تكشف الصَّحيفة السجاديَّة عن صورةٍ متكاملةٍ للنَّبيِّ الأعظم محمَّد، تجمع بين سموِّ المقام، وكمال الرِّسالة، وعظمة الأخلاق، وعمق المسؤوليَّة الإلهيَّة. وتأتي أدعية الإمام السجَّاد شاهدةً على هذه الحقيقة؛ إذ تستلهم هدي القرآن في إبراز مكانة الرَّسول ودوره في هداية الإنسان وبناء الأمَّة. ومن هنا، فإنَّ المعرفة الواعية بشخصيَّته...

الصَّحيفة السجَّاديَّة من المصادر الإسلاميَّة التي حفظت جانبًا مهمًّا من المعارف العقديَّة والأخلاقيَّة. ولم تقتصر أدعيتها على بيان العلاقة التَّعبديَّة بين العبد وربِّه (سبحانه)، فقد اشتملت على مضامين فكريَّة عميقة رسمت ملامح التَّصور الإسلامي للتَّوحيد والنُّبوة والإمامة والإنسان والمجتمع. ومن بين هذه المضامين ما يتعلَّق بشخصيَّة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، حيث قدَّم الإمام عليُّ بن الحسين السجاد (عليهما السلام) رؤية متكاملة لمقامه ومنزلته ووظيفته الرِّساليَّة، من خلال لغة الدُّعاء التي جمعت بين الثَّناء على الله (تعالى)، وبيان فضائل النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، واستحضار أدواره في نجاح الرِّسالة الإسلاميَّة.

 واللافت في هذه الأدعية أنَّها تقدِّم سيرة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) باعتبارها مشروعًا إلهيًّا متكاملًا ارتبط بالهداية الإلهيَّة، وإقامة الدِّين، وبناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، وانتهى إلى المقام الأخروي الذي اختَّصه الله (تعالى) به.

 وتتجلَّى في (دعاء الإمام عليه السلام في الصَّلاة على رسول الله صلَّى الله عليه وآله) معالم هذا التَّصور من خلال الإشارة إلى الامتنان الإلهي ببعثة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وبيان صفاته الرِّسالية، واستعراض ما تحمَّله من تضحيات في سبيل الدَّعوة، وبيان دور الهجرة والجهاد في تثبيت الرِّسالة، ثمَّ ختم ذلك ببيان منزلته الأخرويَّة وما أكرمه الله (عزَّ وجلَّ) به من المقام المحمود والشَّفاعة العظمى.

المحور الأوَّل: الامتنان الإلهي ببعثة الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)

 من أهمِّ المضامين العقديَّة التي عرضتها الصَّحيفة السجاديَّة الامتنان الإلهي ببعثة الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)؛ إذ يؤكِّد الإمام السجاد (عليه السلام) إلى البعثة النَّبويَّة بوصفها أعظم عطايا الله (تعالى) للإنسانيَّة، لما اشتملت عليه من الهداية، وإخراج النَّاس من ظلمات الجهل والضَّلال إلى نور الإيمان والمعرفة. يقول الإمام (عليه السلام): "وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ، بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا تَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ عَظُمَ، وَلَا يَفُوتُهَا شَيْءٌ وَإِنْ لَطُفَ، فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ ذَرَأَ، وَجَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ، وَكَثَّرَنَا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ"(1).

 وللوقوف على دلالة لفظ "المنَّة" الوارد في هذا النَّص، تجدر الإشارة إلى معناه اللغوي؛ فقد جاء في المعاجم:

"مَنَّ عليه يَمُنُّ مَنّاً: أَحسن وأَنعم، والاسم المِنَّةُ. ومَنَّ عليه وامْتَنَّ وتمَنَّنَ: قَرَّعَه بِمِنَّةٍ" (2). 

 وانطلاقًا من هذا المعنى، يظهر أنَّ لفظ "المنَّة" في سياق كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام) يدلُّ على النِّعمة والعطاء الإلهي المتفضَّل به على عباده؛ إذ يحمد الإمام (عليه السلام) اللهَ (تعالى) على منَّة بعثة النَّبي الأكرم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، بوصفها نعمةً إلهيَّةً عظيمةً تجلَّت فيها رحمته بعباده؛ لما حملته الرِّسالة المحمَّديَّة من هدايةٍ وتشريعٍ وإرشادٍ إلى سبيل الحقِّ والصَّلاح؛ إذ كانت بعثته (صلَّى الله عليه وآله) مظهرًا لفيض الإحسان الإلهي ومنَّةً عظيمةً امتازت بها هذه الأمَّة على سائر الأمم والقرون السَّابقة. فالنُّبوَّة هي مظهر للعناية الإلهيَّة التي اقتضت هداية البشر وإقامة الحجَّة عليهم، ولذلك عبَّر الإمام (عليه السلام) عن البعثة بصيغة الامتنان الإلهي، منسجمًا مع قول الله (تعالى): (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)(3). فالآية الكريمة تصف البعثة بأنَّها منَّة إلهيَّة؛ لأنَّها اقترنت بالتِّلاوة والتَّزكية والتَّعليم، وهي الأسُس التي يقوم عليها بناء الإنسان المؤمن.

 ويشير قوله (عليه السلام): "دُونَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ" إلى خصوصيَّة هذه الأمَّة باصطفائها لنبيٍّ خاتم (صلَّى الله عليه وآله)، أُرسلت رسالته إلى النَّاس كافَّة، بخلاف أغلب الرِّسالات السَّابقة التي ارتبطت بأقوام مخصوصين أو أزمنة محدَّدة. وقد عبَّر القرآن الكريم عن عالميَّة الرِّسالة بقوله (سبحانه): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(4)، وقوله (عزَّ وجلَّ): (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(5)، وهو ما يبيِّن أنَّ الرِّسالة المحمَّديَّة تمثِّل الرِّسالة الخاتمة.

 ثمَّ يربط الإمام السجاد (عليه السلام) هذا الاصطفاء الإلهي بصفة القدرة المطلقة لله (جلَّ جلاله)، فيقول: "بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا تَعْجِزُ عَنْ شَيْ‏ءٍ وإِنْ عَظُمَ، ولَا يَفُوتُهَا شَيْ‏ءٌ وإِنْ لَطُفَ"، وهي عبارة تؤكِّد أنَّ بعثة النَّبيِّ المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) جرت وفق الحكمة الإلهيَّة والقدرة الشَّاملة التي لا يعجزها أمر، كبيرًا كان أم صغيرًا، ظاهرًا أم خفيًّا. 

