عندما أطلقت شعارها المدوي: "الجار ثم الدار" كانت تعلم أن أولئك الجيران ليسوا بمستواها بلا أدنى شك، فهي الطاهرة المُطهرة، والحوراء الإنسية، بل ربما كانوا في وضع غير مرضِ أخلاقياً و دينياً، ولكنها تريد لعبادتها وأخلاقها آثاراً في محيطها الاجتماعي...

العبادة في معناها المحدود؛ تعني بعلاقة العبد بخالقه و ربه –تعالى-، فهو يؤدي فرائض منصوص عليها امتثالاً للأمر الإلهي بأن {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ}، وايضاً؛ تجسيداً لعلّة خلق الانسان الواضحة في القرآن الكريم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، ثم جاءت التأكيدات الوافرة في ثقافة أهل بيت رسول الله بالحرص التام على طريقة العبادة والاتصال بالله –تعالى- بصيغ محددة لتكون العبادة كما يريدها البارئ –عزوجل- لا كما يريدها الانسان. 

وهذا ما نرى تجسيده الباهر في جانب من حياة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء، عليها السلام، ونحن نعيش هذه الأيام ذكرى استشهادها في الرواية الأولى التي تفترض أنها عاشت بعد أبيها رسول الله حوالي أربعين يوماً، فهي، عليها السلام، تسامت في معنى العبادة لتشمل الجانب الاجتماعي وليس الفردي فقط.

في كتابه القيّم، يشير سماحة الخطيب والمؤلف البارع، السيد كاظم القزويني –طاب ثراه- في "فاطمة الزهراء من المهد الى اللحد"، يوضح الجانب الاجتماعي في عبادة الصديقة الطاهرة، ففي هذا الحيّز المحدود لا أجدني بحاجة الى اشغال القارئ العزيز فيما يمكن متابعته من مصادر كثيرة عن عبادتها في صلاة وصيام وتسبيح، "فقد كانت حياتها كلها عبادة، منذ البداية حتى النهاية، فمن حمل الماء الى بيوت الفقراء والمساكين، وإطعام الطعام والإيثار، وتعليم الاحكام الشرعية، وتحمّل متاعب الأعمال المنزلية، والزهد والحرمان، والبساطة في العيش، وحسن التبعّل، والدفاع عن الإمامة والولاية، وما أصابها من الآلام والمصائب بعد وفاة أبيها رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم".

واذا سلطنا الضوء على هذه الزاوية ذات الطابع المعنوي، نجد أن العِبرة ليست في القناعة، والإيثار، والعطاء الذي يُعد اليوم نوعاً من الفقدان المادي للمال او الامتيازات، او بعض اثاث البيت والمقتنيات العزيزة على القلب، وإنما في وجود تعويض متوقع يأتي من نفس الطريق المعنوي الذي يسلكه الانسان المُحسن والمعطاء، كما حصل مع السيدة الزهراء في حادثتين منفصلتين، نالت مكافأة عظيمة غير متوقعة بالمرة.

الحادثة الأولى؛ عندما مارست العبادة في حُسن التبعّل، أي حسن التعامل مع زوجها أمير المؤمنين، عليه السلام، عندما فاجأته ذات يوم بعدم وجود طعام في البيت منذ ثلاثة أيام ولم تشأ إخباره وهي تقول: "يا أبا الحسن! إني لأستحي من إلهي أن أكلف نفسك ما لا تقدر عليه"، فثارت غيرة أمير المؤمنين على هذا الحال، وانطلق ليقترض ديناراً ليشتري به طعاماً لأهله فالتقى في الطريق بالصحابي الجليل المقداد، وقد علاه الهمّ والغمّ لأنه ترك زوجته وأطفاله يتضورون جوعاً، فسارع، عليه السلام، الى دفع الدينار له والذهاب فوراً الى المسجد للصلاة خلف رسول الله، وبعد انتهاء الصلاة أشار عليه، صلى الله عليه وآله، بأنه يريد تناول الطعام عنده، فارتبك الإمام، عليه السلام، هذا والنبي عارفٌ بحاله وما جرى له مع المقداد، فلما رأى النبي سكوته قال له: "يا اباالحسن! مالك لا تقول: لا فأنصرف، أو تقول: نعم فأمضي معك؟ فقال: حياءً وتكرماً، فاذهب بنا"، فلما وصلا دار فاطمة واذا بجفنة –صحن كبير- مليئ بطعام يقول رسول الله نفسه: لم أنظر الى مثل هذا الطعام ولا لونه قط، ولم أشمّ ريحه قط، وما آكل أطيب منه! وكيف لا يكون هكذا لأنه من طعام الجنّة بحيث لم يُعرض على رسول الله وهو على قيد الحياة. 

