ذكرى ولادة سيد الشهداء ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي "هوية" وضرورة وجودية للإنسان المعاصر الغارق في قلق المادية والعدمية. وأن التمسك بالقيم الحسينية كالصبر، والعمل الطوعي، والتعاون الاجتماعي، هو العلاج الناجع لأمراض العصر النفسية والروحية. فالحسين (عليه السلام) يمثل "سفينة النجاة" الدائمة التي تعيد للإنسان توازنه الفطري، وتمنحه السكينة...

يتناول هذا المقال الأبعاد الروحية والفلسفية لمولد الإمام الحسين (عليه السلام)، تلك الولادة الفريدة التي امتزجت فيها بشائر الفرح بدموع النبي (صلى الله عليه وآله) حزناً على مصير سبطه. حيث يستعرض جوهر "المشروع الحسيني"، محللاً مفاهيم الموت والحياة والحرية. فالامام الحسين عليه السلام لم يولد ليعيش حياة اعتيادية، بل جاء ليخط بدمه طريق "الشهادة" كسبيل لاستنقاذ الإنسان من عبودية الطاغوت والأنانية، مؤسساً لمعنى الحرية الحقيقية التي تحرر الروح قبل الجسد.

هكذا حزن رسول الله (ص)

عندما نتحدث عن الإمام الحسين (عليه السلام) فإن الفرحة تأتي مقترنة بالبكاء، وهكذا هو حزن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عندما سمع بولادة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد نقل في ذلك: (ولمّا بشّر الرسول الأعظم بسبطه المبارك خفّ مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة (ع) وهو مثقل الخطا، قد ساد عليه الوجوم والحزن، فنادى بصوت خافت حزين النبرات: «يا أسماء، هلمّي ابني». فناولته أسماء، فاحتضنه النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل يوسعه تقبيلاً، وقد انفجر بالبكاء، فذُهلت أسماء، وانبرت تقول: فداك أبي واُمّي! ممّ بكاؤك؟! فأجابها النبي (صلى الله عليه وآله) وقد غامت عيناه بالدموع: «من ابني هذا». –فتحيرت-: إنه وُلد الساعة. فأجابها الرسول بصوت متقطّع النبرات حزناً وأسى قائلاً: «تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي»)(1).

وسمّاه النبي (صلى الله عليه وآله) حسيناً كما سمّى أخاه حسناً. ويقول المؤرّخون: لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذين الاسمين حتّى تسمّي أبناءهما بهما، وإنّما سمّاهما النبي (صلى الله عليه وآله) بهما بوحي من السماء. وكان أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله).

وهناك روايات كثيرة إنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبه حبا جما، قد قال (صلى الله عليه وآله): (حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط)(2).

وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «الحسن والحسين ابناي، مَن أحبّهما أحبّني، ومَن أحبّني أحبّه الله، ومَن أحبّه الله أدخله الجنّة. ومَن أبغضهما أبغضني، ومَن أبغضني أبغضه الله، ومَن أبغضه الله أدخله النار»(3).

وروي عنه (صلى الله عليه وآله): «الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا»

وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «مَن أراد أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنّة فلينظر إلى الحسين بن علي»(4).

وروى جابر بن عبد الله قال: جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد، اعرض عليّ الإسلام. فقال (صلى الله عليه وآله): «تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله». قال الأعرابي: تسألني عليه أجراً؟ قال (صلى الله عليه وآله): «لا، إلاّ المودّة في القربى». الأعرابي: قرباي أمْ قرباك؟ الرسول (صلى الله عليه وآله): «قرباي». الأعرابي: هات اُبايعك؛ فعلى مَن لا يحبّك ولا يحبّ قرباك لعنة الله. قال (صلى الله عليه وآله): «آمين»(5).

هكذا جاء الإمام الحسين (عليه السلام) إلى هذه الدنيا، وبهذه العظمة الكبيرة، عظمة السماء وعظمة أهل البيت التي يؤكدها القرآن الكريم (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) الأحزاب33. وبهذه العائلة المطهرة، وهم رسول الله صلى الله عليه وآله، والإمام علي، وفاطمة الزهراء، والحسن عليهم السلام أجمعين، انضم الوليد الجديد اليها.

الحزن في يوم الولادة

عندما يدخل مولود جديد إلى البيت لابد أن تكون هناك مسرات وأفراح، فلماذا كانت زيارة النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت فاطمة عبارة عن حزن شديد؟

إن أحزان أهل البيت وأفراحهم هي من أجل السماء، وليست من أجل أنفسهم، كما عبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن فاطمة الزهراء عليها السلام بقوله (إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك)(6)، فحياتهم وسيرتهم المطهرة تدور في اطار المبادئ والقيم الإلهية.

