تلعب الذاكرة الجمعية دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الوطنية المشتركة، فهي المخزون الرمزي والثقافي الذي يستعيده أبناء الوطن بوصفه القصة الكبرى التي ينتمون إليها، وتستمد الجماعة من خلاله معنى وجودها المشترك ومسارها التاريخي الموحد، وكلما كانت الذاكرة قادرة على بناء سردية عادلة وشاملة ومُلهمة تحتضن الجميع...

تلعب الذاكرة الجمعية دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الوطنية المشتركة، فهي المخزون الرمزي والثقافي الذي يستعيده أبناء الوطن بوصفه القصة الكبرى التي ينتمون إليها، وتستمد الجماعة من خلاله معنى وجودها المشترك ومسارها التاريخي الموحد، وكلما كانت الذاكرة قادرة على بناء سردية عادلة وشاملة ومُلهمة تحتضن الجميع وتمنحهم إحساسًا بالانتماء إلى تاريخ مشترك، ازدادت قوة الرابط الوطني الذي يجمع الناس بعضهم ببعض، وتحوّلت الذاكرة من مجرد أحداث في الماضي إلى طاقة روحية وثقافية تدفع نحو المستقبل وتصوغ ملامح المشروع الوطني الجامع، وتؤسس لثقافة وطنية تتجاوز اختلافات الفئات والمناطق والانتماءات، وتجعل من التعدد رصيدًا حضاريًا لا عبئًا اجتماعيًا.

ومن الجانب المقابل، حين تتشظى الذاكرة الجمعية أو تتوزع على روايات متناقضة تتصارع فيما بينها، فإنها تفقد قدرتها على أداء دورها التوحيدي، ويتعرض المجتمع لخطر الانقسام والتباعد، ذلك أن الذاكرة المتعارضة تنتج هويات فرعية مغلقة تعيد تعريف نفسها من خلال الصراع مع «الآخر الداخلي» بدل التلاقي معه في مشروع مشترك، فتتحول الأحداث التاريخية إلى مصادر توتر، وتصبح رموز الماضي أدوات تعبئة انقسامية بدل أن تكون جسورًا للوحدة، ويغيب الشعور بالسير في الطريق نفسه، ويتراجع الولاء للمصلحة العامة لصالح مصالح ضيقة، وتتحول الدولة من إطار جامع إلى ساحة تنازع بين الذاكرات المتنافرة، ويُصاب المجتمع بحالة وهن حضاري تمنعه من بناء مستقبل مشترك.

إن الذاكرة الجمعية الموحدة ليست عملية تلقائية تنتج نفسها بنفسها، بل هي مشروع حضاري يحتاج إلى قراءة نقدية للماضي تبتعد عن التمجيد الأعمى أو الإدانة المطلقة، وتعمل على دمج التجارب المختلفة في سردية وطنية تتسم بالإنصاف والموضوعية والإنسانية، وتقوم على احترام تعددية الخبرات والانتماءات ضمن إطار وطني جامع، فالوحدة لا تعني رواية واحدة مغلقة، بل تعني ذاكرة عادلة لا تقصي أحدًا، وتستطيع أن تمنح المجتمع طمأنينة الانتماء المشترك، وتحوّل الماضي إلى رافعة حضارية لبناء المستقبل، وحين يتحقق هذا الوعي تتحول الذاكرة الجمعية إلى قوة وطنية توحيدية ترفع المجتمع من التشظي إلى الوحدة، ومن التوتر إلى التماسك، ومن الضعف إلى القدرة على صناعة مستقبل حضاري مشترك.

اضف تعليق