 وبعد هذا البيان يبرز تساؤلٌ يستحق التَّأمل، وهو: ما السرُّ في أنَّ الإمام (عليه السلام) لم يقتصر على قوله: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ"، وأردف ذلك بقوله: "بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا تَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ وَإِنْ عَظُمَ، وَلَا يَفُوتُهَا شَيْءٌ وَإِنْ لَطُفَ"؟

 وما وجه المناسبة بين الحديث عن القدرة الإلهيَّة المطلقة وبين الامتنان ببعثة النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)؟

 يظهر من خلال التَّأمل في ألفاظ الدُّعاء وسياقه أنَّ هذه الزِّيادة لم ترد على سبيل التَّأكيد اللفظي؛ وإنَّما انطوت على دلالات عقديَّة ومعرفيَّة عميقة، ويمكن الإشارة إلى جملةٍ من الاحتمالات في بيان ذلك.

 الاحتمال الأوَّل: أنَّ الإمام (عليه السلام) أراد أن يلفت الأنظار إلى أنَّ مقام النبوةـ وكذلك الإمامة التي امتدَّت بها الهداية بعد خاتم الأنبياء (صلَّى الله عليه وآله) هو اصطفاءٌ إلهيٌّ محض، منشؤه العلم الإلهي المحيط والحكمة البالغة والقدرة النَّافذة. فالله (سبحانه) هو الذي يختار رسله وأولياءه (عليهم السلام)، ويهيئهم لتحمُّل أعباء الرِّسالة، كما قال (سبحانه): (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)(6)، وقال (سبحانه): (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)(7). ومن هذا المنطلق، فإنَّ ذكر القدرة الإلهيَّة في هذا الموضع يُذكِّر بأنَّ اختيار النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) هو مظهرٌ من مظاهر القدرة الإلهيَّة المقترنة بالحكمة المطلقة، التي لا يعجزها إيجاد أكمل الخلق، ولا يفوتها تشخيص من هو أهلٌ لحمل أمانة الوحي.

 الاحتمال الثَّاني: أنَّ الإمام (عليه السلام) أراد بيان أنَّ الشَّخصية المحمَّديَّة بجميع أبعادها تمثِّل أكمل مصاديق الصنعة الإلهيَّة؛ إذ اجتمع فيها كمال العلم، وكمال العمل، وكمال الأخلاق، وكمال الخِلقة والخَلْق، الأمر الذي ينسجم مع افتتاح الفقرة بذكر القدرة الإلهيَّة التي لا يحدها حدّ؛ لأنَّ إيجاد إنسانٍ بهذه المرتبة من الكمال شاهدٌ على القدرة المطلقة لله (تعالى).

 فأمَّا من جهة العلم، فقد قال الله (سبحانه): (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)(8)، وهي آية تدل على أنَّ ما امتلكه النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) من المعارف والعلوم إنَّما هو فيضٌ إلهي بلغ الغاية في الكمال.

 وأمَّا من جهة الأخلاق، فقد أثنى الله (تعالى) عليه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (9)، وهو ثناءٌ قرآني لم يرد في حقِّ أحدٍ غيره، ممَّا يكشف عن بلوغه الذَّروة في مكارم الأخلاق.

 وأمَّا من جهة كمال صورته وخِلْقته، روي عن أبي عبدالله (عليه السلام): "استَأذَنَت زَليخا عَلى يوسُفَ، فَقيلَ لَها: يا زَليخا، إنَّا نَكرَهُ أن نُقَدِّمَ بِكِ عَلَيهِ؛ لِما كانَ مِنكِ إلَيهِ؛ قالَت: إنِّي لا أخافُ مَن يَخافُ اللَّهَ، فَلَمَّا دَخَلَت. 

قالَ لَها: يا زَليخا، مالي أراكِ قَد تَغَيَّرَ لَونُكِ؟

قالَت: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي جَعَلَ المُلوكَ بِمَعصِيَتِهِم عَبيداً، وجَعَلَ العَبيدَ بِطاعَتِهِم مُلوكاً.

قالَ لَها: يا زَليخا، مَا الَّذي دَعاكِ إلى ما كانَ مِنكِ؟

قالَت: حُسنُ وَجهِكَ يا يوسُفُ.

فَقالَ: كَيفَ لَو رَأَيتِ نَبِيّاً يُقالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ، يَكونُ في آخِرِ الزَّمانِ أحسَنَ مِنّي وَجهاً، وأحسَنَ مِنِّي خُلُقاً، وأسمَحَ مِنّي كَفّاً.

قالَت: صَدَقتَ.

قالَ: وكَيفَ عَلِمتِ أنِّي صَدَقتُ؟

قالَت: لِأَنَّكَ حينَ ذَكَرتَهُ وَقَعَ حُبُّهُ في قَلبي، فَأَوحَى اللَّهُ (عزَّ وجلَّ) إلى يوسُفَ: أنَّها قَد صَدَقَت، وأنِّي قَد أحبَبتُها لِحُبِّها مُحَمَّداً (صلَّى الله عليه وآله)، فَأَمَرَهُ اللَّهُ (تَبارَكَ وتَعالى) أن يَتَزَوَّجَها"(10).

 وعلى هذا الأساس، فإنَّ اقتران الامتنان ببعثة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بذكر القدرة الإلهيَّة المطلقة يوجِّه الذِّهن إلى أنَّ هذا الوجود المبارك بكلِّ ما اشتمل عليه من خصائص علميَّة وروحيَّة وأخلاقيَّة وجسمانيَّة إنَّما هو أثرٌ من آثار القدرة الإلهيَّة التي لا يعجزها إيجاد أكمل إنسان، ولا يخفى عليها ما تقتضيه الحكمة من إعداد الرَّسول الذي يكون خاتم الأنبياء وسيِّد المرسلين.

 ثمَّ ينتقل الإمام (عليه السلام)، فيقول: "فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ ذَرَأَ"؛ ليبيِّن عقيدة ختم النُّبوَّة، وأنَّ الله (تعالى) جعل الرَّسول محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء والمرسلين؛ فلم تبقَ بعده رسالة جديدة. ويتوافق هذا المعنى مع قوله (تعالى): (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)(11). ومن ثمَّ أصبحت الشَّريعة الإسلاميَّة المرجع الإلهي الأخير للبشريَّة، لما تمتاز به من الشُّمول والخلود والقدرة على استيعاب حاجات الإنسان في مختلف العصور.

