مسيرة العشق الحسيني والزحف المقدس الذي يتجه صوب كربلاء كل عام في أربعينية الإمام الحسين "ع" دليل على خلود الثورة الحسينية، وانتصار المفاهيم التي جاء بها وخرج من اجلها الحسين (ع)، واثبت بان واقعة كربلاء كانت وما زالت ثورة على الطغاة، والواقع المتردي للأمة من اجل إيقاف الممارسات التي تعمل على انحراف الدين الإسلامي.

عندما نتابع الزحف المليوني الذي انطلق الى كربلاء الشهادة والخلود ندرك مدى نجاح ثورة الإمام الحسين عليه السلام في إثارة مشاعر الإباء والتضحية في نفوس المسلمين، فنجح في ان يكون منارا ونبراسا للثائرين على مر العصور، وها هي الملايين من الشباب والرجال تسعى الى زيارته اليوم وهم يقتدون بالتضحيات الغالية التي قدمها الإمام الحسين "ع" ويمشون على طريق الحق الذي خطه لهم الحسين "ع" فيقدمون أنفسهم فداء لقضيتهم العادلة في الدفاع عن شرف ومقدسات العراقيين في حربهم ضد (داعش) الإرهابي والتكفيري.

ها هم يمشون في طريق الحق ويبذلون الغالي والنفيس من اجل بلوغ الأهداف السامية، والاقتداء بمكارم الأخلاق التي تعلموها من الإمام الحسين (ع) ومن ثورته التي أراد من خلالها تقويم مسيرة الإسلام ولقد قام الحسين (ع) من خلال ثورته وخطبه في توعية الناس بضرورة الوقوف بوجه الظالم وقول الحق والعودة إلى طريق الإسلام الحقيقي، ونجح في ذلك من خلال تقديم نفسه وأهله قرابين في سبيل إصلاح الأمة في مشروعه الإصلاحي الكبير.

وهكذا أصبح الامام (ع) قدوة للملايين، ومن كان الحسين (ع) قدوته لا يمكن ان يقبل بالذل ولا يصبر على الهوان، ومن ثورته تعلم الإنسان المسلم وغير المسلم الثورة على الطغاة والوقوف بوجه التسلط والظلم ورفض ممارسات ورغبات الحكام الفاسدين، لان هذه الثورة كانت وما زالت الضوء والأمل الذي يتطلع إليه كل ثائر حر ومظلوم في الأرض، فلقد سنّ الإمام الحسين(ع) في كربلاء سنّة الإباء لكل إنسان يدين بقيم السماء وينتمي إليها ويدافع عنها وأراد من خلال ذلك الموقف ان يغير الواقع الفاسد الذي كانت تمر به الأمة الإسلامية، إلا إن الأمر لم يكن ليتوقف عند الأمة الإسلامية، حيث تأثرت الكثير من الأمم والشخصيات المعروفة بالثورة الحسينية حتى قيل الكثير وكتب المؤرخون عن ثورة الحسين (ع) وتأثيرها في الوعي الإنساني بضرورة المطالبة بالحق والتصدي للطغيان مهما كان متجبرا وخطيرا.

نوارس العشق

الفاجعة التي يتأجج رمادها لهباً حارقاً في شهري محرم وصفر من كل عام، طلباً لثأرها ثأر الله الثأر الذي صير الموالون أنفسهم دروع لحمايته ونصرة السلالة المحمدية، فغدوا نوارس مهاجرة، تحمل أجنحتها رايات الولاء وتنشد لحن المصيبة بكل لغة، لمواساة قلوبهم التي تروم الى ما وراء الخطى وتذرع الطريق خطوة خطوة، تعد ذرات رمله وحصاه، توقاً لرؤية أطياف راية ترفرف عالياً قريبة من رحمة السماء، مرفوعة على قبة اشعاع، نورها اباء وعظمة، مستمداً من كرامة صاحب المرقد المقدس.

وخلال المسير بين طول الطريق ومشقته، وقبل أن تقر العيون بما تهوى، نرى مواكب العاشقين التي نذرت نفسها لخدمة الحسين (ع) بإكرام زائريه وتقديم الممكن والمستحيل، فمنهم من يحمل حقائب الزائرين ومنهم من يقدم الطعام، وبين هذا وذاك من يدلك قدمي زائر ويبلسم وجعه ويدخله ليستريح تخفيفا عما تكبد من طول المسير، وآخر يغسل أوعيتهم وثالث ينشدهم العزاء ورابع يرتلهم القرآن.

