على القيادة الايرانية الالتفات –وهي ربما كذلك- الى أن السلاح لن يكون الأداة المريحة والناجحة على طول الخط للتعامل مع الولايات المتحدة، فهو يستنزف تكاليف باهضة على مر الزمن، مما يستوجب تقوية الداخل اقتصادياً واجتماعياً، وحتى نفسياً بحيث يستشعر المواطن الايراني إن أي تهديد او استفزاز ...
تلتقي المشاعر العاطفية إزاء ضحايا التظاهرات الاحتجاجية في شوارع المدن الايرانية، مع الرؤية الواقعية للوضع الاقتصادي المتردي الذي يدفع الناس لرفع اصواتهم الاحتجاجية ضد النظام الحاكم، وهو بدوره يخلق رأياً عاماً متضامناً عند المتابعين للشأن الايراني، بغض النظر عن تفاصيل مجريات الشارع، وخلفية الاحداث، والأهم؛ آفاق المرحلة، والنتائج المستقبلية لهذا الحراك في هذا البلد.
في ايران؛ البلد الذي يتميز عن معظم بلدان العالم –إن لم نقل جميعها- بعديد الخصائص في طبيعة نظامه السياسي، وتاريخه، وامكاناته الهائلة، نشهد عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي احداث عنف بين افراد من المجتمع الايراني، وعناصر الشرطة ومكافحة الشغب، والحصيلة حتى الآن؛ إزهاق أرواح العشرات بين المواطنين و افراد الشرطة، وحتى موظفين مدنيين في الدولة، وحرق مقار حكومية وممتلكات عامة، على خلفية حراك صغير انطلق من "البازار" ومن مجموعة من الكسبة والتجار، خرجوا احتجاجاً على التراجع المستمر للعملة الوطنية مقابل الدولار، مع تصاعد حدّة التضخم وانعدام القدرة الشرائية، لتتحول الاحتجاجات من مطالب لانقاذ الاقتصاد الايراني من السقوط، الى مطالب بسقوط النظام السياسي في ايران برمته، وهذه الجزئية تحديداً، هي ما تُبتلى به بلداننا عندما تريد إصلاح قانون معين، او تريد تحسيناً في الخدمات، او توفير فرص عمل او ما الى ذلك من مطالب، فإن كان الحراك في المحافظة تكون المطالبة بإسقاط المحافظ! وإن كانت في العاصمة فان المطالبة بالإطاحة بالحكومة والنظام السياسي كله! وفي أحسن الافتراضات؛ توجه "المناشدة" فوراً الى أعلى مسؤول في الدولة، كأن يكون المحافظ، او رئيس الوزراء، او الزعيم الأعلى.
الاختلاف في دوافع التصعيد بين الداخل والخارج
رغم الاسباب الداخلية والعوامل الاقتصادية، تبقى الاحتجاجات في بلد مثل ايران مرتبطة، شئنا أم أبينا، بالدوافع السياسية في الخارج، وهذه المعادلة ليست وليدة اليوم، وإنما ولدت مع ولادة الجمهورية الاسلامية عام 1979، عندما بدأت اميركا مشروعاً استفزازياً الى أمد غير معلوم لممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية على النظام الجديد في طهران بإعلان العقوبات الاقتصادية لأول مرة في عهد الرئيس الاميركي جيمي كارتر، رداً على اقتحام جماعة "الطلبة السائرين على نهج الامام الخميني" للسفارة الاميركية في طهران، واحتجاز الموظفين فيها في شهر تشرين الثاني عام 1979، ثم جرى تخفيف هذه العقوبات لإثارة نقمة الشارع، ثم جرى تخفيف هذه العقوبات بعد مفاوضات تسليم الرهائن في عهد الرئيس ريغان، ولكن مسلسل العقوبات تحول الى سلاح بيد الادارات الاميركية المتعاقبة لاستفزاز ايران بهدف لتحجيم قوتها في الداخل والخارج، وهو ما أعطى الذريعة للمسؤولين في طهران طيلة السنوات الماضية لأن تلقي بمسؤولية تردّي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية الى السياسات العدائية لأميركا ضد ايران، واليوم يمثل دونالد ترامب بطل هذه السياسات ضد ايران منذ قراره الانسحاب من اتفاق فيينا لعام 2015 بين ايران والدول الكبرى للسماح بتخصيب اليورانيوم بنسبة عشرين بالمئة، ثم فرض عقوبات اقتصادية جديدة بدعوى نوايا طهران لامتلاك السلاح النووي، وفي مرحلة لاحقة ظهر ملف الصواريخ بعيدة المدى، من ثمّ التدخلات في المحيط الاقليمي.
لذا نفهم أن الموقف الاميركي من الاحتجاجات على التضخم الاقتصادي، وغلاء المعيشة يدفعه العجز السياسي من ثني ايران عن طموحاتها النووية التي تقول إنها لأهداف سلمية، وايضاً؛ عن برامجها لتطوير ترسانتها الصاروخية، بل وتقنياتها العسكرية الاخرى مثل؛ الانتاج الوفير للطائرات المسيرة، علماً أن الشارع الايراني لا يجهل مصدر تمويل التصنيع العسكري، وأن واشنطن هي التي تدفع النظام في ايران الى الجدار الاخير وتجبرها على خوض سباق التسلح في المنطقة أو الانصياع لسياساتها وبرامجها المستقبلية في المنطقة، وتحديداً تأمين المستقبل السياسي لاسرائيل، وهذا المستقبل مرتبط بشكل عضوي لا ينفكّ ابداً، مع المصالح الاقتصادية والسياسية لها في منطقة الشرق الاوسط.