وهكذا كانت القضية بالنسبة للإمام الحسين عليه السلام في اللحظة الأولى عندما اصبح الموت والحياة ملتصقين معا، حيث مفاهيم أهل البيت عليهم السلام هي أكبر من الدنيا، وهي تعبر عظمة الرسالة النبوية الممتدة الى عظمة السماء، فالحسين أوسع من دائرة الموت والحياة فقد وُلد (عليه السلام) من أجل استنقاذ البشر، وجاء إلى الدنيا وهو يحمل في عنقه رسالة الشهادة والتضحية بدمائه من أجل ترسيخ الطهارة في الإنسان، وتطهيره بالدموع من ذنوبه، ولذلك فإن البكاء هو الامر المطلوب الذي يحتاجه الانسان لإعادة ذاته وتطهيرها بالانكشاف على مشاعره، بل ان الفرح هو الذي قد لا يكون مفيدا للإنسان في نشوة عابرة يفرح بها من أجل الدنيا أو المال والممتلكات والأشياء واللذات العابرة كسراب.

فالفرح زائل، لكن الإنسان يبكي من أجل تطهير نفسه بتحريك مشاعره الحقيقية، التي لا تبرز الا عند الحزن والبكاء، حتى الإنسان الذي يفرح بمشاعر صادقة فإنه يبكي من الفرح، هذا يعني بأن المشاعر الحقيقية تأتي من انكشاف الإنسان على نفسه وعلى ذاته، ورؤيته للحقيقة واقترابه من المبادئ والقيم الإلهية التي تدور حوله في الحياة.

عندما نسمع اسم الامام الحسين (ع)

يتبادر في أذهاننا سؤال مفاده، ما هو أول انطباع عندما نسمع باسم الحسين عليه السلام، فهذا الاسم عندما يدخل القلب يغير الإنسان، وينقلب انقلابا شديدا، ويجعله يعيش مشاعر خاصة، وأنا من خلال قراءاتي ومتابعاتي وما لاحظته موجودا في الأحاديث، وما تضمنته كلمات الإمام الحسين عليه السلام إن الموت والحياة عنده مرتبطان ببعض، لذلك بكى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله.

فقد قال الإمام الحسين عليه السلام: (خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ)(7)، فالموت يتعلق بالإنسان كما القلادة المعلقة على الرقبة، أي ان الموت ثابت وواضح وحتمي لأي انسان ومرتبط به منذ اللحظة الأولى لولادته، لذلك فإن البدايات ترتبط بالنهايات، والنهايات ترتبط بالبدايات، يلتقيان معا في أية لحظة تمر في عمر الانسان، والعبرة التي يأخذها كل من ينظر الى حياة الإمام الحسين عليه السلام والانطباع الأولي لسماع اسمه هو أنه هناك اتحاد حتمي بين الموت والحياة.

ويقول الإمام الحسين عليه السلام: (فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَلَا الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَما)(8)، هذا الكلام أيضا يجيب عن سؤال، كيف يكون الموت سعادة؟، هذا يعني أن هناك ارتباطا وثيقا غير منفصل بين الموت والحياة، فالموت ليس نهاية الحياة، بل هي بداية الإنسان الذي أعطى في حياته الأشياء العظيمة، وسجل اسمه في سجل المبادئ الخالدة التي لا ينالها الموت.

ليس المقصود أنه بنى القصور الفخمة ولا العمارات الشاهقة، وإنما بنى مبادئ وقيما ترتقي إلى عظمة التاريخ المقدس الطاهر، ولن ينساه التاريخ أبدًا إلى يوم القيامة، هذه العظمة الموجودة عند الإمام الحسين عليه السلام يخشع ويركع كل إنسان عندما يسمع صوته، وتنزل الدموع من عينيه، حيث تتحول هذه الدموع الى درس له في معنى الحياة والموت، ليكون صاحب مواقف متحررا ومتحركا وعاملا، فلن تكون له (الحياة مع الظالمين إلا برما)، فإذا أردت أن تدمر إنسانا اجعله يرضى بالحياة مع الظالم، فلا قيمة لمثل هذا الإنسان، يضيع جوهره، وتسلب روحه ويغدو لا قيمة له، فتضمحل حريته وتموت إرادته، ليصبح وجوده شبحيا، يقتله الملل والضجر تدريجيا الى ان يتحول الى شبح عدمي.

ويوجد لدينا في الأحاديث بأن الضجر يؤدي إلى الفجور وإلى الكفر وإلى نتائج سيئة، لذلك فإن أسوأ بلاء للإنسان هو عندما يُصاب بالملل أو الضجر والكسل والفراغ، وهذا يتحقق في العيش مع الظالمين، والتعايش مع الظلم والقبول به.

