يناقش المقال استمرار احتجاجات الخريجين في العراق بوصفها تعبيرًا عن أزمة أوسع تتصل بالبطالة وضعف التخطيط الحكومي والفساد والمحسوبية وتعثر فرص العمل. ويؤكد ضرورة الانتقال من الوعود والمعالجات المؤقتة إلى سياسات واقعية تدمج الخريجين في خطط الإصلاح والإنعاش الاقتصادي، وتضمن العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، مع فتح حوار جاد يحول...

ما زالت مظاهرات الخريجين القدامى والجدد مستمرة منذ منتصف شهر مايو الماضي في بغداد، وسط ارتباك واضح في التعامل مع هذه القضية الحساسة والمهمة، وتخبط في مواقف وزارة المالية والحكومة على حد سواء تجاه إيجاد حلول موضوعية لمشاكل هذه الشريحة الواسعة والمؤثرة من الشباب الواعي، الذين وجدوا أنفسهم عالقين في متاهات الروتين والفساد والمحسوبية والمنسوبية والأزمة الاقتصادية، من دون رؤية موضوعية تضع حدًا لمعاناتهم وتفتح أمامهم أبواب العمل والإنتاج والمشاركة في بناء الدولة، وهم من مضى على تخرجهم من (5 إلى 12) سنة، ويفوق تعداد المسجلين منهم اليوم، وفقًا لتصريح ممثلهم في بغداد حيدر الذبحاوي، 150 ألفًا، يتناوبون التظاهر أمام مبنى مجلس الوزراء ووزارة المالية في بغداد بشكل يومي ومستمر، فهل من حلول تنصف هذه الشريحة؟

إن استمرار احتجاجات الخريجين لهذه المدة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مطالبة بالتعيين أو ملفًا وظيفيًا عابرًا، بل هو مؤشر على أزمة أوسع تتعلق بالتخطيط الحكومي وبمستقبل شريحة كبيرة من الشباب، وبمدى قدرة الدولة على تحويل طاقات الخريجين من طاقة احتجاجية إلى طاقة إنتاجية خلاقة تخدم المجتمع والاقتصاد.

فالخريج الذي أمضى سنوات في الدراسة ثم يجد نفسه أمام أبواب مغلقة، بينما يرى أحيانًا أن فرص العمل تخضع لاعتبارات سياسية أو للمحسوبية والمنسوبية أو العلاقات والمصالح الضيقة أو الفساد، سيفقد الثقة بجدوى الانتظار والوعود، إن عاجلًا أم آجلًا، وسوف يلجأ إلى الشارع للمطالبة بحقه ومستقبله.

إن المطلوب اليوم ليس المزيد من الوعود أو الإجراءات التعسفية في التعامل أو كبت أصوات هذه الشريحة، مثلما حدث من احتكاك غير مقبول أمام وزارة المالية قبل فترة، وإنما معالجة واقعية ومدروسة تضع الخريجين في صلب أي خطة حكومية للإنعاش والإصلاح الاقتصادي، مع ضمان العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص في التعيين، وفتح باب الحوار مع ممثلي هذه التظاهرات والاستماع إلى مطالبهم ومقترحاتهم؛ لأن ترك هذه الشريحة الواسعة معلقة بين الشهادة والبطالة والاحتجاج لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الحالية لا حلها.

اضف تعليق