ولمن يتدبّر في أمر هذه القصة يُجزم أن الزهراء، عليها السلام، لم تكن تنتظر هذا الطعام ليأتي من السماء حتى تكون زوجة صالحة –مثلاً- أو أن تنفق على الفقراء، إنما هي مارست حياتها اليومية، وما بدر منها كانت حالة طبيعية وبديهية دون أي تكلف أو تصنّع في الأمر مطلقاً، وهذا بالضبط ما يريده الله من عباده الصالحين.

أما الحادثة الثانية تتعلق بالجانب الاجتماعي عندما طرق بابها فقير أرسله رسول الله بعد أن طلب منه طعاماً يسد جوعه، ولباساً يستر جسمه، ودابة يعود بها الى أهله، فسحبت عقداً ثميناً من رقبتها، عليها السلام، وأعطته لذلك الفقير ليشتري بثمنها ما يريد، وكان هذاالعقد هدية من ابنة عمّها في ليلة زفافها.

فعاد الفقير الى المسجد فلقاه عمار وطلب منها أن يبيعه العقد، فقال الرجل الفقير أبيعه ما يسود جوعي ويستر جسمي ودابة فقط، فأكرمه عمار بأكثر مما أراد في تفصيل الرواية، ثم أخذ العقد وأعطاها لخادمه ليقدمها الى رسول الله ليعيدها الى فاطمة، وقال: وهبتك للنبي، وعندما وصل الى النبي أرسله الى فاطمة، وقال نفس كلام عمار، أي أصبح الخادم ملكاً لفاطمة مع القلادة التي أهدتها للفقير، فاستلمت، عليها السلام، قلادتها، ثم اعتقت الخادم لوجه الله –تعالى-، هنا؛ ضحك الخادم، فسألته الزهراء عن سبب ضحكه، قال: اضحكني عظم بركة هذا العقد، اشبع جائعاً، وكسا عرياناً، وأغنى فقيراً، وأعتق عبداً، و رجع الى ربه -أي الى صاحبه-".

وعلى الصعيد الاجتماعي ايضاً؛ نلاحظ اهتماماً بالغاً من الصديقة الزهراء بعلاقة الفرد بمحيطه وأن لا يكون منعزلاً بدعوى الحظوة بصفات روحية وأخلاقية خاصة، فهي، عليها السلام، عندما تطلق شعارها المدوي: "الجار ثم الدار" في الرواية الشهيرة بعد استغراقها في الدعاء للجيران وسؤال ابنها الامام الحسن بأن لماذا لا تدعو لهم، كانت تعلم أن أولئك الجيران ليسوا بمستواها بلا أدنى شك، فهي الطاهرة المُطهرة، والحوراء الإنسية، وغيرها من الخصائص والصفات الاستثنائية، بل ربما يكونوا في وضع غير مرضِ أخلاقياً و دينياً، ولكنها تريد لعبادتها وأخلاقها آثاراً في محيطها الاجتماعي، لا أن تكون متكاملة لوحدها بين من يشكون النقص في جوانب متعددة من حياتهم. 

لقد مضت الصديقة الزهراء عن دار الدنيا الفانية و لم تخسر شيئاً في حياتها مطلقاً عندما أنفقت، وأطعمت، وتعاملت بالحُسنى مع الناس، بل تخسر شيئاً عندما غصبوها حقّها في فدك، وأهل بيت رسول الله فوق هذه الاعتبارات، إنما ثورتها المدوية في مسجد رسول الله وخطبتها الصاعقة كانت لإحقاق الحقّ وإظهار وجه الباطل أمام المسلمين الخانعين في تلك الساعة، وأمام الاجيال على مر الزمن. وإلا فان أمير المؤمنين يقول في رسالته الشهيرة الى عثمان بن حُنيف: "بَلَى! كَانَتْ في أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّماءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ. وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكَ وَغَيْرِ فَدَكَ، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ –القبر-"، والى آخر الرسالة الطويلة الموجود في نهج البلاغة، إنما الخسارة والهوان والضياع لمن ضيّع هذا النور الساطع لعجز فيه! وصار في ضلال مبين، كما نلاحظ واقعنا اليوم حيث كل شيء متاح لنا، لكن لا شيء مما نمتلكه يوفر لنا السعادة الحقيقية والراحة والاطمئنان في الحياة. 

اضف تعليق