وخلال العشرين سنة الماضية، وتحديداً منذ أن وطأت أرض العراق أقدام الجيش الاميركي وصاروا على مقربة من الاراضي الايرانية، نحجت القيادة الايرانية في رسم صورة تحذيرية تربط بين سوء الاوضاع الاقتصادية في الداخل، وسوء الاوضاع السياسية المنتجة أميركياً، وتحديداً المشهد العراقي في ظل الوجود العسكري الاميركي في السنوات الاولى، ثم مشاهد "الربيع العربي" المدعوم اميركياً، مما خلق قناعة بنسبة كبيرة لدى المواطن الايراني بأن يكتفي بالخبز واللبن –مثلاً- على أن يكون كبشاً في حظيرة السياسة الاميركية، والحل في سياسة الردع ومقاومة الاستفزازات والضغوطات، وهذا تحديداً ما يثير انزعاج واشنطن، فهي لا تريد عقوبات اقتصادية مسيطر عليها، وأن تستمر ايران في تقدمها بانتاج الصواريخ بعيدة المدى والمسيرات، وبالمجمل؛ تنجح في سياسة الردع والوقوف بوجه اميركا، مما يعني الحاجة القصوى لمزيد من الانهيار الاقتصادي، اذا تعذر الانهيار العسكري والسياسي.
إن تجار "البازار" السوق الكبير في طهران لم يدر في مخيلتهم ابداً عندما رفعوا اصواتهم بالاحتجاج على الانهيار المستمر للعملة المحلية وفشل الحكومة لاحتواء الازمة الاقتصادية، بأن تشهد شوارع طهران وسائر المدن، أعمال حرق واقتحام وقتل وانعدام الأمن والاستقرار، فهي الشريحة الاكثر تحسساً من أجواء كهذه، إنما استغلال الفرصة في لحظة التقاء الغضب عند شريحة التجار، وعند عامة المواطنين المأزومين اساساً في معيشتهم، أدى الى ظهور عناصر غريبة لاحظها الناس وهم يحرضون على العنف بدعوى الاحتجاج والمطالبة بحقوقهم، علماً أن شوارع طهران والمدن الايرانية لم تشهد تظاهرات جماهيرية سلمية للمطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي كما جرى عام 2009 على الصعيد السياسي عندما خرج متظاهرون مؤيدون للمرشح لانتخابات الرئاسة مير حسين موسوي مطالبين بإلغاء نتائج الانتخابات بدعوى التزوير لإبعاد موسوي عن منصب رئاسة الجمهورية.
هل يتنزعون الصاعق؟!
إن الصراع المنهجي والأبدي بين الدولتين: الولايات المتحدة، وايران، لا يعفي المسؤولين المعنيين بالملف الاقتصادي الايراني من المبادرة السريعة لاحتواء الأزمة بحزمة اجراءات تكبح جماح الدولار، وتخفف من آثار الضغوطات الاميركية على مائدة المواطن الايراني، ولايران تجربة غنية وفريدة إبان الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات، عاشت ايران خلالها عقوبات اميركية و حرماناً من المواد الاولية والسلع الضرورية من مختلف بلدان العالم، لاسيما المعدات العسكرية لرفد جبهات القتال بما يلزم، الى درجة أن كشف الشيخ هاشمي رفسنجاني عندما كان رئيساً للبرلمان في ثمانينات القرن الماضي بأننا "نوفر المعدات العسكرية والذخيرة لتأمين احتياجات قواتنا لمواجهة الجيش العراقي من السوق السوداء"! ونفس الأمر بالنسبة لسائر الاحتياجات للحياة اليومية للمواطن الايراني، وكانت ايران آنذاك في وضع اقتصادي ومعيشي افضل بكثير مما هي عليه اليوم.
فالاجراءات الحكومية والمعالجات الاقتصادية السريعة يجب ان تواكب الاجراءات الامنية لمواجهة العناصر المثيرة للشغب والمدفوعة من الخارج، وهنا سيكون الانتصار على جبهتين: الداخلية؛ بتخفيف الازمة الاقتصادية، والجبهة الخارجية بنزع الصاعق من القنبلة الاميركية القادمة، وإلا فان الاميركيين ماضون في مخططهم القديم بصنع رموز "نهضوية" تقود التغيير على مسرح الاحداث بدلاً عنهم، كما حصل في حادثة اصطدام المواطن التونسي "ابوعزيزي" بشرطية في الشارع كانت تقود حملة لإزالة الباعة المتجولين، وفي خضم مناوشات ومشاجرات تم الترويج بأن هذا المواطن تعرض لصفعة من هذه الشرطية دفعه للانتحار حرقاً، وقد كشفت الشرطية فيما بعد أن التهمة المنسوبة اليها لا أساس لها من الصحّة مطلقاً، بيد أنها كانت الشرارة التي اشعلت "الربيع العربي" وأطاحت بدكتاتوريات وانظمة حكم فاشلة منذ اربعين سنة، كما نجح الاعلام الغربي والاميركي تحديداً في تحويل موت الفتاة الايرانية "مهسا اميني" في مركز تحقيق أمني، الى ايقونة للمعارضة الايرانية ضد نظام الحكم في طهران.
على القيادة الايرانية الالتفات –وهي ربما كذلك- الى أن السلاح لن يكون الأداة المريحة والناجحة على طول الخط للتعامل مع الولايات المتحدة، فهو يستنزف تكاليف باهضة على مر الزمن، مما يستوجب تقوية الداخل اقتصادياً واجتماعياً، وحتى نفسياً بحيث يستشعر المواطن الايراني إن أي تهديد او استفزاز اميركي من قبل شخص مثل ترامب أو من يأتي بعده، إنما موجه ضده شخصياً، وليس لزعيمه ولحكومته فقط.



اضف تعليق