 ويتضمَّن قوله (عليه السلام): "وجَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ"، إشارة إلى المنزلة التي خصَّ الله (تعالى) بها أهل البيت (صلوات الله عليهم)؛ إذ جعلهم شهداء على الأمم الأخرى عن طريق حفظهم للرِّسالة الخاتمة وتمسكهم بها ونشرها على الرَّغم من كلِّ التَّحديات التي واجهتهم(12). وهذا المفهوم مستند إلى قوله (تعالى): (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(13)، وتدل هذه الشَّهادة على قيام الحجَّة بالرِّسالة الخاتمة، وامتلاك الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) لمقوِّمات البيان والحقِّ التي تجعلها مرجعًا في معرفة الدِّين الإلهي.

 أمَّا قوله (عليه السلام): "وكَثَّرَنَا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ"، فيُحمل على اتِّساع دائرة الإسلام وانتشاره بين الأمُم، بعد أن كانت بدايات الدَّعوة محدودة في أتباعها. ويُفهم من هذا التَّعبير أنَّ كثرة الأمَّة هي من آثار الفضل الإلهي، ومننه المتتابعة على أتباع الرِّسالة الخاتمة.

المحور الثَّاني: الصِّفات الرِّساليَّة للرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)

 يبيِّن الإمام السجاد (عليه السلام) في أدعيته مجموعةً من الصِّفات الرِّساليَّة التي اختَّص الله (تعالى) بها النَّبيَّ محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله)، وهي صفات تكشف عن منزلته عند الله (سبحانه)، وعن طبيعة الوظيفة التي اضطلع بها في تبليغ الرِّسالة الإلهيَّة وقيادة الأمَّة. يقول الإمام (عليه السلام): "اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إِمَامِ الرَّحْمَةِ، وَقَائِدِ الْخَيْرِ، وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ"(14).

 يفتتح الإمام (عليه السلام) هذا الوصف بكون الرَّسول المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) "أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ"، وهي صفة تعكس أعلى درجات الأمانة في تبليغ الرِّسالة الإلهيَّة، فقد تلقَّى الوحي كما أنزله الله (تعالى)، ونقله إلى النَّاس من غير زيادة أو نقصان أو تبديل. وتمثِّل الأمانة في الوحي أساس صدق الرِّسالة وصيانة الشَّريعة من التَّحريف، وهو ما يؤكِّده قوله (تعالى): (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(15)، وتكشف هذه الآية أنَّ النَّبي المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) كان الواسطة الأمينة بين السَّماء والأرض، حافظًا للوحي الإلهي في جميع مراحل تلقيه وبيانه.

 ويصفه الإمام (عليه السلام) بعد ذلك بأنَّه "ونَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ"، فيجمع هذا الوصف بين دلالتي التَّميُّز والاصطفاء الإلهي. ولفظ "النجيب" من الألفاظ الغنيَّة بالدلالات في اللغة العربية فـ" النَّجِيبُ من الرِّجال الكريمُ الحَسِيبُ... وقد نَجُبَ يَنْجُبُ نجابةً إِذا كان فاضلاً نَفيساً في نوعه... والنَّجابةُ: مَصْدَرُ النَّجِيبِ من الرِّجال، وهو الكريم ذو الحَسَب إِذا خَرَج خُروجَ أَبيه في الكَرَم؛ والفِعْلُ نَجُبَ يَنْجُبُ نَجابةً... والمُنْتَجَبُ: المُختارُ من كلِّ شيءٍ؛ وقد انْتَجَبَ فلانٌ فلاناً إِذا اسْتَخْلَصَه، واصْطَفاه اخْتياراً على غيره"(16). ومن ثمَّ، فإنَّ وصف الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) بـ"نجيب" يشير إلى كونه المختار من بين جميع الخلق؛ لما امتاز به من أكمل الصِّفات الإنسانيَّة وأسمى الفضائل الأخلاقيَّة، فهو الأجدر بحمل الرِّسالة الإلهيَّة والأكمل استعدادًا لتحمُّل أعباء الهداية.

 أمَّا الصفي فهو من "الصَّفْوُ والصَّفَاءُ، مَمْدودٌ: نَقِيضُ الكَدَرِ، صفَا الشَّيءُ والشَّرابُ يَصْفُو صَفاءً وصُفُوّاً، وصَفْوُه وصَفْوَتُه وصِفْوَتُه وصُفْوَتُه: ما صَفَا منه، وصَفَّيْتُه أَنَا تَصْفِيَةً. وصَفْوَةُ كُلِّ شيءٍ: خالِصُه من صَفْوَة المالِ وصَفْوَةِ الإِخَاء"(17). فنعرف من ذلك أنَّ الله (سبحانه) اصطفاه وطهَّره واختاره (صلَّى الله عليه وآله) لأداء أعظم المهام. ويشير هذا الوصف إلى أنَّ اختيار النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) جرى وفق العلم الإلهي المحيط بكماله واستعداده لحمل الرِّسالة الخاتمة، كما روي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): "إنَّ اللَّهَ اصطَفى مُحَمَّداً صلَّى الله عليه وآله بِالرِّسالَةِ، وأنبَأَهُ بِالوَحيِ، وأنالَ فِي النَّاسِ وأنالَ، وفينا أهلَ البَيتِ مَعاقِلُ(18) العِلمِ وأبوابُ الحِكمَةِ وضِياءُ الأَمرِ، فَمَن يُحِبُّنا مِنكُم نَفَعَهُ إيمانُهُ ويُقبَلُ مِنهُ عَمَلُهُ، ومَن لَم يُحِبَّنا مِنكُم لَم يَنفَعهُ إيمانُهُ ولا يُقبَلُ مِنهُ عَمَلُهُ"(19)، وهو ما ينسجم مع مضمون هذا الدُّعاء في بيان منزلة الاصطفاء الإلهي.

