إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا

رسول الله، صلى الله عليه وآله

لكل شيء قلب في هذه الحياة، أليس كذلك؟

يبدو أنها حقيقة علمية، وكونية، كما هي حقيقة دينية؛ ففي النبات، الطَلع والورد، وحتى داخل الثمرة نجد النواة، وفي الكون؛ نجد الشمس قلب المنظومة الشمسية، تدور حولها الكواكب، وفي القرآن الكريم؛ لدينا سورة يس التي وصفها الامام الصادق بأنها قلب القرآن الكريم.

ويمكننا التوسع قليلاً لنشير الى ما صنعه الانسان بنفسه من آلات وأجهزة تفيده لحياته اليومية، فان لها قلوباً ايضاً، نراه يحرص كل الحرص على المحافظة على سلامتها من العطب، وإن حصل، يُسرع لاستبدالها، مثل؛ بطارية الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، ومحركات السيارات والطائرات والقطارات، وسائر الاجهزة الالكترونية.

صحيح إن لكلمة القلب في هذه الاشياء مفهوم مادي، في مقابل القلب عند الانسان، ودلالته في الجانبين: المادي والمعنوي، فهو العضو الحيوي والمحوري، ودوره في ضخ الدم الى جميع أنحاء الجسم، الى جانب دلالته المعنوية بوجود المشاعر والعواطف.

هنا السؤال: كيف أصبح للشعائر الحسينية، او ذكر مصاب الامام الحسين، قلب، وهو حدث تاريخي من الناحية الظاهرية؟

البكاء يربط بين العقل والعاطفة

نعم؛ إنه حدث تاريخي وقع في زمان ومكان محددين، بيد أنه ليس كأيّ حدث، ولا كأيّ معركة، ولا كأي عملية قتل جماعي في التاريخ شهد العالم مثلها الكثير، إنها قضية وفكرة ورسالة تستمد قوتها من الرسالة السماوية، فالمعركة كانت بين كل مفاهيم وقيم الحق، ضد كل قيم الباطل، وهذا ما ينبهنا اليه الامام الصادق في زيارتنا بأن الامام الحسين هو "وارث آدم"، فاذا طالب البعض أن يكون خطاب المنبر الحسيني فكرياً ويطرح نظريات للتغيير والإصلاح ومقارعة الحكام الظلمة في ضوء حركة الامام الحسين، وما أعلنه من اهداف لمعارضته حكم يزيد، فهذا يعني أننا نخاطب العقول، وربما يتقبل الناس الكلام على أنه فكرة من جملة أفكار ونظريات كثيرة سمعوا بها، ثم يقارنوها بسائر الافكار الاخرى، يعني؛ أن تكون لدينا "ايديولوجيا حسينية" الى جانب الايديولوجيات الاخرى في العالم!

ولأن لعاشوراء أبعاد فلسفية وفكرية وعقدية، كان لابد من استحضار المشاهد المأساوية المواكبة لحركة الإمام الحسين، وفي مقدمتها؛ العطش، وقّلة الناصر، ثم استحضار المقاتل المريعة مثل؛ مقتل الطفل الرضيع، وما جرى على الامام الحسين نفسه، وأبي الفضل العباس، وسائر ابناء واصحاب الامام، ثمّ ما حصل بعد انتهاء المعركة من أفعال اجرامية تهزّ الضمير الانساني.

إن الدموع السخينة في المجالس الحسينية وفي كل زمان ومكان على مصاب الامام الحسين، تمثل باباً واسعة لفهم واستيعاب اهداف حركة الامام، ولماذا حصل كل ذلك؟ وهل كان بالامكان تجنبه؟

إنه سؤال ضمن اسئلة عديدة يطرحها ابناء الجيل الجديد، ممن انفتحوا على افكار جديدة تدعو الى البدائل واختيار أفضل الطرق في الحياة وأكثرها توفيراً للسلامة.

كل الشواهد والادلة المبحوثة في النهضة الحسينية تؤكد أن كل ما جرى في كربلاء لم يكن بالامكان تجنبه بأي حال من الاحوال، فقد وفّرت الخيانة، والخذلان، والجُبن، والتضليل، والقسوة، الاجواء لوقوع المأساة المريعة، فكيف يمكن التحذير من مغبة تكرار هذه الثغرات النفسية الخطيرة في كيان المجتمع والامة على مر التاريخ، من دون تسليط الضوء على تلك المشاهد المأساوية، وتلك الافعال الاجرامية التي جاءت ردّاً من جيش الأموي (أهل الكوفة) على نداءات الامام الحسين بالنصرة، وتحذيره من عواقب ما يقدمون عليه.

في كتابه؛ شعائر عاشوراء، يأتي سماحة السيد جعفر الشيرازي –نجل الإمام الشيرازي الراحل- بمثال حول آلية التأثر بالمسائل الانسانية، فربما يسمع شخص ما بأسرة تفقد المأوى وتعيش في قارعة الطريق، فانه سيتألم ، "ولكن لا يؤثر سمعه في ضميره تأثيراً عميقاً بحيث يدفعه ذلك الى أن يقوم بعمل مّا او يساهم في حل هذه المشكلة، في حين لو ذهب بنفسه ورأي ما يجري بعينه، ولمس معاناة تلك الأسرة، وأدرك حيرتهم ووضعهم، لاستيقظ ضميره، ولأدّت به عواطفه وأحاسيسه الى مساعدة تلك الأسرة، لذا لو امتزجت هذه التعاليم والاهداف السامية بقوة العاطفة والاحاسس لكان ميزان درك العقل واستيعابه اكثر بدرجات، اذ لم يعد العقل يقبلها فحسب، بل يعتقد ويؤمن بها ويلتزم ويتعهد بالتمسك بها".