الكل يعمل بابتسامة راضية وقلب محب ولسان لهج بـ "أحنه خدام زوار أبو علي" وكأنما على رؤوسهم تيجان الملك، يجندون أنفسهم وعوائلهم وأموالهم، هِبةً للخدمة الحسينية، في مواكب منتشرة على طول طريق المسير خيم سوداء كبيرة، أعمدة وقدور وأفرشة وأدوية ومصابيح وخدمات أخرى، تمنح المسافر كل ما يحتاجه من زاد السفر الى هيكل القداسة في رحلة الولاء، تلك الرحلة التي يمضي فيها الرفيقان الزائر السائر والزائر الخادم من يمضي سيراً على قدميه ومن يمضي خادماً له ولا شتان بينهما، فكلٌ يحمل قلباً ملؤه الحسين وجبيناً شامخاً كجبينه.

الجنون في حب الحسين (ع)

قم وانظر سيدي يا ابن علي المرتضى هذه الملايين أتت لزيارتك في يوم الأربعين منادية بصوت واحد لبيك يا حسين أتتك يا ابن البتول الزهراء ملبية سيرا على الأقدام من كل حدب وصوب قاطعة المسافات الطويلة لم يمنعها حر ولا برد ولا شمس ولا مطر ولا ريح، لم يمنعها تألم أجسادها وتورم أقدامها تمشي اليك ليس لساعات بل لأيام تتراوح ما بين يومين إلى اسبوعين وأكثر حسب جهة الانطلاق وبعد المسافة لم كل ذلك يا مولاي؟

ماذا فعلت سيدي حتى تربعت في قلوب هذه الملايين فهامت في عشقك جنونا!؟

ان من سعادة المرء ألا تفوته هذه الفرصة والمشي ولو مرة في العمر ليسجلها في صحيفة أعماله وذلك من باب تحفيز وتشجيع الآخرين ونشر الوعي لمثل هذه الشعيرة التي بدأت تنتشر في وسطنا ولله الحمد، أما بالنسبة لي فأسأل الله التوفيق لتكرارها مرارا ما دمت حياً بصحة وعافية.

عشق زوار الحسين (ع)

أي معشوق تمشي له الملايين هذه المسافات؟! أربعينية الحسين حدث غريب لا تتصوره العقول البعيدة عنه والتي لا تعرف حقيقة ومنزلة الحسين (ع) إنه من أكبر التجمعات السلمية التي لا تتدخل جهة معنية للدعوة لها وتنظيمها بل الأمر يكون تلقائيا ممن أراد المشاركة الإحصائيات التي تصدر في كل عام والتي هي في تزايد مستمر بفضل انتشار الوعي والاعلام قد تستكثرها بعض العقول ولكن من يعيش الحدث لا يجد في الأمر أي غرابة من أن يتزايد العدد من ٣ مليون في عام 2003 حتى يصل ٢٥ مليون واكثر في عام 2016 أو أكثر حين يشاهد الطرق مكتظة عن بكرة أبيها بالحشود البشرية الممتدة على مسافة ٨٠ كم بعرض ٣ مسارات للسيارات تقريبا ولا يفصل بينها سوى أمتار قليلة خلف بعضها، وأحيانا تضيق المسافات للبحث عن ثغرة لتجاوز الآخرين.

هذا بالإضافة إلى المتنقلين بالمركبات بمختلف أنواعها القادمة من جميع الجهات بدون أي تحرج ومما يساعد في تخفيف الازدحام في مدينة كربلاء هو زيارة الكثير منهم ابتداء من بداية شهر صفر وخروجهم لفسح المجال لغيرهم من زوار الخارج كثيرا ما نسمع عن عدم استقرار الوضع الأمني والتفجيرات الإرهابية التي تهدد الأمن ألا يخشى هؤلاء القوم أن تزهق أرواحهم وتتطاير أجسادهم أشلاءا؟

بكل تأكيد هذه الملايين ليست غافلة عما يجري ولكن قوة عقيدتها ورساخة ايمانها جعلها غير مكترثة بما يحيط بها من أهوال وأخطار راضية مستبشرة بكل ما يصيبها فداء لدم سيدها وما قدمه من تضحيات جليلة وأهداف نبيلة إن كل ما يحدث لا يزيدها إلا عزيمة وإصرارا للمضي قدما على طريق سيدها إنهم قوم أرخصوا أرواحهم في سبيل من يستحق التضحية والشهادة ليبعثوا رسالة للعالم بأسره ويتمثلوا بأنبل المبادئ والقيم والسلوك والأخلاق الحسينية.

من يسير في طريق النجاة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) فإنه واقعا لا يسير بجسده فقط بل يسير بروحه وجوارحه ووجدانه للتعريف بالإمام الحسين (عليه السلام) وأهدافه السامية والتأكيد على أن ذكر الحسين (عليه السلام) سيبقى دائما مخلد على مر العصور مهما حاول الناقمون من إخماد وطمس ذكره منذ أكثر من ١٣٠٠ سنة.