 ثمَّ يصف الإمام السجاد (عليه السلام) النَّبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّه "إِمَامِ الرَّحْمَةِ"، وهو وصف يكشف عن أنَّ الرَّحمة كانت السِّمة الجامعة لشخصيَّته ورسالته وسيرته، فقد اتَّخذ من الرَّحمة منهجًا في الدَّعوة، وأساسًا في التَّعامل مع المؤمنين وغيرهم. ومن هنا جاء التَّعبير بالإمامة؛ لأنَّ الرَّحمة كانت تقود جميع مواقفه وأحكامه، أو لأنَّ النَّبيَّ هو القدوة التي تُعرف من خلالها حقيقة الرَّحمة الإلهيَّة في حياة الإنسان. ويتوافق هذا المعنى مع قوله (تعالى): (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(20)، وقوله (سبحانه): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(21). كما روي عنه (صلَّى الله عليه وآله): "إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ"(22)، وهو تعبير يجسِّد حقيقة رسالته القائمة على الهداية، والرَّأفة بالخلق.

 ويتابع الإمام (عليه السلام) وصف النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّه "قَائِدِ الْخَيْرِ"، في إشارة إلى أنَّه الدَّليل الذي يهدي البشريَّة إلى كلِّ ما فيه صلاح دينها ودنياها. فالقيادة هنا تشمل الإدارة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، وتمتدُّ إلى توجيه الإنسان نحو الفضائل والقيم الإلهيَّة، وإبعاده عن مسالك الضَّلال والانحراف. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدَّور بقوله (تعالى): (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(23)، كما قال (سبحانه): (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)(24)، فكان (صلَّى الله عليه وآله) القائد الذي يجمع بين الهداية العلميَّة والعمليَّة.

 ويختم الإمام السجاد (عليه السلام) هذا المقطع بوصف النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّه "مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ"، و"البَرَكة: النَّماء والزِّيادة. والتَّبْريك: الدعاء للإِنسان أو غيره بالبركة. يقال: بَرَّكْتُ عليه تَبْريكاً، أي: قلت له: بارك الله عليك. وبارك الله الشَّيءَ وبارك فيه وعليه: وضع فيه البَرَكَة"(25). ومن هذا المعنى اللغوي يتبيَّن أنَّ البركة في المفهوم القرآني تعني ثبوت الخير ونماءه واستمراره. وقد كانت الرِّسالة المحمَّديَّة بابًا لبركات الله (تعالى) في العقيدة والتَّشريع والأخلاق والعمران، فمن خلالها عرف الإنسان طريق الهداية، واستقامت حياته الفرديَّة والاجتماعيَّة. ويشهد لذلك قوله (تعالى): (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(26).

المحور الثَّالث: تضحيات الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)

 تكشف الصَّحيفة السجاديَّة عن جانبٍ جوهري من شخصيَّة الرَّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، يتمثَّل في حجم التَّضحيات التي قدَّمها في سبيل إبلاغ الرِّسالة الإلهيَّة وإقامة الدِّين. فقد رسم الإمام السجاد (عليه السلام) صورةً متكاملة لجهاد النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، موضحًا أنَّ طريق الدَّعوة والتَّبليغ امتلأ بالمشقة والابتلاء، وكان النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) المثال الأكمل في الصَّبر والثَّبات والإخلاص لله (تعالى). يقول الإمام (عليه السلام): "كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ، وَعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَاءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ، وَحَارَبَ فِي رِضَاكَ أُسْرَتَهُ، وَقَطَعَ فِي إِحْيَاءِ دِينِكَ رَحِمَهُ، وَأَقْصَى الْأَدْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ، وَقَرَّبَ الْأَقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ، وَوَالَى فِيكَ الْأَبْعَدِينَ، وَعَادَى فِيكَ الْأَقْرَبِينَ، وَأَدْأَبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ، وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعَاءِ إِلَى مِلَّتِكَ، وَشَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لِأَهْلِ دَعْوَتِكَ"(27).

 قدَّم الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا المقطع تصويرًا بليغًا لما بذله الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) في سبيل أداء الرِّسالة الإلهيَّة؛ إذ قال: "كَمَا نَصَبَ لِأَمْرِكَ نَفْسَهُ"، وهي عبارة تختزل ما تحمَّله النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) من عناءٍ ومشقَّة في تنفيذ أوامر الله (تعالى) وتبليغ دينه. وتكشف المعاجم اللغويَّة عن دلالات متعدِّدة لكلمة "النَّصَب"؛ من أبرزها " النَّصَبُ: الإِعْياءُ من العَناءِ... ونَصبَ الرجلُ: جَدَّ..." (28). وعليه يكون معنى العبارة أنَّ الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) جعل نفسه عرضةً للمشقَّات، وبذل أقصى طاقته في إنفاذ أمر الله (تعالى) وإقامة رسالته.

 وتحمل الكلمة دلالةً أخرى لا تقل أهميَّة، وهي معنى الإقامة والرَّفع، فقد جاء في اللغة: "النَّصْبُ: وَضْعُ الشَّيءِ ورَفْعُه"(29). "وعلى هذا المعنى "يكون المراد بنفسه عليَّ بن أبي طالب (عليه السّلام) فإنَّه نفسه بحكم اللّه (عزَّ وجلَّ) وحكم الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، قال الله (تبارك وتعالى): (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)(30)؛ والمراد به علي عليه السّلام إجماعًا، وقوله (صلَّى اللّه عليه وآله): "ياعليُّ، نفسُك نفسي، وحربُك حربي"(31)، وقد استفاض عن الإمام الصَّادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ)(32)، قوله "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) حَاجّاً، فَنَزَلَتْ: فَإِذٰا (فَرَغْتَ) مِنْ حِجَّتِكَ فَانْصَبْ عَلِيّاً لِلنَّاسِ"(33)، وقوله (لأمرك)؛ أي: لأجل مصالح دينك؛ فإنَّ به كان تمام دين الإسلام، بحكم قوله (تعالى): (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(34)، ولأنَّك أمرته به بقولك: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)(35).

 فنخلص من ذلك أنَّه جعل حياته (صلَّى الله عليه وآله) كلَّها، وجعل حياة أهل بيته (عليهم السلام) وقفًا على تنفيذ الأمر الإلهي، فلم يكن له هدف يعلو على إبلاغ الدِّين وإقامة شريعة الله (سبحانه). ويكشف هذا التَّعبير عن أسمى مراتب الإخلاص والتَّفاني، حيث انصرفت طاقات النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى أداء التَّكليف الإلهي دون التفات إلى ما يترتب عليه من مشقَّة أو حرمان. ويؤيِّد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله (تعالى): (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(36)؛ إذ تجسِّد سيرة النَّبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) التَّطبيق العملي لهذا المبدأ.