وهذا يفسّر سبب تأكيد الروايات الواردة عن النبي الأكرم وعن الأئمة المعصومين بالبكاء على الامام الحسين وعلى مصابه يوم عاشوراء، وما للدمعة الواحدة من آثار عميقة في نفس صاحبها، وعلى المحيطين، وعلى المجتمع بأكمله.

بل إن الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي، الذي نذر نفسه لإحياء النهضة الحسينية في النفوس في ستينات القرن الماضي، يدعو في كتابه: "الشعائر الحسينية" الى التباكي، اذا تعذر البكاء وذرف الدموع، ويصف هذا العمل أنه "تحيّز الى جانب المظلوم والتظاهر ضد الظالم، وإن لم يتجاوب عملياً، فيعتبر في طريق التجاوب"، وقد أورد في هذا الكتاب القيّم جملة من الروايات الشريفة المحفزة على التباكي على مصاب الامام الحسين، ولعلنا نجد هذا العمل في حركة يعتاد المؤمنون المعزون عليها بوضع كف اليد على الوجه و إطراق الرأس الى الاسفل إظهاراً للحزن على تلك المشاهد المؤلمة.

الطفل الرضيع في لندن

يروي السيد جعفر الشيرازي في كتابه المشار اليه قصة نقلها له أحد المؤمنين من العاصمة البريطانية لندن خلال التظاهرة العاشورائية الضخمة التي تقام سنوياً، فسأله أحد رجال الشرطة عن سبب إقامة هذه التظاهرة، ففكر في الاجابة قليلاً، وكان من الاجوبة؛ ان الامام الحسين خرج على نظام حكم مستبد وظالم فقتل لهذا السبب، وهذا ربما يشهده العالم منذ مئات السنين، وحتى يومنا الحاضر، ففضّل الرجل اختيار المشهد المؤثر في القضية، وقال للشرطي: بان امامنا ثار ضد حاكم ظالم فمنعه من الماء، وتسبب في عطشه وعطش أسرته، وكان منهم طفل رضيع طلب له الماء فأجابوه بسهم قاتل ذبحه في الحال، ولم يكتفو بذلك بل قاموا بقطع رأس ذلك الرضيع... وقبل ان يكمل الرجل حديثه بدأت الدموع تتقاطر من عين ذلك الشرطي بشكل لا إرادي.

ذلك الشرطي البريطاني وغيره من غير المسلمين تعاملوا مع القضية دون أيّة مسبقات فكرية او ثقافية، فهو موظف يؤدي عمله بشكل روتيني، ولا ينحاز الى جهة معينة، ولا علاقة له بالهيئات الحسينية، إنما مشاعره الانسانية وعواطفه هي التي حركته وجعلته يتخذ هذا الموقف المتضامن.

ومن نافلة القول: أن المجتمع الغربي، بل وجميع المجتمعات البشرية لا تعرف البكاء في انفعالاتهم الداخلية، إلا في حالات نادرة، فربما يغضبون، او يفرحون ويضحكون، او يتجهمون، وغيرها من علائم ردود الفعل إزاء مثيرات خارجية، وذلك لاسباب لسنا في وارد الخوض فيها، ربما منها؛ ما تم التثقيف عليه بانه من اسباب ضعف الشخصية، لذا نلاحظ كبت الحزن والبكاء، بينما الوضع يختلف في الشرق، وتحديداً الشرق الاسلامي، فان القلب موصوف باللين والرقّة، حتى أن الباحثين والمؤرخين أرجعوا وجود البكاء في الثقافة الشرقية الى آلاف السنين، لاسيما في وادي الرافدين، ثم جاء الاسلام وأعطى هذه الحالة النفسية الخاصة إطاراً محترماً في الطقوس العبادية، وأنها من علامات خشوع القلب، والتصاغر أمام عظمة الله، كما حذر من الافراط الى حدّ الجزع المذموم حتى على أقرب المقربين، ولكن! جاءت الروايات بأن الجزع على مصاب الامام الحسين ممدوح.

وهذا يدعونا الى الحرص على سلامة وطهارة قلوبنا من التشكيك بالعشائر الحسينية التي تتظافر جهودها الجبارة من أجل هذه الدمعة الصغيرة من عين هذا الزائر او الزائرة على مصاب الامام الحسين، فكل شيء في عاشوراء، وحتى اربعين الامام الحسين، يرمز الى مأساة مثيرة للمشاعر، ولا مظهر في المشهد عبثاً، حتى الطعام والشراب المبذول في كل مكان، فانه يرمز الى الجوع والعطش الذي عانا منه الامام الحسين وأهل بيته في صحراء كربلاء، وما البذل الكبير في هذا الجانب إلا تعبيراً عن ثقافة العطاء لدى الإمام، ودرساً لكيفية مواجهة الظروف الصعبة بنفوس كبيرة.

وإن حصل خطأ ما؛ وهو وارد في كل الاحوال، كون الفعاليات تصدر من مستويات مختلفة من البشر، ولا كمال في مراسيم جماهيرية بهذا الشكل الحاشد غير المسبوق في العالم، فان التصويب والتذكير يُعد أمراً أكثر ضرورة من إحصاء الاخطاء والسلبيات، لتظهر الشعائر الحسينية مثل كائن حيّ، معطاءٌ ومضيء؛ قلبه العاطفة، وعقله الفكر والثقافة، يعلمنا كيف نحيا ونعيش، ثم نفوز بشفاعة الإمام الحسين، عليه السلام، كما فاز الحسينيون الاحرار طيلة الاربعة عشر قرناً الماضية، والقافلة مستمرة الى يوم القيامة.

اضف تعليق