السؤال الذي بدأ يثار في الأوساط النخبوية العربية والإسلامية حول هذه الحوادث التي أخذت تتكرر بشكل لافت في أوروبا؛ هو هل هذه الأفعال تندرج فعلا تحت غطاء حرية التعبير أم أنها خطاب كراهية يمرر من خلال نافذة حرية التعبير؟ في البدء الجواب على هذا السؤال ينبغي أن يسبق بسؤال آخر...
بقلم: زيد نجم الدين

تابعت خلال اليومين الماضيين أحداث وتداعيات واقعة حرق القرآن الكريم من قبل مواطن سويدي (من أصل عراقي يدعى سلوان موميكا) في تظاهرة مرخصة من قبل السلطات السويدية، وكالعادة تبع هذه الواقعة موجة من ردود الأفعال الرسمية والشعبية الغاضبة والمنددة بالفعل المسيء للمسلمين حول العالم.

التحضير لهذه التظاهرة في داخل السويد لم يكن سلسا ففي بادئ الأمر رفضت الشرطة السويدية الموافقة على طلب إقامة تظاهرة للنيل من القرآن الكريم إلا أن محكمة الاستئناف السويدية كان لها رأي مخالف يقضي بأبطال قرار شرطة مالمو معتبرة أن قرار الشرطة غير دستوري ولا ينسجم مع حرية التعبير التي أقرها الدستور السويدي وهنا أصبحت السلطة التنفيذية ممثلة بالشرطة ملزمة بقبول الطلب الذي تقدم به موميكا.

لاحقا، أجرت الشرطة السويدية تحقيقا لم ينته بعد مع موميكا لإحراقه صفحات من المصحف الشريف منتهكا بذلك الحظر المفروض على الحرائق في ستوكهولم والذي دخل حيز التنفيذ في 15 يونيو/ حزيران الجاري.

السؤال الذي بدأ يثار في الأوساط النخبوية العربية والإسلامية حول هذه الحوادث التي أخذت تتكرر بشكل لافت في أوروبا؛ هو هل هذه الأفعال تندرج فعلا تحت غطاء حرية التعبير أم أنها خطاب كراهية يمرر من خلال نافذة حرية التعبير؟ في البدء الجواب على هذا السؤال ينبغي أن يسبق بسؤال آخر وهو هل حرية التعبير مطلقة وغير مقيد من الأساس أم هنالك قيودا وفلاتر تنقي حرية التعبير؟

الجواب أن حرية التعبير مقيدة وأقر ذلك بشكل واضح في المادة 20 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي نصت "تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف"، وعمليا هنالك شواهد معاصرة على تقييد حرية التعبير لاعتبارات إنسانية وأخلاقية وأمنية منها قانون معاداة السامية في الولايات المتحدة والذي يفرض ضوابط على الخطاب فيما يتعلق باليهود.

كذلك القوانين التي أقرتها فرنسا، والنمسا، وهولندا، والدنمارك وسويسرا والتي تقضي بمكافحة رهاب المثليين والتحريض ضدهم أو التحشيد ضد فكرة تقبلهم كغير مرضى نفسيين. كذلك فيما يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي فإن لجوء إدارة تويتر لتعليق حساب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل دائم عقب حادثة اقتحام الكونكورس خشية "حدوث المزيد من التحريض على العنف" يعتبر من الشواهد المعاصرة على تقييد حرية التعبير لمصلحة الحفاظ على السلم.

إذن حرية التعبير ليست مطلقة ولا بد من وجود مرشحات لتنقية الخطاب خوفا من أن ينزلق الخطاب إلى ما يثير الكراهية والأحقاد. الآن نعود للسؤال الأول: هل هذه الأفعال تندرج فعلا تحت غطاء حرية التعبير أم أنه خطاب كراهية؟ وهنا نتساءل من يفصل في ذلك؟ وما المعايير التي تشكل الحد الفاصل بين خطاب الكراهية وحرية التعبير؟

