هل تستطيع إيران تحمّل حرب طويلة، وحصار بحري، ومنع تصدير النفط، في ظل انهيار العملة، وتضخم يقترب من 43 بالمئة ويتصاعد يومًا بعد آخر؟، قد يُقال إن الحرب المفروضة لا تترك خيارات، وإن سبيل المضطر هو التحمل والصبر. لكن من المرجح أيضًا أن تتفجر أسئلة من نوع آخر...
بهامش ضيّق للمناورة، وفي وقت يضيق بسرعة قبل اندلاع مواجهة مفتوحة، تقترب الخصومة بين إيران والولايات المتحدة من لحظة الحسم بالخيار الأسوأ: خيار الحرب. فالولايات المتحدة، التي حشدت أكبر أساطيلها البحرية والجوية في المنطقة، تبدو اليوم أكثر استعدادًا من أي وقت مضى منذ ستة وأربعين عاما للذهاب إلى الخيار العسكري، بعد أن استنفدت – أو قررت استنفاد – ما تبقى من مسارات أكثر مرونة.
لم يعد الأمر يقتصر على التلويح بالقوة أو إدارة الضغط، بل باتت واشنطن مقتنعة بأن المرحلة الأخيرة من الصراع التصادمي قد تم تجاوزها باتجاه الأعمال العسكرية المباشرة، وكان الهجوم الجوي الذي استهدف موقع تخصيب اليورانيوم في فردو بمثابة التمرين العملي الذي دشّن هذه السياسة الجديدة.
في المقابل، تجد إيران – المنهكة بالعقوبات، والمستنزفة اقتصاديًا، والتي فقدت الكثير من أدوات الهجوم والردع ضمن سياسة «الدفاع المتقدم» – نفسها مضطرة للاستعداد لأسوأ السيناريوهات.
لقد تآكلت أدوات الردع، وانكشفت الجبهة الداخلية على نحو غير مسبوق، وتراجعت قدرة طهران على ممارسة «الصبر الاستراتيجي»، بما شجّع خصومها على استهدافها عسكريًا، وتهديد قيادتها، بل والتصريح العلني بقرب نهاية نظامها السياسي.
في إفادته أمام الكونغرس، كرّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن «النظام الإيراني في أضعف حالاته»، ناقلًا عن الأجهزة الاستخبارية قناعة الإدارة الأميركية بأن الجمهورية الإسلامية باتت عاجزة عن معالجة أزماتها الاقتصادية واحتواء موجات الاحتجاج الشعبي.
هذا الخطاب لم يعد توصيفًا إعلاميًا، بل أصبح جزءًا من البيئة التبريرية لأي عمل عسكري محتمل.
بين قناعة متزايدة داخل طهران بأن الهجوم الأميركي بات وشيكًا، وبين ضرورات تفادي الحرب وتجريد واشنطن وتل أبيب من الذرائع التي قد تُستخدم لتدمير إيران وتمزيق تماسكها الوطني، يبرز السؤال المركزي:
ما خيارات إيران في مواجهة الوضع الجديد الذي تشكّل منذ صيف 2025؟ وكيف يمكنها الرد على أخطر تهديد وجودي منذ قيام الجمهورية الاسلامية؟.
من متابعة مكثفة لتصريحات المسؤولين الإيرانيين، وما يدور من نقاشات وتحذيرات في الصحافة والمنصات ووسائل الإعلام داخل إيران، تبدو الخيارات محدودة للغاية، فلم يعد لدى الدبلوماسية الإيرانية ما تقوله لشركائها سوى تكرار المبادئ الأساسية المعروفة: الاستعداد للتفاوض، السعي للحلول الدبلوماسية، مع عدم التفريط بالحقوق والسيادة والكرامة، وفق ثلاثية المرشد: العزّة، المصلحة، الحكمة.
وزير الخارجية عباس عراقچي – الذي يبدو وقد خسر كثيرًا من أوراق القوة، في ظل الاحتجاجات والأحداث الداخلية الأخيرة – ما زال يصر على التمسك بالخيار الدبلوماسي، ويوجّه رسائل شبه يومية علّها تفتح نافذة أمل في جدار الانسداد.
