قد يظن البعض أن ظهور تنظيم داعش الارهابي أمر مفاجئ، بينما يجزم آخرون، أنها نتيجة حتمية لسلسة من الإخفاقات التخطط السيء، وإجهاض ثورات الربيع العربي، وفريق ثالث يراها حلقة تمهد لما بعدها؛ مثلما أنتج الجهاد في افغانستان القاعدة، ومن رحم القاعدة ولدت داعش، بينما الفئة رابعة ترى ان الأفكار التآمرية؛ هي التي صنعت داعش، أي انها صنيعة دولية واقليمية وداخلية.

لقد انتهى في 10 تموز 2017، تواجد تنظيم داعش الارهابي بعد ان اعلنت القوات العراقية انتهاء العمليات في مدينة الموصل القديمة، هذه العمليات التي بدأت في 17 تشرين الاول 2016، لندخل في مرحلة ما بعد تحرير الموصل، وهي مرحلة دقيقة، وتحمل في مساراتها الكثير من التساؤلات حول اسباب هزيمة التنظيم في العراق، اذ تجمعت عدة اسباب بعضها داخلي واخر اقليمي ودولي قادت الى القضاء على تواجد التنظيم في الموصل، ومنها:

1- ان اختيار قادة تنظيم (داعش) الارهابي لسوريا والعراق وليبيا كقاعدة اساسية لتنظيمهم هو بسبب ضعف البنية السياسية والعسكرية لهذه الدول لانشغالها بأزمات داخلية حادة، اضافة الى الغنائم الوفيرة التي كانت في انتظارهم. فقد قام الجيش العراقي، لهذا فان ما اراده زعماء التنظيم حصلوا عليه هم والدول الداعمة لهم، ولم يبقى امامهم سوى الاختفاء وترك المغرر بهم ليواجهوا مصيرهم المحتوم، اي انهم كصائدي الجوائز دائما يبحثون عن الجائزة الثمينة.

2- ان تحرك (داعش) بهذه السرعة جاء نتيجة الانهيار السريع للجيش العراقي في المنطقة الشمالية بأكملها، وتساقطت البلدات والقرى واحدة تلو الأخرى، وان تقدم داعش لم يكن لقوة التنظيم وانما لعدم وجود قيادة سياسية واو عسكرية قادرة على قيادة الجيش والصمود بوجه التنظيم، لهذا فان اغلب التحليلات الان تعتقد ان الجيش العراقي الحالي بكل صنوفه قد استعاد قوته وعافيته، من خلال وجود قيادة عسكرية مهنية ووجود دعم سياسي واسع، كذلك ان فتوى المرجعية بتشكيل الحشد الشعبي لحماية الارض والمقدسات، اضافة الى الدعم الدولي الواسع، وان داعش وغيرها لم ولن تستطيع دخول مناطق العراق مرة اخرى بعد اكمال تحرير المناطق.

3- الوحشية التي اتسم بها التنظيم وهو يدخل المدن والقرى مع كل من يعارضه او يقف بوجه، فجعل الناس تهرب منه وتخشاه بدون ان تواجهه، وجعل منه هالة كبيرة وبالون مملوء بالهواء امام الناس، لهذا ان التنظيم دخل المناطق بالتهويل والدمار والقتل وسبي النساء، هذه الاعمال جعلت من التنظيم اكبر مجموعة ارهابية في المنطقة، وجعلت خشية في قلوب الناس البسطاء، الا ان مقاومة بعض المناطق وصمودها مثل مناطق الدجيل وبلد وامرلي وغيرها اثبتت ضعف قوة التنظيم وهشاشته، لهذا فان هيبة التنظيم قد اهتزت بعد صمود مناطق بوجهه، وان اعماله الارهابية اصبحت منبوذة من الجميع.