 ويواصل الإمام (عليه السلام) تصوير حجم المعاناة التي تحمَّلها الرَّسول محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) بقوله: "وعَرَّضَ فِيكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ" في إشارة إلى ما لقيه من ألوان الأذى الجسدي والنَّفسي خلال مسيرته وتبليغه للدَّعوة الإسلاميَّة، فقد تعرَّض للسُّخرية والإيذاء والمقاطعة والحصار ومحاولات القتل، وتحمَّل جميع ذلك ابتغاء مرضاة الله (تعالى). وقد وصف القرآن الكريم جانبًا من هذه المعاناة بقوله (سبحانه): (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (37)، وقوله (تعالى): (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (38)، وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أكمل مصاديق هذا الصَّبر.

 ثمَّ ينتقل الإمام (عليه السلام) إلى بيان موقف رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من أقرب النَّاس إليه، فيقول: "وكَاشَفَ فِي الدُّعَاءِ إِلَيْكَ حَامَّتَهُ"، و"كاشفه بالعداوة، أي: بادأه بها"(39). فيكون المعنى: عادى في رضاك (سبحانك) خاصَّته وأقاربه وعشيرته الأقربين(40). وتكشف هذه العبارات عن أنَّ الدَّعوة الإسلاميَّة قامت على أساس العقيدة لا العصبيَّة القبليَّة، فلم تمنع صلةُ القرابةِ النَّبيَّ المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) من إعلان الحقِّ ومواجهة من وقف في وجه الرِّسالة، ولو كان من عشيرته الأقربين. وقد جسَّد القرآن الكريم هذا المبدأ في قوله (تعالى): (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(41)، وقال الإمام عليٌّ (عليه السلام) في بيان هذه الآية المباركة: "دَعَا رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وآله بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وَهُمْ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُونَ رَجُلًا، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَكُونُ أَخِي وَوَارِثِي وَوَزِيرِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ بَعْدِي؟!. فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ رَجُلًا رَجُلًا كُلَّهُمْ يَأْبَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَى عَلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ صلَّى الله عليه وآله: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ هَذَا أَخِي وَوَارِثِي وَوَصِيِّي وَوَزِيرِي وَخَلِيفَتِي فِيكُمْ بَعْدِي، فَقَامَ الْقَوْمُ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَيَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تَسْمَعَ وَتُطِيعَ لِهَذَا الْغُلَامِ"(42).

 كما أنَّ سورة المسد قدَّمت مثالًا واضحًا في موقف أبي لهب الذي لم تشفع له قرابته من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، قال (تعالى): (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)(43). ويؤكِّد الإمام السجاد (عليه السلام) أنَّ معيار القرب والبعد عند النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) كان قائمًا على الإيمان، لا على النَّسب، وذلك في قوله (عليه السلام): "وأَقْصَى الْأَدْنَيْنَ عَلَى جُحُودِهِمْ، وقَرَّبَ الْأَقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ. ووَالَى فِيكَ الْأَبْعَدِينَ، وعَادَى فِيكَ الْأَقْرَبِينَ"، فالمقياس الذي حكم علاقاته الاجتماعيَّة هو موقف الإنسان من الحقِّ، ولذلك ابتعد عن أقرب النَّاس إليه إذا اختاروا طريق الكفر، وأكرم من لا تربطه بهم صلة نسب إذا استجابوا لله (تعالى) ورسوله (صلَّى الله عليه وآله). وهذا المعنى ينسجم مع قوله (تعالى): (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (44). كما تجلَّت هذه الحقيقة في سيرة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، فقد احتفى بسلمان الفارسي حتَّى قال (صلَّى الله عليه وآله): "سَلْمان مِنَّا أهلَ البَيتِ"(45)، في حين تبرأ (صلَّى الله عليه وآله) من مواقف بعض أقاربه الذين أصرُّوا على الكفر ومحاربة الدَّعوة.

 ويختم الإمام (عليه السلام) هذا المقطع بقوله (صلَّى الله عليه وآله): "وأَدْأَبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ، وأَتْعَبَهَا بِالدُّعَاءِ إِلَى مِلَّتِكَ، وشَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لِأَهْلِ دَعْوَتِكَ"، "أي: أتعبها، وقد حصل لنفسه الشَّريفة التَّعب في مواضع، أحدها: الغزوات والمنازعات مع الكفار، وثانيها: تفهيم المطالب الدَّقيقة الإلهيَّة، وإيصالها إلى العقول النَّاقصة، وثالثها: التَّكلم مع كلِّ شخص يما يليق بحاله، وفيه تعب عظيم؛ لأنَّ منه يثار تكذيبه والطَّعن عليه ونسبته إلى الجهالة والنِّسيان، ورابعها: التَّعب الذي حصل له (صلَّى الله عليه وآله) بسبب تنزله من مراتب القرب الذي منه قوله (تعالى): (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ)(46) إلى مراتب الحياة البشريَّة ومواجهة أقوامٍ لا يدركون مقامه، ولا يستجيبون لرسالته، كما أشار (تعالى) إلى ذلك بقوله: (مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ)(47)، فإنَّه (تعالى) ربَّاه وغذَّاه بالكمالات والعلوم والآداب من ولادته إلى مدَّة أربعين سنة، وقد رقَّاه الله (سبحانه) في مراتب الكمال والقرب والآداب، ثمَّ أرسله إلى قومٍ غلب عليهم الجحود والعناد، فكان نزوله إليهم ومواجهته لإعراضهم سببًا في ألمٍ وحزنٍ شديدين؛ إذ لم يستجيبوا لرسالته إلَّا قليلًا، مع شدَّة حرصه (صلَّى الله عليه وآله) على هدايتهم. حتَّى قال الله (عزَّ وجلَّ): (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا)(48)، تسليةً له وبيانًا أنَّ وظيفته البلاغ، لا حمل النَّاس على الهداية؛ فقال (جلَّ جلاله): (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (49)"(50).