عراقچي طرق أبواب العواصم الإقليمية عبر قنوات دبلوماسية سرّية لمنع الانزلاق إلى الحرب؛ فسلطنة عُمان والسعودية وتركيا وقطر ودول أخرى، بذلت جهودًا كبيرة لإقناع الرئيس الأميركي بعدم اللجوء إلى الخيار العسكري وإعطاء فرصة للحلول السياسية الممكنة. لكن إيران، في المقابل، خسرت الموقف الأوروبي.
أوروبا بدت موحّدة في دعمها لواشنطن، وضاغطة بشدة على طهران، ما دفع عراقچي إلى القول صراحة إن "أوروبا تصب الزيت على النار، فيما تحاول دول أخرى إطفاءها".
وقد تجسّد ذلك في الإجماع الأوروبي على تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وتشديد العقوبات بإضافة حزم جديدة، ورفع مستوى الخطاب العدائي تجاه طهران، على نحو غير مسبوق منذ عام 1979.
الأكثر غرابة أن المستشار الألماني فريدريك ميرتس واصل تكرار مقولة قرب سقوط النظام الإيراني خلال أسابيع، فيما لم يجد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني ما يرد به سوى التحذير من أن طهران ستعتبر الجيوش الأوروبية منظمات إرهابية ردًا على هذا التصنيف.
ومع غياب موقف داعم من حلفاء إيران التقليديين، ولا سيما روسيا والصين اللتين مارستا – بتعبير الصحافة الإيرانية – دبلوماسية باردة جدًا، لم يتبقَّ لطهران سوى جمهور الفصائل المسلحة ووحدات «محور المقاومة» المتراجع عسكريًا.
هذا الجمهور أعلن، على ألسنة متحدثيه، استعداده للقتال حتى الاستشهاد إذا ما هاجمت الولايات المتحدة إيران مجددًا، باعتبار أن الحرب هذه المرة ستكون حرب وجود وبقاء، وأن الدفاع عن النظام الإسلامي واجب أخلاقي وشرعي، بوصفها مواجهة بين الإيمان والكفر.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تستطيع حشود المتطوعين والخطاب التعبوي وحدهما منع وقوع الحرب؟. قد تمارس واشنطن سياسة حافة الهاوية لدفع إيران إلى التفاوض، وهو سيناريو محتمل لكنه بات أضعف أمام حشد عسكري يُعدّ الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية.
وقد تلجأ إلى ضربات خاطفة ومحدودة ضد أهداف منتقاة داخل إيران، غير أن هذا الخيار لن يفضي إلى تغيير سياسي حاسم، ولن يتجاوز حدود تشجيع المعارضة الداخلية على استئناف الاحتجاج، دون ضمانات لدعم مباشر، وهو ما لا يكفي لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية كما تراهن واشنطن.
أما إذا قرر ترامب المضي في هجوم واسع يستهدف قادة النظام بهدف إسقاطه، فإن خيار إيران سيكون الرد المباشر، واستهداف القواعد والمصالح الأميركية في عموم المنطقة، وتهديد العمق الإسرائيلي، كما لوّح بذلك علي شمخاني عضو مجلس الدفاع الاعلى المتفرع من مجلس الامن القومي الذي شغل امانته لسنوات قبل إبعاده عقب "حرب الأيام الاثني عشر".
إيران، التي تكاد تنعدم أمامها الخيارات، قد تجد نفسها مضطرة لدخول الحرب تحت شعار أن كلفة الحرب لن تكون أعلى من كلفة الإذعان لشروط ترامب الجديدة، التي تجاوزت الشروط السابقة بإضافة مطلب الاعتراف بإسرائيل.
لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل تستطيع إيران تحمّل حرب طويلة، وحصار بحري، ومنع تصدير النفط، في ظل انهيار العملة، وتضخم يقترب من 43 بالمئة ويتصاعد يومًا بعد آخر؟، قد يُقال إن الحرب المفروضة لا تترك خيارات، وإن سبيل المضطر هو التحمل والصبر.
لكن من المرجح أيضًا أن تتفجر أسئلة من نوع آخر، تتعلق بشرعية السياسات التي أوصلت البلاد إلى هذا النفق المسدود، وبمسؤولية الدولة في تفادي الحروب، قبل أن يصبح دفع أثمانها قدرًا لا مفرّ منه.



اضف تعليق