وعن الامام الصادق عليه السلام: (إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل سوء أنه من كسل لم يؤد حقا ومن ضجر لم يصبر على حق)(9).

ولذلك تأتي السعادة لمثل الإمام الحسين عليه السلام من خلال الموت شهيدا خالدا، ومعنى الشهادة الحقيقي هي الحياة، لذا بقي الحسين عليه السلام خالدا مخلدا كما نشاهد هذه الملايين من محبيه الذين يحثّون السير الى زيارته ليلا ونهارا.

العدل والحرية في عصرنا الحديث

في العصر الحديث حيث يدّعون انهم نالوا الحرية، وأن عصرهم عصر التحرر، ولكن الإمام الحسين عليه السلام هو الذي اعطى معنى الحرية، لان حرية العصر الحداثوي هي حرية الجسد وانفلات الرغبة، واباحة اللذات، وحرية الجسد تعني أن تطلق لنفسك العنان دون رادع، وهذا هو من أسوأ أنواع العبودية وهو العبودية للطاغوت، دون العبودية لله.

فالحرية في عصر الغرب هي حرية الجسد والعبودية للطاغوت، والحرية الإلهية هي حرية الروح والمعنى والعبودية لله والتحرر من الطاغوت والمعاصي وبناء التوازن مع الكون.

لذلك فإن الحرية في البعد الديني، الحرية هي أصل عقائدي، حيث لا دين بلا حرية، لأن الدين هو أساسه وجوهره أن يكون الإنسان مختارا حرا، وتحرير الإنسان هو رفع الأغلال (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) الأعراف 157.

فمعاوية والأمويون ويزيد قتلوا أهل البيت عليهم السلام، لأنهم أرادوا أن يقضوا على معنى الحرية الحقيقية في مواجهة الطاغوت، ويجعلون العبودية للحاكم للطاغوت، وليس العبودية لله سبحانه وتعالى، لذلك فإنهم في هذا العصر أرادوا أن يأخذوا البشر من عبودية الله سبحانه وتعالى إلى عبودية اللذات والرغبات والمتع والتكنولوجيا والماديات وما شاكل ذلك، والتحرر من الرسالات والقيم الفطرية والمبادئ الإنسانية.

 لذلك رفع الإمام الحسين عليه السلام راية الحرية والتحرر واستنقاذ الانسان من عبودية الطاغوت الى عبودية الله سبحانه وتعالى فقط، لأن حرية الإنسان لا تتحقق إلا عندما يكون عبدا لله سبحانه وتعالى، ولا يمكن غير ذلك، وإذا كان عبدا لغير الله، إذن هو عبد للطاغوت، لنفسه، لحاجاته، لماله، لأي شيء من الأشياء الموجودة في غير الله سبحانه وتعالى.

لكن يكون عبدا مسترقا متشككا محبطا كئيبا حزينا لا يشعر بقيمة الحياة، فكلما تحرر الإنسان من الطاغوت شعر بقيمة الحياة، والإمام الحسين عليه السلام قال ذلك في يوم عاشوراء: (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ وَكُنْتُمْ لَا تَخَافُونَ الْمَعَادَ فَكُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُم)(10)، هنا قد يشير الإمام الحسين عليه السلام الى الفطرة، (إن كنتم عُربا كما تزعمون)، هناك بعض المفاهيم والقيم الجميلة الفطرية موجودة مثل الكرم والشهامة، لذلك قال لهم (فكونوا أحرارا)، لأن الإنسان الحر لا يفعل ما فعله جيش يزيد، ولا يكون تابعا لشخص مثل يزيد.

وقد أراد الإمام الحسين عليه السلام ان يرسل رسالة الى العالم كله أن العبودية هي نتيجة لأغلال الانانية، ولكي يتحرر منها عليه ان يتخلص من عبودية الدنيا، فإذا أحب الإنسان الدنيا أصبح عبدا لها، فلا تبقى عنده قيمة للدين، ويقوم باستعمال الدين كواجهة أو طريقة أو وسيلة لتحقيق غاياته الخاصة.

وعن الإمام الحسين عليه السلام: (إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَالدِّينُ لَعْقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون)(11)، يعني هذه هي مشكلة الناس، فالإنسان في الدنيا يذهب سريعا وراء القطيع الاعمى المضلل، كالقطيع الذي اتبع يزيد وعبيد الله بن زياد الذي قتل أشرف خلق الله.

هكذا الإنسان يتنازل عن ذاته وحريته ونفسه وعقله وكرامته وكيانه الذي خلقه الله سبحانه وتعالى من أجل أن يتبع حاكما طاغية يذل الناس، فالحرية التي يقصدها الإمام الحسين عليه السلام هي البنية التحتية لكل القيم الأخرى، فإن أية قيمة إنسانية لا يمكن أن تكون لها وجود وفاعلية إذا لم تكن هناك حرية.