 وروي عن الإمام عليٍّ (عليه السلام) في وصف النَّبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): "اخْتَارَه مِنْ شَجَرَةِ الأَنْبِيَاءِ، ومِشْكَاةِ الضِّيَاءِ، وذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ، وسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ، ومَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، ويَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ... طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّه قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَه، وأَحْمَى مَوَاسِمَه، يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْه، مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وآذَانٍ صُمٍّ، وأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِه مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، ومَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ"(51)، وهو وصف يجسِّد عنايته المستمرة بإصلاح المجتمع، ومعالجة أمراضه الفكريَّة والأخلاقيَّة، ويكشف عن طبيعة الرِّسالة التي حملها بوصفها مشروعًا شاملًا لهداية الإنسان.

المحور الرَّابع: الهجرة والجهاد في بناء الرِّسالة

 يقدِّم الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا المقطع رؤيةً متكاملة للهجرة والجهاد بوصفهما مرحلتينِ أساسيتينِ في مسيرة الرِّسالة الإسلاميَّة. فالهجرة مثَّلت خطوة استراتيجيَّة اقتضتها حكمة الدَّعوة، بينما جاء الجهاد امتدادًا لهذه المرحلة من أجل تثبيت الدَّولة الإسلاميَّة وحماية العقيدة وإزالة العوائق التي تحول دون وصول رسالة الإسلام إلى النَّاس. فيقول الإمام (عليه السلام): "وَهَاجَرَ إِلَى بِلَادِ الْغُرْبَةِ، وَمَحَلِّ النَّأْيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ، وَمَوْضِعِ رِجْلِهِ، وَمَسْقَطِ رَأْسِهِ، وَمَأْنَسِ نَفْسِهِ، إِرَادَةً مِنْهُ لِإِعْزَازِ دِينِكَ، وَاسْتِنْصَارًا عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ، حَتَّى اسْتَتَبَّ لَهُ مَا حَاوَلَ فِي أَعْدَائِكَ، وَاسْتَتَمَّ لَهُ مَا دَبَّرَ فِي أَوْلِيَائِكَ، فَنَهَدَ إِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحًا بِعَوْنِكَ، وَمُتَقَوِّيًا عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ، فَغَزَاهُمْ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ، وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي بُحْبُوحَةِ قَرَارِهِمْ، حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُكَ، وَعَلَتْ كَلِمَتُكَ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" (52).

 يفتتح الإمام زين العابدين (عليه السلام) هذا المقطع بالإشارة إلى هجرة الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، مبيِّنًا أنَّه غادر وطنه، وموطن نشأته، ومحل استقراره وأُنسه، متحمِّلًا مرارة الفراق وما يرافقه من مشقَّة نفسيَّة واجتماعيَّة، ابتغاء مرضاة الله (تعالى). ويكشف هذا الوصف عن أنَّ الهجرة في المفهوم الإسلامي هي موقف عقدي اقتضته مصلحة الرِّسالة، عندما أصبحت البيئة المكَّية غير مهيأة لاستمرار الدَّعوة ونجاحها. وقد أشار القرآن الكريم إلى منزلة الهجرة بقوله (تعالى): (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)(53)، كما قال (سبحانه): (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(54)، وهو ما يبيِّن أنَّ الهجرة كانت بداية مرحلة جديدة في بناء المجتمع الإسلامي.

 ويبيِّن الإمام (عليه السلام) أنَّ الغاية من هذه الهجرة هي "إِرَادَةً مِنْهُ لِإِعْزَازِ دِينِكَ، وَاسْتِنْصَارًا عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ"، وهو تعبير يكشف أنَّ النَّبيَّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) لم يغادر مكَّة طلبًا للأمن الشَّخصي؛ وإنَّما سعيًا إلى إيجاد البيئة التي تستطيع الرِّسالة أن تنطلق منها بحرية، وأن تمتلك مقوِّمات الدِّفاع عن نفسها في مواجهة القوى التي سعت إلى القضاء عليها. 

 ثم يشير الإمام السجاد (عليه السلام) إلى النَّتائج التي ترتبت على الهجرة، بقوله: "حَتَّى اسْتَتَبَّ لَهُ مَا حَاوَلَ فِي أَعْدَائِكَ، واسْتَتَمَّ لَهُ مَا دَبَّرَ فِي أَوْلِيَائِكَ"، أي: إنَّ المشروع الرِّسالي بلغ مرحلة الاستقرار، واكتمل البناء الاجتماعي والسياسي للأمَّة الإسلاميَّة، وتمكَّنت الدَّعوة من مواجهة أعدائها وحماية المؤمنين. ويكشف هذا النَّص أنَّ ما تحقَّق من انتشار الإسلام جاء نتيجة تخطيط نبوي قائم على الحكمة، ورعاية إلهيَّة صاحبت مراحل الدَّعوة كافَّة. 

 ويواصل الإمام (عليه السلام) وصف مرحلة الجهاد بقوله: "فَنَهَدَ إِلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحاً بِعَوْنِكَ، ومُتَقَوِّياً عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ"، ومعنى "نهد" يشير إلى الارتفاع والنُّهوض والظُّهور والخروج(55)، وفي هذا إشارة إلى أنَّ النَّبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) دخل ميادين المواجهة معتمدًا على تأييد الله (تعالى)، لا على كثرة العدد أو وفرة العدَّة. فقد كانت الإمكانات الماديَّة للمسلمين محدودة في بدايات الدَّولة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ الثِّقة بوعد الله (سبحانه) والثَّبات على الحقِّ كانا مصدر القوَّة الحقيقيَّة. وقد أكَّد القرآن الكريم هذا الأصل بقوله (تعالى): (إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)(56)، وقال (سبحانه): (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ)(57)، وهما آيتان تجسِّدان حقيقة النَّصر الإلهي الذي رافق مسيرة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

 ويصف الإمام (عليه السلام) بعد ذلك انتقال المسلمين إلى مرحلة المبادرة بقوله: "فَغَزَاهُمْ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ. وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي بُحْبُوحَةِ قَرَارِهِمْ حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُكَ"؛ "والظَّاهر أنَّ المراد به فتح مكة، ويحتمل الأعم"(58)، وهي إشارة إلى أنَّ الدَّعوة الإسلاميَّة لم تبق في موقع الدِّفاع بعد أن اشتدَّ عودها، وأصبحت تمتلك القدرة على إزالة مراكز العدوان التي كانت تهدِّد وجود المسلمين وتمنع انتشار الرِّسالة. وقد جاءت هذه المواجهات في إطار الدِّفاع عن الدِّين، وحماية المجتمع الإسلامي، كما قال الله (تعالى): (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (59). 