انها ايام تتسم بالروحانية والتوجه إلى الله تعالى، حين يمشي المرء فإنه يكون في عالم آخر ويشعر بشعور غريب يتمثل في الانقطاع إلى الله جل وعلا إنه بحاجة لمعالجة النفس وتهذيبها للتكيف مع هذا الطريق الذي لا يتوفر فيه خدمات الخمس نجوم ولا يوجد فيه فنادق اعتاد على المكث فيها في سائر رحلاته إنه بحاجة للفرار من الدنيا وملذاتها وشهواتها والتجرد من بعض الثياب التي لا تليق بهذا الطريق إن كان مرتديا لها واستبدالها بثياب التقوى والتواضع والزهد والصبر والحلم والايثار في هذه الرحلة الربانية.

يملك المرء متسعا من الوقت الذي يمكن استغلاله في طاعة الله وجعل لسانه لهجا بذكره تعالى بتكرار آلاف المرات ما شاء من التكبير والتهليل والتسبيح والتمجيد والصلاة على محمد وآله وقراءة القرآن الكريم وما شاء من الأدعية.

عشق خدام الحسين (ع)

وعندما نتحدث عمن حملوا وسام خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) يقف المرء إجلالا لهم ويقبل رؤوسهم بما يقدمونه من خدمات جليلة متميزة بصدر رحب وأريحية وبشاشة وجه وإصرار وإلحاح محاولين إقناع الزائرين ليمنوا ويتكرموا عليهم بقبول الضيافة لديهم للنوم وتناول المأكولات والمشروبات والخدمات الأخرى على امتداد الطريق.

جميع الخدمات الضرورية التي يحتاجها الإنسان متوفرة مجانا بحيث لا يحتاج أي شخص لحمل أكثر من حقيبة صغيرة يضع فيها بعض المتطلبات الخاصة لقد سخر الله خدما ويتشرفون بهذه الكلمة ليكونوا خدما للإمام الحسين (عليه السلام) وزواره وتقديم جميع الخدمات مما لذ وطاب من مأكل ومشرب ومسكن ووسائل نقل وخدمات طبية بل حتى خدمات المساج وغسيل الملابس وإصلاح العربات للأطفال وكبار السن وغيرها من خدمات.

إنهم قوم ضربوا أروع الأمثلة في السخاء والبذل والعطاء حتى وإن كانت حالتهم المادية ضعيفة فإن الكثير منهم يدخر شيئا مما يحصله في كل شهر لكي يحظى ويفخر ويفوز بشرف خدمة زوار الإمام الحسين (عليه السلام) في هذه الأيام لقد ضربوا واقعا أروع الدروس العملية في البذل والعطاء والتضحية والايثار والأخلاق والسجايا المحمدية التي تأثر بها الكثير وانعكست على سلوكهم وتصرفاتهم في البذل والعطاء بلا مقابل في سائر أيام حياتهم.

فعلى سبيل المثال انبرت بعض القوافل التي أبت على نفسها إلا المتاجرة مع الإمام الحسين (عليه السلام) وعدم السعي خلف الربح المادي من خدمة زواره ومن المواقف ما حدث من أحد الإخوة عندما استأجر منزلا لبعض الزوار وعلم بتأخرهم لظرف ما، فتح الباب ليستضيف بدون مقابل مجموعة من الزوار ممن لم يتمكنوا من الحصول على مكان للمكث فيه تلك الليلة وكثيرة هي الأمثلة التي يذوب فيها الجميع في خدمة أبي الضيم (عليه السلام) بتنافسهم وتفننهم في تقديم أي خدمة بشعار كل خدمة في محبة الحسين (عليه السلام) شرف وكرامة ولا إهانة في ساحة خدمته المواقف كثيرة جدا وأكتفي بذكر البعض منها من طريق المشاية ومن جوار سيد الشهداء (عليه السلام).

ومهما تحدثنا وأسهبنا في الحديث عن طريق العشق فالكلام فيه ليس له نهاية لان العشاق يسيرون الى مصباح الهدى وسيد شباب اهل الجنة التي ذاب العشاق في حبه وهم بزيادة مستمرة كل سنة أكثر من التي تسبقها فأي شخص هو ذاك الذي اسر تلك القلوب وجعلها تسير له دون تفكير في تعب ومشقة الطرق حقا سيدي قد جعل حبك فطري في قلوب الناس فها انت فاين من حاربك.

مركز النبأ الوثائقي يقدم الخدمات الوثائقية والمعلوماتية
للاشتراك والاتصال [email protected]
او عبر صفحتنا في الفيسبوك (مركز النبأ لوثائقي)

.................................................
المصادر
-جريدة البينة الجديدة
-شبكة النظائر الاخبارية
-موقع العتبة الحسينية المقدسة
-مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام
-مدونة م. عبد الله الحجي

اضف تعليق


التعليقات

محمد
العراق
احسنتم وفقكم الله وجعل ماكتبتم نورا في سجلات حسناتكم2021-09-28