الحرية البنية التحتية للفضائل

وإذا كان عند الإنسان قيم معينة، فإذا لم تكن هناك حرية، سوف يناضل من أجل الحصول على هذه الحرية، ويصبح لديه صبر وشجاعة وقوة، وبالنتيجة لا يقبل أن يكون عبدا، ويكون مستعدا للذهاب إلى السجن، ويواجه الظالم، ويناضل ضد جوره عليه، بحيث لا يبقى ذليلا مستسلما لهذا الوضع، لذلك فإن الحرية هي البنية التحتية لكل القيم وخصوصا القيم الأخلاقية.

فالقيم الأخلاقية تتحقق عمليا من خلال ممارسة الانسان للحرية، فالحرية تعني العبودية لله سبحانه وتعالى والتقوى والخوف منه عزوجل، فيكون صادقا أمينا عادلا منصفا.

أما إذا كان لا يمتلك حرية، فيكون عبدا لدنياه، ومستعبدا للمال، وعبدا للظالم، فسوف سيكون مرتعا ومنبعا للرذائل، فهو لا يخاف من الله تعالى، لكنه يخاف من الظالم، فيكون منافقا، لأن الخوف يصنع النفاق في داخله، فيكون كاذبا وخائنا، وهكذا...

الانطباع العميق والاستقامة في التحرر

الانطباع الأول لسماع الإمام الحسين عليه السلام هو تدفق المشاعر، وهذه المشاعر الفطرية ترفع الحجب عن الفهم والتبصر فتنتج انطباعا عميقا بالتحرر وان نعيش حياتنا أحرارا، فيجعلني لا أرى قيمة للحياة إلا بالحرية، متحررا من العادات السيئة، والتقاليد الرديئة، متحررا من الظلم والظالم والمال الحرام، متحررا من المعاصي والذنوب، ولا أجعل الدين مثل الطين الاصطناعي في يديّ أتلاعب به، وأحاول أن أبرر هذه المعصية أو تلك متى ما رغبت في ذلك.

وهكذا فعل الظالمون، حاولوا أن يجعلوا من الدين مطية ووسيلة للاستيلاء على الحكم ليستعبدوا الناس.

تعزيز روح المسؤولية بين الأفراد

ان التطبيق العملي الحرية يأتي من خلال نبذ الأنانية عند الإنسان الذي كلما كان معطاءً جوادا كريما مضحيا، تظهر فيه روح الحرية والتحرر، لأن الأنانية هي التي تجعل من الإنسان عبدا ومستعبدا من قبل الآخرين، وأهم خطوة في عملية نبذ الأنانية والحرية والتحرر، هو التعاون فيما بين الناس.

فأي مجتمع يريد اليوم أن يكون مجتمعا حسينيا محمديا علويا صالحا متماسكا، لابد أن يبدأ من خلال التعاون، (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة/2. هذا هو الأساس في بناء المجتمع، حتى نستطيع أن نواجه الظالمين، فإذا لم نتعاون على البر والتقوى، سوف يؤدي الى التعاون على الإثم والعدوان، وهذا هو معنى الصراع بين الحق والباطل، فعندما يتخاذل الناس عن الحق يهيمن الباطل، لذلك فإن أهم رسالة في النهضة الحسينية والرسالة الإسلامية هي بناء التعاون فيما بين الناس.

وهذا هو معنى المسؤولية الاجتماعية، فالإنسان يكون مسؤولا في حياته، عندما العمل بالحق وترك الباطل، فالانسان كائن مفكر مسؤول فلابد من أن يتحمل المسؤولية، لا أن يعيش في الحياة برغباته الخاصة، وهو مسؤول لانه هناك حساب وكتاب وثواب وعقاب في الدنيا والآخرة، ومن هذا المنطلق يخاطب الامام الحسين الناس بلغة عميقة متبصرة: (أَ لَا تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبَ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اللَّهِ مُحِقّا)(12).

فالذي لا يعمل بالحق عبر التعاون ينتهي به الى التعاون على الإثم والعدوان، وما اكثر الذين تركوا التعاون لأنانيتهم وافتقادهم لثقافة التنسيق والتفاهم، دخلوا في صراعات مع الآخرين أدت الى وقوعهم في الباطل.