 ويختم الإمام السجاد (عليه السلام) هذا المقطع بقوله: "حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُكَ، وعَلَتْ كَلِمَتُكَ، ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ"، وهو بيان للثَّمرة النِّهائية لمسيرة الهجرة والجهاد؛ إذ انتشر الإسلام، ورسخت أصوله، وأصبح دين الله (تعالى) ظاهرًا بين الأمم، على الرَّغم من معارضة المشركين وسعيهم إلى إطفاء نور الرِّسالة. ويتَّفق هذا المعنى مع قوله (تعالى): (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(60)، وقوله (سبحانه): (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(61). 

المحور الخامس: المنزلة الأخرويَّة للرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)

 يكشف الإمام السجاد (عليه السلام) في هذا المقطع عن المنزلة الأخرويَّة التي أعدَّها الله (تعالى) لرسوله الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، مبيِّنًا أنَّ ما ناله من المقام الرَّفيع يوم القيامة هو ثمرة ما بذله من جهاد وصبر وتضحية في سبيل تبليغ الرِّسالة وإقامة الدِّين. وتعرض هذه الفقرة مجموعة من المفاهيم العقديَّة، منها علو منزلة النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وتفرده بالمقام المحمود، وثبوت الشَّفاعة العظمى له، وصدق الوعد الإلهي الذي لا يتخلَّف. يقول الإمام (عليه السلام): "اللَّهُمَّ فَارْفَعْهُ بِمَا كَدَحَ فِيكَ إِلَى الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنْ جَنَّتِكَ، حَتَّى لَا يُسَاوَى فِي مَنْزِلَةٍ، وَلَا يُكَافَأَ فِي مَرْتَبَةٍ، وَلَا يُوَازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَعَرِّفْهُ فِي أَهْلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أَجَلَّ مَا وَعَدْتَهُ، يَا نَافِذَ الْعِدَةِ، يَا وَافِيَ الْقَوْلِ، يَا مُبَدِّلَ السَّيِّئَاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ، إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"(62).

 يستهل الإمام السجاد (عليه السلام) الدُّعاء بطلب رفع النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) إلى"الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا"، مع ربط هذا المقام بما بذله من جهد في سبيل الله (تعالى)، في قوله: "بِمَا كَدَحَ فِيكَ". ويكشف هذا التَّعبير عن العلاقة بين العمل الرِّسالي والجزاء الإلهي، فكل ما تحمَّله الرَّسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) من أعباء الدَّعوة، وصبر عليه من أذى، وجاهد من أجله لإقامة الدِّين، يقابله تكريم إلهي يليق بعظمة تلك الرِّسالة. ويشهد لهذا المعنى قوله (تعالى): (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)(63)، وهي آية تبشر النّبيَّ محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) بعطاء أخروي واسع يبلغ به مقام الرِّضا الكامل.

 ويؤكِّد الإمام (عليه السلام) بعد ذلك تفرُّد النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في المنزلة الإلهيَّة، بقوله: "حَتَّى لَا يُسَاوَى فِي مَنْزِلَةٍ، ولَا يُكَافَأَ فِي مَرْتَبَةٍ، ولَا يُوَازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ"، وهو بيان لعقيدة تفضيل الرَّسول الخاتم (صلَّى الله عليه وآله) على سائر الخلق، وأنَّ منزلته عند الله (تعالى) منزلة لا يدانيها أحد من الملائكة أو الأنبياء أو الأوصياء (عليهم السلام). ويجد هذا المعنى أساسه في قوله (تعالى): (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)(64)، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يَا عَلِيُّ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَلَّكَنِي الشَّفَاعَةَ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنْ أُمَّتِي وَحَظَرَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ نَاصَبَكَ أَوْ نَاصَبَ وُلْدَكَ مِنْ بَعْدِكَ"(65)، ممَّا يبيِّن أنَّ هذا المقام يمثِّل أعلى مراتب القرب الإلهي.

 ثمَّ ينتقل الإمام السجاد (عليه السلام) إلى بيان أثر هذه المنزلة في أهل بيت النَّبيِّ (عليهم السلام) وأمته المؤمنة، فيقول: "وَعَرِّفْهُ فِي أَهْلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أَجَلَّ مَا وَعَدْتَهُ".

 و"التعريف بمعنى الإعلام، أي: أعلمه وحقق له ما وعدته من شفاعته لهما أو من شفاعتهما لباقي الأمَّة(66)؛ روي عن النَّبي (صلَّى اللّه عليه وآله): " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا بَعَثَ الْخَلَائِقَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، نَادَى مُنَادِي رَبِّنَا مِنْ تَحْتِ عَرْشِهِ: يَا مَعْشَرَ الْخَلَائِقِ، غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ لِتَجُوزَ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلَى الصِّرَاطِ. فَيَغُضُّ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ أَبْصَارَهُمْ، فَتَجُوزُ فَاطِمَةُ عَلَى الصِّرَاطِ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْقِيَامَةِ إِلَّا غَضَّ بَصَرَهُ عَنْهَا إِلَّا مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَالطَّاهِرُونَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ فَإِنَّهُمْ مَحَارِمُهَا، فَإِذَا دَخَلَتِ الْجَنَّةَ بَقِيَ مِرْطُهَا(67) مَمْدُوداً عَلَى الصِّرَاطِ، طَرَفٌ مِنْهُ بِيَدِهَا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ، وَطَرَفٌ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ.

 فَيُنَادِي مُنَادِي رَبِّنَا: يَا أَيُّهَا الْمُحِبُّونَ لِفَاطِمَةَ تَعَلَّقُوا بِأَهْدَابِ مِرْطِ فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. فَلَا يَبْقَى مُحِبٌّ لِفَاطِمَةَ إِلَّا تَعَلَّقَ بِهُدْبَةٍ مِنْ أَهْدَابِ مِرْطِهَا، حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ فِئَامٍ وَأَلْفِ فِئَامٍ.