4- الدعم المجتمعي الذي كان يحظى به داعش في مناطق شمال وغرب العراق لم يعد كما كان قبل 2014، فاغلب اهالي تلك المناطق ينفرون منه، ويعدون الايام للخلاص منه، وقد كان استقبالهم للقوات العراقية المحررة خير دليل على هزيمة التنظيم في عقول اهالي تلك المناطق، وسوف لن يحصل على اي دعم بعد الان منهم.

5- اعتماد داعش على الجذور الدينية أو الإيديولوجية لأفكاره وربطها بالإسلام وببعض العلماء مثل (أحمد بن حنبل (780 إلى 855))، الذي أسس المذهب الحنبلي، وعلى افكار (ابن تيمية)، ولكن ما قام به التنظيم من اعمال وحشية ضد المدن التي دخلها، في العديد من الدول، جعل الكثير من اهل السنة يتبرأ منه، وعقدت عدد من المؤتمرات التي اعتبرت المذهب السلفي خارج عن اهل السنة والجماعة ومنها مؤتمر الشيشان في روسيا عام 2016، حتى السعودية التي تعتمد المذهب الوهابي السلفي مذهبا رسميا لها قد اصبحت تحارب داعش، خاصة وان التنظيم نفذ عدد من العمليات المسلحة فيها، وتركيا هي الاخرى اعلنت الحرب على التنظيم في سوريا، وبهذا فان دولة داعش اصبحت وهم في طريقها للزوال نهائيا من المنطقة.

6- ارتباط داعش مع نظام البعث البائد، لقد كان اعضاء البعث السابق في زمن النظام البائد يمسكون بالحكم بقبضة من حديد، ويحتلون مكان الصدارة في العراق، ولكن بعد ان بدأت الهزائم تضرب تنظيم (داعش)، انكشفت الخيوط التي تربط التنظيم ببعض العراقيين، كما ان ابناء المناطق الغربية بعد ما دمر التنظيم ديارهم وتجاوز على عاداتهم الاجتماعية، بدأوا بالثورة عليه وطرده وطرد اتباعه من البعثيين، ومساندة القوات العراقية، خاصة وان اغلب العشائر العراقية في الانبار والموصل قد اعلنت عن تشكيل قوات عشائرية كبيرة لمحاربة التنظيم.

7- ان داعش استفاد من تدهور الاوضاع في سوريا، فقد دخل العراق عبر الحدود في سوريا المجاورة في وقت قياسي، ففي ربيع 2011، وفرّ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا ساحة جديدة للنزاع والتوسع، الا ان فقدان التنظيم المتشدد لأبرز خطوط الإمداد، التي كان يسيطر عليها ادت إلى إضعاف قدراته العسكرية وانعكس ذلك سلبا على تحركاته بين سورية والعراق وداخل كل من البلدين.

8- وقوف دول العالم الكبرى مثل امريكا وروسيا، ودول اقليمية مثل إيران ضد التنظيم، اذ كونت امريكا تحالفا دوليا من عدد من دول العالم لمحاربة التنظيم، فقد كانت لأعمال التنظيم الارهابية ضد دول العالم الاخرى وخاصة الاوربية، كأحداث فرنسا وبلجيكا، كان لها وقع كبير على العالم، وشجعت اغلب دول العالم للمساهمة والوقوف مع العراق في محاربة التنظيم.

9- الخلاف الداخلي، وحدوث العديد من الانشقاقات الداخلية خلال المرحلة المقبلة سيقود حتما الى انهيار (داعش)، اذ اكدت بعض الاخبار معلومات حول بدء حمى الانشطار والانشقاق داخل صفوف التنظيم الارهابي.

10- سياسة الحكومة العراقية من الناحية السياسية والعسكرية والاعلامية، وتحركها وفق خطة وطنية بعيدة عن الطائفية، فقد انطلقت لتحرير اراضي العراق وطرد (داعش) منها من خلال تكاتف كل العراقيين في هذه المعركة وعد اختصارها على جهة معينة، فاعتماد جهد اعلامي وطني يظهر حقيقة التعامل الانساني للقوات العراقية بكافة صنوفها مع الاهالي، وقطع الطريق على القنوات المغرضة التي شوهت الانتصارات في تكريت وغيرها، هو رسالة اطمئنان لأهالي تلك المناطق بان الدولة متمثلة بالحكومة المركزية والقوات المسلحة هم حماية وضمان لهم، هذا سوف يجعل من داعش العدو الاول لأهالي المناطق المحررة.

