حين تتحول الدولة إلى غنيمة، تضيع قيم العدالة والحرية والمساواة، ويُختطف الوطن لصالح فئة قليلة. ولا سبيل إلى النهضة إلا بالخروج من أسر هذه العقلية، نحو الدولة الحضارية التي ترى في المنصب العام وسيلة لبناء الإنسان والأرض والزمن بالعلم والعمل، لا غنيمة يتوارثها الأقارب والأحزاب...
من أبرز مظاهر التخلف الحضاري في مجتمعاتنا المعاصرة بروز ما يمكن أن نسمّيه بـ الدولة الغنائمية، أي الدولة التي تتحول فيها مؤسسات الحكم والإدارة إلى غنائم تتقاسمها القوى النافذة وأسرها وأتباعها، لا إلى مؤسسات عمومية تخضع لمعايير الكفاءة والمصلحة الوطنية.
الجذور التاريخية
هذه الظاهرة ليست طارئة على تاريخنا، بل لها جذور في أنماط الحكم القديمة، سواء في وادي الرافدين أو في بلاطات الملوك في الشرق والغرب. كان المنصب يُمنح للأقارب والمقربين باعتباره امتداداً لسلطة العشيرة أو بيت الحاكم، حتى وإن كان المنصّب يفتقر إلى الكفاءة والمعرفة. وفي التراث السياسي الإسلامي أشار الكواكبي في طبائع الاستبداد إلى أن المستبد يحيط نفسه بـ “أهل بيته وحاشيته”، فيحوّل الدولة إلى ملكية خاصة، ويغلق الطريق أمام أهل الكفاءة والاختصاص.
الدولة الغنائمية في واقعنا الراهن
ما نشهده اليوم في عدد من بلداننا، ومن بينها العراق، هو استمرار لهذه الذهنية ولكن في ثوب جديد. فالمناصب العليا، مثل مناصب السفراء أو المدراء العامين، تُمنح غالباً على أساس:
• القرابة العائلية: ابن، أخ، صهر، أو قريب لزعيم أو مسؤول نافذ.
• المحسوبية الحزبية: الولاء للكتلة السياسية أو الزعيم أهم من الولاء للوطن.
• المصاهرة والروابط الاجتماعية: الزواج والقرابة أداة للوصول إلى السلطة والنفوذ.
تظهر هنا الدولة وكأنها “غنيمة حرب” تتوزع بين الفصائل، في إعادة إنتاج لعقلية الفتوحات والغنائم، لكن على حساب الوطن والشعب.
الآثار الحضارية للظاهرة
1. إقصاء الكفاءات: حين يصبح المنصب حكراً على ذوي القربى أو الموالين، يُهمّش أصحاب الكفاءة والاختصاص.
2. إضعاف الدولة: تتحول الوزارات والمؤسسات إلى حصص طائفية أو عائلية، فتفقد الدولة وحدتها وفاعليتها.
3. تعميق الفساد البنيوي: المنصب يُستعمل للثراء الشخصي ولحماية الفاسدين لا لخدمة المصلحة العامة.
4. تكريس الانقسام الاجتماعي: إذ يُشعر المواطن بأن الدولة لا تمثله بل تمثل “العوائل الحاكمة” أو “الأحزاب المسيطرة”.
5. إعاقة نشوء الدولة الحضارية: لأن الدولة الحضارية تقوم على قيم العدل والحرية والمساواة والإتقان والتضامن، بينما الدولة الغنائمية نقيض هذه القيم جميعاً.
مقاربة مقارنة
لو نظرنا إلى التجربة الديمقراطية في أثينا القديمة أو إلى بدايات النهضة الأوروبية، لوجدنا أن تجاوز الدولة الغنائمية كان شرطاً لنشوء الدولة الحديثة. فالمجتمع الذي يبقى أسير عقلية “المغنم” لا يستطيع أن يخطو نحو دولة المواطنة، حيث الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية لا امتيازاً وغنيمة.
الرؤية الإصلاحية
الخروج من أسر الدولة الغنائمية يتطلب:
ترسيخ مبدأ المواطنة بحيث تكون الحقوق والواجبات متساوية لا مرتبطة بالقرابة أو الولاء.
إصلاح المنظومة القانونية لتكريس مبدأ الكفاءة والجدارة (Meritocracy).
نشر قيم الوعي الحضاري الذي يرى الوظيفة العامة أمانة ومسؤولية لا غنيمة.
محاسبة الفاسدين والمستغلين للمنصب، وإبعاد الوظائف السيادية عن المحاصصة العائلية والحزبية.
خاتمة
إن الدولة الغنائمية ليست مجرد خلل إداري أو فساد فردي، بل هي بنية ذهنية وثقافية تعكس تخلفاً حضارياً عميقاً. ولعل أوضح تعبير قرآني يلخص خطورة هذا النمط هو قوله تعالى:
“ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون” (البقرة: 188).
فحين تتحول الدولة إلى غنيمة، تضيع قيم العدالة والحرية والمساواة، ويُختطف الوطن لصالح فئة قليلة. ولا سبيل إلى النهضة إلا بالخروج من أسر هذه العقلية، نحو الدولة الحضارية التي ترى في المنصب العام وسيلة لبناء الإنسان والأرض والزمن بالعلم والعمل، لا غنيمة يتوارثها الأقارب والأحزاب.
اضف تعليق