قَالُوا: وَكَمْ فِئَامٌ وَاحِدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أَلْفُ أَلْفٍ مِنَ النَّاسِ"(68)، كما روي عنه (صلَّى الله عليه وآله): " لَا شَفِيعَ أَنْجَحُ مِنَ التَّوْبَةِ. وَالشَّفَاعَةُ لِلانْبِيَآءِ وَالأوْصِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلئِكَةِ وَفِي الْمُؤْمِنِينَ مَنْ يَشْفَعُ مِثْلَ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَأَقَلُّ الْمُؤْمِنِينَ شَفَاعَةً مَنْ يَشْفَعُ لِثَلَاثِينَ إنْسَانًا"(69).

 ويختتم الإمام السجاد (عليه السلام) هذا الدُّعاء بتمجيد الله (تعالى) من خلال أسمائه وصفاته، فيقول: "يَانَافِذَ الْعِدَةِ، يَاوَافِيَ الْقَوْلِ، يَامُبَدِّلَ السَّيِّئَاتِ بِأَضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ إِنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ".

 ويكشف هذا الختام عن الأساس العقدي الذي تقوم عليه الشَّفاعة والجزاء، وهو أنَّ الله (سبحانه) لا يخلف وعده، وأنَّ فضله يتجاوز حدود الاستحقاق البشري. ويتَّفق هذا المعنى مع قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)(70).

 وبذلك، تكشف الصَّحيفة السجاديَّة عن صورةٍ متكاملةٍ للنَّبيِّ الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، تجمع بين سموِّ المقام، وكمال الرِّسالة، وعظمة الأخلاق، وعمق المسؤوليَّة الإلهيَّة. وتأتي أدعية الإمام السجَّاد (عليه السلام) شاهدةً على هذه الحقيقة؛ إذ تستلهم هدي القرآن الكريم في إبراز مكانة الرَّسول (صلَّى الله عليه وآله) ودوره في هداية الإنسان وبناء الأمَّة. ومن هنا، فإنَّ المعرفة الواعية بشخصيَّته (صلَّى الله عليه وآله) لا تقف عند حدود التَّعرُّف إلى سيرته ومناقبه؛ وإنَّما تمتدُّ إلى الاقتداء بهديه، واستحضار قيمه (صلَّى الله عليه وآله) في الفكر والسُّلوك، ليبقى النُّموذج المحمَّديُّ منارًا للهداية وبناء الإنسان في كلِّ زمان.

...................................................... 

الهوامش:

1. الصحيفة السجادية (الأبطحي): ص31.

2. لسان العرب: ج13، ص417.

3. سورة آل عمران/ الآية: 164.

4. سورة سبأ/ الآية: 28.

5. سورة الأعراف/ الآية: 158.

6. سورة الأنعام/ الآية: 124.

7. سورة الحج/ الآية: 75.

8. سورة النساء/ الآية: 113.

9. سورة القلم/ الآية: 4.

10. علل الشرائع: ج1، ص56.

11. سورة الأحزاب/ الآية: 40.

12. عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: (وَكَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)؟، قَالَ: "نَحْنُ الْأُمَّةُ الْوُسْطَى، وَنَحْنُ شُهَدَاءُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَحُجَجُهُ فِي أَرْضِهِ". البرهان في تفسير القرآن: ج1، ص344.

13. سورة البقرة/ الآية: 143.

14. الصحيفة السجادية (الأبطحي): ص31.

15. سورة النجم/ الآيتان: 3-4.

16. لسان العرب: ج1، ص748.

17. م. ن: ج14، ص462.

18. مَعاقِلُ: حُصون. النهاية: ج3، ص281 (عقل).

19. بصائر الدرجات: ص 365. بحار الأنوار: ج27، ص181.

20. سورة الأنبياء/ الآية: 107.

21. سورة آل عمران/ الآية: 159.

22. كشف الغمة في معرفة الأئمَّة (عليهم السلام): ج1، ص8.

23. سورة الشورى/ الآية: 52.

24. سورة الأحزاب/ الآية: 21.

25. لسان العرب: ج10، ص395.

26. سورة الأعراف/ الآية: 96.

27. الصحيفة السجادية (الأبطحي): ص31.

28. لسان العرب: ج1، ص758.

29. م. ن.

30. سورة آل عمران/ الآية: 61.

31. كامل البهائي في السقيفة: ج2، ص213.

32. سورة الشرح/ الآية: 7.

33. البرهان في تفسير القرآن: ج5، ص689.

34. سورة المائدة/ الآية: 3.

35. سورة المائدة/ الآية: 65.

36. سورة الأنعام/ الآية: 162.

37. سورة الأنعام/ الآية: 34.

38. سورة الأحقاف/ الآية: 35.

39. الصحاح: ج4، ص1421.

40. الحامَّة: خاصَّة الرجل من أهله وولده وذوي قرابته. العين: ج3، ص33.

41. سورة الشعراء/ الآية: 214.

42. علل الشرائع: ج1، ص170.

43. سورة المسد/ الآية: 1.

44. سورة المجادلة/ الآية: 22.

45. السيرة النبوية، )ابن هشام(: ج1، ص46.

46. سورة النجم/ الآية: 9.

47. سورة المؤمنون/ الآية: 33.

48. سورة الكهف/ الآية: 6.

49. سورة النور/ الآية: 54.

50. ينظر: نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية: ص67.

51. نهج البلاغة، (تحقيق: الصبحي الصالح): ص156.

52. الصحيفة السجادية (الأبطحي): ص31.

53. سورة التوبة/ الآية: 20.

54. سورة النحل/ الآية: 41.

55. ينظر لسان العرب: ج3، ص429. 

56. سورة آل عمران/ الآية: 160.

57. سورة البقرة/ الآية: 249.

58. ينظر: نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية: ص71.

59. سورة الحج/ الآية: 39.

60. سورة الصف/ الآية: 8.

61. سورة التوبة/ الآية: 33.

62. الصحيفة السجادية (الأبطحي): ص32.

63. سورة الضحى/ الآيتان: 4-5.

64. سورة الإسراء/ الآية: 79.

65. أمالي الطوسي: ص455.

66. ينظر: نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية: ص72.

67. المرْطُ: كِساء من خَزّ أَو صُوف أَو كتّان، وقيل: هو الثوب الأَخضر. لسان العرب: ج7، ص401.

68. تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص434.

69. بحار الأنوار: ج8، ص58.

70. سورة آل عمران/ الآية: 9.

اضف تعليق