أهمية روح العمل الطوعي

ومن هنا لابد ان نقوم بتربية أولادنا منذ صغرهم على التعاون فيما بينهم، وذلك من خلال روح العمل الطوعي، فالتجسيد العملي للتعاون هو العمل الطوعي الذي نلاحظه في خدمة الإمام الحسين عليه السلام، فكلما تعمق الإنسان في جوانب العمل الطوعي بمراعاة المهم والأهم والأولويات وعمل بها، طبق مبدأ التعاون وحقق الحق الذي دعا إليه الإمام الحسين عليه والسلام، و(وتعاونوا على البر والتقوى) هو دلالة على ان التعاون في العمل الطوعي لابد ان يؤدي الى نشر التقوى فيما بين الناس. بمعنى أن الخدمة في المواكب الحسينية، تتضمن حضور المجالس الحسينية، حتى يتعلم وحتى يستفيد، ومن خلال العبرة والمعرفة والتعلم والموعظة يصبح لديه تقوى، ويستطيع أن يعمل بالحق، فكيف يعمل بالحق من ليس لديه علم به ومعرفة، لذلك فإن العمل الطوعي مع العلم والمعرفة سوف يؤسس إلى منهج (وتعاونوا على البر والتقوى).

وفي ذلك تأسيس للعمل الصالح بين الناس بكل أنواعه، فلا يبقى في المجتمع من أعمال سوى العمل الصالح، وإذا لاحظنا في يوم ما قلة الأعمال الصالحة، فهذا يعني انتشار الفساد والإثم والعدوان، أي ازداد المتعاونون على الإثم والعدوان والفساد.

كما ان التعاون على البر والتقوى في العمل الطوعي الصالح، يفرض على كل فرد أن يخصص نصف وقته لخدمة الناس، وقضاء حوائجهم، وإذا لم يكن قادرا على تخصيص نصف وقته، يمكن تخصيص ربع وقته.

الاستفادة من صبر الإمام الحسين في حياتنا اليومية

أهم نقطة وهي جوهر الملحمة الحسينية، ونهضة عاشوراء تكمن في مفهوم الصبر، وبناء الصبر عند الإنسان، فالإنسان ينحرف لأنه يستسلم للواقع السيء، فحين يرى أكثر الناس يذهبون وراء المعاصي والفساد والمال الحرام والطاغوت والحاكم الظالم والملذات، يفقد صبره وينهار.

وهو يعرف بأن هذا التصرف خطير وخاطئ، لكنه يذهب وراؤه لأنه لا يوجد عنده صبر، لذلك أراد الإمام الحسين عليه السلام في تلك الواقعة العظيمة وذلك الصمود القوي أن يعلمنا معنى الصبر، فالصبر هو الاستقامة، والثبات على المبدأ، والصبر هو القبول بقضاء الله سبحانه وتعالى.

فأي شيء يحدث لي يجب أن أرضى بقضاء الله، لأنه سبحانه وتعالى يختبرني لكي يمتحن مدى التزامي واستقامتي، والصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، والصبر على عدم المعصية، ولذلك قال الإمام الحسين عليه السلام:

(لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ)(13)، فهذا الأمر محتوم في الحياة، فهل يكون الاستسلام للدنيا أم الاستسلام لله سبحانه وتعالى؟، فهناك معسكران، معسكر يزيد ومعسكر الإمام الحسين عليه السلام، فإلى أي معسكر يذهب الإنسان لتحقيق مصيره؟ ام يتخذ طريقا ثالثا وهو موقف المحايد الذي هو موقف المتخاذلين، وهذا الموقف من اصعب الامتحانات في الحياة، لان المتخاذل عن نصرة الحق بتبرير الحياد ينصر الباطل، ومن هنا جاءت البشارة للصابرين على الحق، ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرين‏) البقرة 155.

ان أي شخص يبحث عن النجاح، سواء كان نجاحا دنيويا أو أخرويا يحتاج إلى صبر، حتى الإنسان الذي يريد الدنيا ويبحث عنها أيضا يحتاج إلى صبر، فإذا لم يصبر فإنه حتما سوف يفشل، لأن النجاح والانتصار يتحقق بالصبر، وخصوصا الصبر على الآخرة، والصبر على المعصية، والصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله في تفسير الصابرين: (الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعَنْ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ كَسَبُوا طَيِّباً وَأَنْفَقُوا قَصْداً وَقَدَّمُوا فَضْلًا فَأَفْلَحُوا وَأَنْجَحُوا)(14)، فالبلاء والنجاح يتوسطهما الصبر، وإلا فإن العمر ينقضي، فماذا يفيد الإنسان لو أنه كسب سنة أو سنتين أو ثلاثا، ولكنه يعيش فاسدا وظالما، أو على الأقل يعيش ساكتا على الظلم والفساد، أما الحسين واصحابه خصوصا أبو الفضل العباس عليهم السلام فقد بقوا خالدين يُذكرون ليلا ونهارا، وليس مجرد ذكرهم كخالدين وإنما كنموذج ومنهج يغير حياتنا وسلوكنا نحو الحق والخير والصلاح والفلاح.