من ناحية قانونية لا يوجد تعريف شامل لخطاب الكراهية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا يزال هذا المفهوم محل نزاع واسع، لا سيما فيما يتعلق بحرية الرأي، والتعبير، وعدم التمييز، والمساواة، إلا أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نظم سلسلة من الورش والندوات في سبيل وضع معايير لتصنيف أو تمييز خطاب التحريض على الكراهية والعنصرية دون غيره، وشارك في تلك الفعاليات علماء ومختصون في مجالات الحقوق والحريات وحرية التعبير والخطاب التحريضي ونتيجة لتلك الجهود أقر ما يعرف "بخطة عمل الرباط "(نسبة إلى مدينة الرباط التي احتضنت الحدث في تشرين الأول 2012)، "خطة عمل الرباط" أقرت كأداة عملية لمكافحة التحريض على الكراهية.

وتضمنت الخطة اختبارا من ستة شروط لتمييز خطاب الكراهية واشترطت تحقق الشروط الست كلها في الحالة لتصنيف الخطاب كخطاب كراهية (يصل لمرتبة الجريمة الجنائية). الشروط الست التي أقرت هي: (1) السياق الاجتماعي والسياسي للخطاب و(2) حالة المتحدث ووضعه الاجتماعي والمركز الذي ينطلق منه الخطاب (3) النية لتحريض الجمهور ضد مجموعة مستهدفة (4) والمحتوى وشكل الخطاب (5) ومدى نشر الخطاب و(6) أرجح الضرر، بما في ذلك الوشوك المحدق.

مما أوردنا أعلاه يتضح أن هنالك أرضية ثقافية واهتماما أمميا للتمييز بين حرية التعبير وخطاب الكراهية لكن هنالك (خصوصا في الغرب) مخاوف من أن تتحول إجراءات مكافحة خطاب الكراهية إلى إجراءات تقمع حرية التعبير.

وفي العودة إلى ما حدث خلال اليوم الأول من عيد الأضحى نرى أن معظم ردود الفعل الرسمية في السويد اعتبرت الفعل أمرا غير حكيم وغير مناسب على الرغم من قانونيته (حسب تصريح رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون). الأمر الذي ينبغي أن يكون محفزا لمن يسعى إلى وضع حد لتلك الإساءات المتكررة.

ومن هنا نرى أن على الحكومات والمجموعات المنفعلة ضد ما حصل في مالمو أن تبذل جهدا سياسيا ودبلوماسيا لتفعيل خطة عمل الرباط وكذلك تفعيل المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بالإضافة إلى تنظيم ندوات وورش يلتقي فيها نخب من بلدان عربية مسلمة مع نخب من بلدان العالم المختلف وبالذات الدول الغربية لمناقشة ما قام به موميكا وغيره من تظاهرات وفعاليات وتقييم ما إذا كان الفعل يندرج فعلا في إطار حرية التعبير أم هو خطاب كراهية مقنع بحرية التعبير بغية التوصل لرؤية نخبوية مشتركة.

فواقعا لا توجد رسالة معبر عنها من خلال وضع رقائق لحم الخنزير المقدد داخل المصحف الشريف، ولا يوجد حكمة في ذلك غير توجيه إساءة غير مباشرة لمن يقدس هذا الكتاب. وعلى فرض أن موميكا يريد أن يعبر عن رأيه اتجاه القرآن وهذا أمر لا إشكال فيه، لكن هل فعلا ما قام به موميكا هو نقد موضوعي للقرآن أم تحريضا على من ينتمي لهذا الكتاب، فموميكا تحدث عن جرائم ارتكبت بحق أقليات غير مسلمة في العراق وربط ذلك بالقرآن الذي هو الكتاب المقدس عند المسلمين وبذلك أصبح كل من ينتمي لهذا الكتاب هو مجرم وعليه ما على أولئك الذين ارتكبوا المجازر بحق الأقليات وغيرهم، وهذا غير منصف وغير حقيقي بل هو تدليس وإيهام للرأي العام بل تحريض على الحقد والكراهية ما يحتم على النخب من مختلف الأديان والدول ان تتصدى لهكذا خطابات لا يجني من يستمع لها غير التعبئة بالأحقاد والضغائن.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق