المعادلات السياسية التقليدية تقوم على المصالح والمكاسب والتوازنات، بينما تقوم كربلاء على شيء آخر تماماً؛ على فكرة أن الإنسان يستطيع أن يكون عظيماً حين يمنح نفسه للآخرين... إن نموذجها يقول إن قيمة الإنسان لا تتحدد بما يملكه من سلطة، بل بما يحمله من مبدأ، وأن أعظم المواقع ليست تلك التي تجلس فيها فوق الناس، وإنما تلك التي تقف فيها بينهم...

حين يتحدث العالم عن السياسة، فإنه غالبًا ما يتحدث عن الطاولات الكبيرة، والاجتماعات المغلقة، والقرارات التي تُصاغ داخل القاعات الهادئة حيث تتقاطع المصالح وتُرسم خرائط النفوذ. وفي أحد هذه المشاهد، كان الحديث يدور حول أزمة دولية معقدة، تتطلب حضور وزير خارجية دولة مؤثرة في المنطقة. قيل إن العالم ينتظر موقفه، والأسواق تراقب كلمته، والمفاوضات لا تريد أن تبدأ من دونه.

لكن المفاجأة لم تكن في طبيعة الأزمة، بل في مكان وجود الرجل نفسه. فقد قيل إنه ليس في عاصمة سياسية، ولا في قاعة مفاوضات، ولا أمام شاشات الأخبار، بل في طريقٍ مزدحم بالملايين، يخدم زوار الإمام الحسين عليه السلام. ساد الصمت للحظة.

كيف يمكن لمسؤول يشغل موقعًا حساسًا في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا أن يترك كل ذلك، ويقف بين الناس يقدم لهم الخدمة؟ وكيف يمكن لمن اعتاد الجلوس على موائد السياسة أن يختار الوقوف على قارعة الطريق يحمل الماء أو يقدم الطعام للزائرين؟

قد يبدو السؤال سياسيًا في ظاهره، لكنه في جوهره سؤال إنساني عميق. فالقضية لا تتعلق بشخص أو بمنصب، وإنما بذلك السر الذي يجعل كربلاء قادرة على إعادة تعريف الإنسان بعيدًا عن ألقابه وهوياته الرسمية.

هناك، في الطريق إلى الحسين، تتراجع المسافات بين البشر. لا يعود المنصب معيارًا للتفاضل، ولا الثروة، ولا الشهرة. الجميع يتحركون داخل فضاء أخلاقي مختلف، حيث تصبح الخدمة قيمة بحد ذاتها، ويصبح العطاء لغة مشتركة يفهمها الجميع.

في عالم اعتاد قياس القوة بحجم النفوذ، تبدو هذه الظاهرة غريبة. فالمعادلات السياسية التقليدية تقوم على المصالح والمكاسب والتوازنات، بينما تقوم كربلاء على شيء آخر تمامًا؛ على فكرة أن الإنسان يستطيع أن يكون عظيمًا حين يمنح نفسه للآخرين.

ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي: لماذا يخدم مسؤول كبير زوار الحسين؟

السؤال الأعمق كان: ما الذي يجعل الإنسان يشعر أن خدمته للآخرين تضيف إلى قيمته أكثر مما تضيف إليه السلطة؟

في كربلاء تتغير طريقة النظر إلى الأشياء. فالإنسان لا يُسأل عمّا يملك، بل عمّا يقدم. ولا تُقاس مكانته بعدد من يعملون لديه، بل بعدد من يستطيع أن يخدمهم بإخلاص. ولهذا يتحول الطريق الحسيني إلى مدرسة أخلاقية مفتوحة، يتعلم فيها الناس معنى التواضع والإيثار والمشاركة.

وربما لهذا السبب بقيت كربلاء حاضرة في الوعي الإنساني لأكثر من أربعة عشر قرنًا. فالمعارك العسكرية تنتهي عادة بانتهاء أطرافها، والثورات السياسية تخبو مع تغير الظروف، أما كربلاء فقد تجاوزت حدود الحدث التاريخي لأنها ارتبطت بسؤال أخلاقي دائم: ماذا يفعل الإنسان عندما يواجه الاختيار بين المصلحة والمبدأ؟

لقد كان الإمام الحسين عليه السلام في جوهر نهضته يضع الإنسان أمام هذا السؤال. لم يكن يريد صناعة انتصار عسكري بقدر ما أراد صناعة وعي أخلاقي قادر على مقاومة الظلم والانحراف. ومن هنا جاءت قوة تأثيره؛ لأنه خاطب الضمير الإنساني قبل أن يخاطب الواقع السياسي.

ولهذا فإن الملايين الذين يسيرون نحوه كل عام لا يسيرون باتجاه الماضي فقط، بل باتجاه منظومة قيم ما زالت قادرة على منح المعنى للحاضر. إنهم يبحثون عن نموذج مختلف للعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وعن مساحة يشعرون فيها أن الرحمة ما زالت قادرة على جمع الناس رغم كل الانقسامات.

وفي هذا المشهد تتجلى واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتأمل. فالعالم المعاصر يمتلك قدرات هائلة في التكنولوجيا والاقتصاد والاتصال، لكنه يعاني في الوقت نفسه من أزمات عميقة في الثقة والتضامن والمعنى. وبينما تنشغل الدول بتأمين مصالحها، يبحث الأفراد عن شيء يمنح لحياتهم قيمة تتجاوز الحسابات اليومية.

هنا بالضبط يظهر دور كربلاء بوصفها تجربة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء. فهي لا تقدم مشروعًا سياسيًا ضيقًا، وإنما تطرح رؤية أخلاقية تجعل الإنسان محور الاهتمام. ولذلك يشعر كثيرون، حتى من خارج الدائرة الدينية، أن في هذه التجربة شيئًا يستحق التأمل.

فالطريق إلى الحسين ليس مجرد حركة بشرية ضخمة، بل إعلان متكرر بأن القيم ما زالت قادرة على تحريك الناس أكثر من المصالح أحيانًا. وأن الإنسان، مهما انشغل بحسابات الحياة، يبقى بحاجة إلى معنى يربطه بالآخرين.

ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذا المشهد أن الخدمة فيه ليست واجبًا رسميًا ولا وظيفة مدفوعة الأجر. إنها فعل طوعي خالص، يقدمه الناس بدافع المحبة والإيمان بقيمة العطاء. ومن هنا تأتي قوته الرمزية؛ لأنه يكشف أن الخير ما زال قادرًا على إنتاج نفسه خارج منظومات الإلزام والقانون.

وعندما يتأمل المرء هذا المشهد، يدرك أن السؤال الذي بدأ في قاعة سياسية مغلقة لم يكن سؤالًا عن شخص أو حدث عابر. لقد كان سؤالًا عن سرٍّ أكبر: كيف استطاع الحسين أن يبقى حيًا في وجدان الناس كل هذا الزمن؟

ربما لأن الحسين عليه السلام لم يترك للبشرية قصة مأساة فقط، وإنما ترك لها نموذجًا أخلاقيًا متجددًا. نموذجًا يقول إن قيمة الإنسان لا تتحدد بما يملكه من سلطة، بل بما يحمله من مبدأ. وأن أعظم المواقع ليست تلك التي تجلس فيها فوق الناس، وإنما تلك التي تقف فيها بينهم.

ولهذا، كلما حاول العالم أن يفهم كربلاء من زاوية السياسة وحدها، وجد نفسه مضطرًا للعودة إلى الإنسان. فهناك، عند باب الحسين، تتراجع ضوضاء المصالح قليلًا، ويعلو صوت آخر أكثر هدوءًا وعمقًا.

صوت يقول إن القوة الحقيقية ليست في القدرة على السيطرة، وإنما في القدرة على الخدمة.

وأن الإنسان قد يملك منصبًا كبيرًا، لكنه يكتشف في لحظة صادقة أن أعظم الألقاب جميعًا هو أن يكون خادمًا للإنسان.

اضف تعليق