متى ما أردنا أن نصحح سلوكياتنا وان نرجع إلى الله سبحانه وتعالى، يجب أن نرجع إلى الإمام الحسين عليه السلام، نتشفّع به، لأنه سيقودنا نحو الصبر والاستقامة واليقين، فهو منبع الصبر الذي يغذينا بالصمود والتفكير الإيجابي.

عندما يموت أحدهم فأهله يطلبون من الخطيب أن يذكر لهم مصيبة الإمام الحسين عليه السلام، ومصيبة على الأكبر، ومصيبة الطفل الرضيع، هذه المواقف الحقيقية فحسب هي التي تعطي المفجوع بفقيده قوة الصبر والرضا بالقدر وتحمل المصاب، وبالتالي عدم الاستسلام للشك والمعصية.

عاشوراء هوية لكل إنسان

إن عاشوراء هي هوية لكل شخص موالٍ لأهل البيت، بل هي هوية لكل إنسان، هوية حقيقية تُشعره بالانتماء، الإنسان اليوم ربما يتساءل ويقول أنا لمن أنتمي؟، ولماذا أنا موجود؟، فأنا أريد ان احقق هويتي وأن أشعر بانتمائي في هذه الحياة، وانني شخص لي قيمة في هذا الوجود.

هناك شباب مراهقون يحدث لهم أحيانا اختلال في الهوية، فيكون متمردا، ويكون عنده مشكلات دائما، لأنه عنده اختلال في الانتماء والهوية، لذلك فإن نهضة عاشوراء هي بناء لهوية الإنسان، وخصوصا الشباب، بدء من الطفل والمراهق والشباب.

الإنسان الذي ينتمي للإمام الحسين عليه السلام يشعر بأنه موجود في الحياة، فالهوية تبدأ منذ اليوم الأول الذي يستمع فيه الطفل قصص الإمام الحسين عليه السلام، لكن طفل اليوم اصبح يتغذى بالقصص وما يسمعه من أمه أو أخوانه، أو ما يشاهده في التلفزيون من أفلام كارتون.

وعندما يكبر في السن، ويبدأ بالقراءة والاطلاع، على الروايات والقصص ويسمع حكايات من هنا وهناك، خصوصا عندما يستمع للقصص البطولية، فهي تلهم الطفل والمراهق، اليوم مع الأسف الشديد أصبحت القصص في أفلام الكارتون والتي فيها الكثير من المزخرفات هي التي تعطي للأطفال والمراهقين المعرفة وتغذيهم بالثقافة السيئة وهذا أمر خطير جدا، يؤدي إلى انحراف الإنسان وضياع شخصيته وفقدان هويته، بل حتى المجتمع كله يكون معرضا للانحراف، وعن الإمام علي عليه السلام: (وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْه)(15).

لذلك نقول للعوائل والأسر عليكم أن تنتبهوا لما تغذون أطفالكم به من خلال الموبايلات والشاشات، وما يشاهدون بها، اجعلوا الإمام الحسين وأهل البيت عليهم السلام هي القصة التي تعطي الهوية لأطفالكم، حتى يشعرون بالهوية والانتماء ولا يكونوا مزلزلين هشّين ضعفاء لا يمتلكون الشخصية القوية، لأن شخصياتهم الكارتونية هي مرتبطة بثقافات خارجية أجنبية ليس لها قيمة معنوية طاهرة.

لهذا يجب أن تكون ثقافة أطفالنا ثقافة حسينية ترتبط بالسماء، وتجعل ذلك الارتباط وثيقا، بحيث تؤدي الى بناء تناسق منسجم بين الإنسان والحياة. فالهوية والإنتماء طريق الى بناء الأهداف في الحياة، من خلال تلك النماذج التي يتفاعل معها بمشاعره وأفكاره، فالنموذج هو الذي يصبح المرجع للأجيال في تشكيل شخصياتهم، وخصوصا بناء الثقة بالنفس وتعزيز الايمان بالمستقبل وكيف يعيش؟، وكيف يسير في الطريق الصحيح؟،

الشباب يحتاج الى الطاقة الإيجابية لمواجهة صعوبات الحياة، فالخوف والهلع من الأزمات والمشكلات والقلق من المستقبل تجعل الانسان كتلة من الطاقة السلبية، ان لم تعزز بالطاقة الإيجابية الملهمة، وعن الامام الصادق عليه السلام: (عَلَيْكَ بِالْأَحْدَاثِ فَإِنَّهُمْ أَسْرَعُ إِلَى كُلِّ خَيْر)(16).

ذكرى حاضرة وستكون حاضرة إلى الأبد

لا تزال ذكرى الإمام الحسين عليه السلام حاضرة في وجدان المسلمين بعد أكثر من 1400 عام، وستكون حاضرة للأبد، ولهذه الأسباب:

أولا: مكافحة الأفكار العدمية

هذا السؤال مهم جدا، فالناس غرقى في ظلام العدم ومستنقعات الاكتئاب والقلق والشك بسبب الانحراف والفساد والظلم والمعاصي، فالإنسان المعاصر دائما أصبح ملوثا جدا بالأمراض الدنيوية والمادية، يشعر بالقلق، والخوف والحالة العدمية، وعدم جدوى الحياة، يلهث وراء الدنيا والضلال التي هي ظلام وعدم، وليست حقيقة فيشعر بفراغ وجودي ساحق، لأنها زائلة زائفة، فهي جسر عبور نحو الآخرة، وهنا يأتي دور الإمام الحسين عليه السلام في دور الاستنقاذ، (ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرْة الضلالة).

وعندما ينتبه وجدان الإنسان ويستنجد بسفينة الإمام الحسين عليه السلام، فإنه يشعر بالوجود والحياة والقوة في مواجهة الفساد والانحراف والمعاصي ومكافحة القلق والكآبة والسلبية، لذلك فإن تعميق معرفتنا بالقيم الحسينية يزيدنا ارتباطا بالإمام الحسين عليه السلام ويجعلنا فاعلين ايجابيين في مشروع الاستنقاذ الحسيني.

ثانيا: الخروج من عالم الاضطراب النفسي

 يزرع الإمام الحسين عليه السلام السكينة والطمأنينة في النفوس، خصوصا عندما ويمارس الإنسان الشعائر ويحضر المجالس ويزور الإمام الحسين عليه السلام، وبذلك فإنه يحصل على تلك السكينة النفسية والطمأنينة في القلوب، في زمن انتشر فيه الخوف من الضياع والتيه في الضلال، فالناس تزور الامام الحسين عليه السلام لأنها تبحث عن السكينة والاطمئنان والهدوء في زمن صاخب بالاضطرابات النفسية، لذلك هذا الإنسان المتمسك بسفينة الامام الحسين عليه السلام تترسخ محبته وجدانيا في اعماقه إلى الأبد.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن الحسين.. مصباح هدى وسفينة نجاة)، ينير الدرب لنا ويفتح لنا للسير في الطريق المستقيم، كما ان توثيق ارتباطنا به يزيدنا سعادة.

ثالثا: الاستغفار طريق للرشد

فعن الامام موسى الكاظم (عليه السلام): (من أتى قبر الحسين (عليه السلام) عارفا بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)(17). فالزيارة هي عملية بناء استغفار للإنسان، والاستغفار يحرر الإنسان من طموحاته المادية التي تدفعه للوقوع في المعاصي، وبتحرره يتجه نحو تحقيق معاني العطاء والإيثار والرحمة في ذاته التي تتطور وتنضج بذلك وتتصاعد مستويات حريته. ولذلك كلما زادت اعمالنا التطوعية تحررنا من الطموحات الانانية وتألقت حريتنا ونضجت شخصياتنا.

رابعا: الشعور الوجداني العميق

ان الارتباط بالامام الحسين (عليه السلام) يؤدي إلى الشعور الوجداني العميق بمعاني الحياة، وأن هناك أهدافا عظيمة في الحياة، اعظم من أن تحجّم دنيويا، فأولئك الذين يعيشون على حافات الدنيا يفتقدون لذلك الشعور العميق، فهذا الذي يعمل ويستمر بالعمل ستين أو سبعين سنة لتحقيق المال والمجد الدنيوي يصل إلى مرحلة تنتهي فيه أهدافه في الحياة، فيصبح كئيبا، ولكن الارتباط بالإمام الحسين عليه السلام يلهم بالطاقة الايجابية والاتجاه نحو الأهداف العظيمة في الحياة. فمن الإمام الحسين عليه السلام الذي يعطينا طاقة معنوية هائلة، نرسم غايات واولويات سامية.

خامسا: الرجوع إلى الفطرة

فالإمام الحسين عليه السلام راسخ في فطرتنا والارتباط به يجعلنا نتناغم مع ثوابت الكون، وبالتناغم يحقق الانسان التوازن فيعيش سعيدا في حياته، فالتوازن هو ان نعيش في إطار قانون كوني حتمي، فإذا أردنا أن نحقق التوازن التكويني، لابد أن نتبع هذا القانون.

