عامة، أو سوء إدارة للعقوبات الأميركية والدولية، أو تراجع في القدرة على إدارة التحديات الاقتصادية والأمنية والعسكرية فحسب، بل باتت أزمة تضرب الجذور العميقة للنظام: عقيدته الثورية وأيديولوجيته السياسية وحساباته الأمنية ونمط إدارته لعلاقاته الدولية، وما ترتب على ذلك من انعكاسات مباشرة على هوية الجمهورية الإسلامية وأمنها واقتصادها، بعد سبعة وأربعين عامًا على تأسيس نظام ولاية الفقيه.

الأزمة الراهنة، وفق هذا الفهم، هي أزمة تحولات كبرى أصابت صميم الوعي الإيراني، وفرضت حتميات جديدة لم تعد تتيح خيارات مفتوحة. فالخيارات تتقلص بين مراجعة جذرية للسياسات بما تعنيه من اعتراف بالإخفاق وكلفة سياسية عالية، وبين المضي قدمًا في المشروع القائم ومكابرة حركة التاريخ، بما يحمله ذلك من كلف أشد خطورة. 

وبالتالي، لم تعد المسألة اختيارًا بين العزة والاستقلال من جهة، والاستجابة للضغوط الخارجية من جهة أخرى، بل باتت تتعلق بكيفية استعادة الثقة السياسية والاجتماعية، وإقناع أغلبية الإيرانيين بجدوى تحمّل كلفة المنهج الذي انتهجه النظام طوال العقود الماضية.من هنا، لا يمكن قراءة دعوات رؤساء وشخصيات بارزة مثل حسن روحاني، ومحمد خاتمي، ومهدي كروبي، ومحمد جواد ظريف، إلى تغيير «البرادايم» الحاكم، بوصفها مجرد مناورة في إطار الصراع التقليدي بين التيار الإصلاحي والتيار الأصولي المتمسك بالبرادايم القديم. فالقضية تجاوزت ثنائية المبدئي والبراغماتي، أو الإسلامية والتغريب، لتتحول إلى سؤال وجودي يتعلق بمستقبل النظام ذاته، والوحدة الوطنية، والأمن القومي، ورؤية إيران الواقعية لموقعها الجيوسياسي المليء بالمخاطر.

في مقابل هذه الرؤية، تقف مقاربة أيديولوجية منغلقة لا تزال متمسكة بمعادلة القوة والتعبئة الأيديولوجية في الداخل والخارج، ورافضة لأي تراجع تحت ضغط الخارج، مع إهمال واضح للتحولات النفسية والشعورية والسياسية لدى غالبية إيرانية لم تعد تشعر بارتباط حقيقي بقيم الثورة أو بخطابها الديني التقليدي.مكمن الخطورة يكمن في القفز فوق هذه المعطيات، والاستمرار في السردية الأيديولوجية ذاتها مع تعديلات شكلية تربط بين الشعار الإسلامي والأمن القومي، لا سيما بعد الضربات القاسية التي تعرضت لها إيران في سياق تداعيات مغامرة «حماس» في السابع من تشرين الأول 2023.

لقد كشفت أحداث العامين الماضيين عن هشاشة بنيوية في المشروع الإيراني، أنتجها البرادايم، الذي تمسكت به طهران وجعلته محور تفكيرها واستراتيجيتها في الداخل والخارج. وما تشهده إيران اليوم من مضاعفات واحتجاجات هو تعبير صريح عن مطالبة بالتغيير لصالح فئات اجتماعية هشة باتت تمثل أغلبية سياسية واقتصادية، ولم تعد قادرة على تحمّل كلفة برادايم تحوّل، عمليًا، إلى أيديولوجية أقلية سياسية صاحبة مصلحة في استمراره ورفض تعديله.

وعندما يدعو الرئيس مسعود بزشكيان إلى التعاطي السلمي مع الاحتجاجات، وإلى تصحيح الأخطاء والاعتراف بأن جذور الأزمة داخلية قبل أن تكون خارجية، وعندما ينتقد مراكز قوى تعيق الإصلاح، ويترافق ذلك مع آراء خبراء تطالب بإعادة تعريف مفاهيم الهوية والأمن القومي والجمهورية، وحدود اشتغال الدين في السياسة، والعلاقة مع الخارج، بعد سبعة وأربعين عامًا من مخاض سياسي طويل انتهى بخسائر جسيمة رغم ما تحقق من نجاحات، فإن كل ذلك يشير إلى أن إيران مقبلة على متغيرات كبرى ومخاطر اخطر لخصها عالم الاجتماع والمسؤول الامني والوزير والمستشار الحالي الدكتور علي ربيعي المشهور بـ (عباد)، فمن دون حذر شديد قال ربيعي: ان هذه الاحتجاجات خطيرة لانها مزيج من احتجاجات فقراء واصحاب مهن صغيرة مع برنامج يهدف إلى أسقاط النظام !.

إن هذه المتغيرات الماثلة لن يكون من السهل التعامل معها بمنطق العداء والولاء، أو الحب والكره. فسواء نجحت الجمهورية الإسلامية في عبور هذه المرحلة أم تعثرت عندها، فإن الإقليم بأسره سيكون أمام زلازل سياسية وأمنية ستعيد رسم المشهد الإقليمي وتؤثر بعمق في توازناته .

اضف تعليق