والتعلق بالإمام الحسين عليه السلام يعيدنا باستمرار إلى فطرتنا، (كونوا أحرارا في حياتكم) لا تكونوا أذلاء، (هيهات منا الذلة)، كل هذا يعني الرجوع إلى معاني الفطرة لذلك يحتاج الإنسان دائما أن يكون الإمام الحسين عليه السلام موجود في وجدانه، حتى يتذكر القيم الفطرية كالصدق الأمانة، العدالة ولاينساها.

فالإنسان عندما يتذكر يتحرر من (المستنقعات النسبوية) ويمكن أن نسميها (الزئبقية)، والنسبية تعني أن الإنسان يتلون مع المعاصي فيضيع في النفاق وتصبح لديه حقائق متعددة تزيده حيرة وضلالا، فكل شيء باطل وحرام يفعله كما يشاء يجد له تأويلا وتبريرا.

لكن الإمام الحسين عليه السلام حقيقة فطرية وقيمة مطلقة، والالتزام به لا يسمح له بالذهاب وراء هذه النفسيات الضحلة والتبريرات الواهية التي تدفع به نحو الانحراف الشيطاني.

سادسا: الخروج من دوائر القسوة والتحجّر

فالامام الحسين عليه السلام هو تحرر من تحجر القلب وجمود المشاعر، وتحرر نحو مشاعر إنسانية لطيفة، لينة، مفعمة بالمحبة والرحمة، فيزداد محبة ومودّة. والمشكلة في القسوة انها مدمِّرة ذاتية وغيرية، فيصبح كل الناس لديهم مشاكل نفسية لو كانوا يعيشون في بيئة قاسية ليس فيها رحمة، هذه البيئة القاسية تجعل الإنسان شخصية مدمّرة تعتاش بالعنف والكراهية، لكن الذي يعيش في بيئة الإمام الحسين عليه السلام يعيش المشاعر الطيبة، مشاعر الرحمة، ويتطهر من داخله بذاته لغيره.

لذا فأنا أنصح الأخوة الذين يعانون من مشاكل نفسية، والذين مروا بتجارب قاسية، أن يستمروا في حضورهم بالمجالس الحسينية، بالبكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) فالبكاء يطهره من القسوة فيبني له قلبا لينا مفعما بالمشاعر، فالإمام الحسين عليه السلام بالنسبة لنا إنقاذ لشخصياتنا وأبنائنا وأسرنا، وهذا الإنقاذ هو إنقاذ عقلي ونفسي وقلبي وجسدي يطهرنا من مشكلات هذا العصر الظلامي.

ان ذكرى ولادة سيد الشهداء عليه السلام ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هي "هوية" وضرورة وجودية للإنسان المعاصر الغارق في قلق المادية والعدمية. وأن التمسك بالقيم الحسينية كالصبر، والعمل الطوعي، والتعاون الاجتماعي، هو العلاج الناجع لأمراض العصر النفسية والروحية. فالحسين (عليه السلام) يمثل "سفينة النجاة" الدائمة التي تعيد للإنسان توازنه الفطري، وتمنحه السكينة، وتنتشله من دوائر القسوة والضياع ليبقى خالداً بخلود مبادئه.

* المقال هو حوار بث على قناة الانوار الفضائية في برنامج المحطات

......................................

(1) حياة الإمام الحسين (ع)، ج ١، الشيخ باقر شريف القرشي، ص ٢٧.

(2) بحار الأنوار، ج ٤٣، العلامة المجلسي، ص ٢٦١.

(3) موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب (ط دائرة المعارف)، ج ١١، الشيخ الأميني، ص ١٣.

(4) حياة الإمام الحسين (ع)، ج ١، الشيخ باقر شريف القرشي، ص ٩٣.

(5) موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب (ط دائرة المعارف)، ج ٢، الشيخ الأميني، ص٤٣٣.

(6) بحار الأنوار، ج ٣٧، العلامة المجلسي، ص ٧٠.

(7) موسوعة الكلمة، ج ٨، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ص ٢٠٠.

(8) اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، ص ٤٨.

(9) موسوعة الكلمة، ج ١١، السيد حسن الحسيني الشيرازي، ص ٤٩.

(10) اللهوف في قتلى الطفوف، السيد ابن طاووس، ص ٧١.

(11) نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم، الشيخ عباس القمي، ص ١٨٩.

(12) مقتل الحسين (ع)، أبو مخنف الأزدي، ص ٨٦.

(13) بحار الأنوار، ج ٤٤، العلامة المجلسي، ص ٣٦٧.

(14) مكارم الأخلاق، حسن بن الفضل الطبرسي، ص ٤٤٦.

(15) نهج البلاغة، الخطب، رقم: 31.

(16) الكافي، الشيخ الكليني، الجزء ٨ ص٧٩.

(17) عيون أخبار الرضا (ع)، ج ١، الشيخ الصدوق، ص ٦٢.


اضف تعليق