11- في تاريخ الصراع الدولي خلال القرن الماضي، لن تجد أي منظمة مسلحة أو مليشيا باي بلد بالعالم لم تكن مخترقة على الأقل من قبل حكومات دولتين أو ثلاثة متصارعة فيما بينها، هذه الحركات والتنظيمات تعيش على بيع الولاء والخدمات لحكومات الدول لكي تستطيع الاستمرار، وهذه الحكومات تحاول قدر الإمكان الإمساك بأكبر قدر ممكن من أوراق اللعب هذه لتحمي نفسها وسلطتها وبالتالي المال الذي يحملها، وبهذا فان داعش لن تخرج من هذه اللعبة، اذ ان دول عالمية واقليمية تتحكم بها الان لإدارة صراع نيابة عنها، وبهذا فان توافق هذه الدول يعني نهاية داعش، وهو ما يحصل الان.

ان تحرير مدينة الموصل من قبل الجيش العراقي والقوات الساندة له سيعني فعليا انتهاء مزاعم تنظيم داعش حول تشكيل "دولة خلافة"، لأنه بتحرير الموصل وقبلها الانبار وصلاح الدين لم يبقى للتنظيم من تجمعات سكنية كبرى سوى الرقة، وسيكون التنظيم قد فقد فعلا مزاعمه لإنشاء خلافة، وهي المزاعم التي يستخدمها التنظيم في آلته الدعائية لدفع المتطوعين حول العالم إلى الانضمام إليه.

بعد الضربات الكبيرة لتنظيم داعش الارهابي في العراق وسوريا، ووصوله الى هذا المستوى من التراجع والإنحدار، فإن مشروع بناء الدولة قد انتهى، وليس هناك دولة وخلافة بعد الآن، وهذا من شأنه ان يقوض الدعم والمجندين في صفوف التنظيم، ولكن داعش اليوم أضحى منظمة ارهابية عالمية وقيادته وقدرته على النمو مرة أخرى لا تزال موجودة، وان خلق سيناريو مشابه قد يجد طريقه بسهولة في عقول البعض، وهناك عدد من العوامل قد تكون بحسب محللين سياسيين ادوات لانتشار الفكر الارهابي مرة اخرى، منها :

1- الوضع السياسي في العراق، فالعملية السياسية في العراق غير مستقرة، وهناك صراع حاد على المناصب وادارة المناطق، واقامة الاقاليم الطائفية والقومية، بل ظهور دعوات لإخراج قوات الجيش والحشد من المناطق المحررة وتسليمها لأبناء المناطق المحررة، كذلك لا يزال للتنظيم سيطرة على بعض مناطق العراق مثل الحويجة وتلعفر وغرب الانبار، لذا فان أي توتر سياسي جديد او تهاون مع دعاة الطائفية سيكون سببا جديد لعودة داعش للعراق.

2- الصراع الدولي والاقليمي في العراق، ان تحرير الموصل من قبل القوات العراقية هو انجاز كبير وقياسي، ولكن التنافس الدولي والاقليمي على العراق والمنطقة قد يكون بابا لدعم مجموعات مسلحة لهذا الطرف او ذاك، اذ ان اميركا والغرب لا يزال في امكانهما التلاعب بالكثير من ملفات المنطقة طالما يمتلكون التمويل الخليجي والأدوات الإرهابية العديدة.

3- ان وجود فكر سلفي تكفيري يعد ارض خصبة لولادة تنظيمات تكفيرية مشابهة لداعش، وقد يكون بمسميات أخرى مختلفة، كما هو واقع الحال في سوريا واليمن وليبيا وغير مكان حيث مئات المسميات لتنظيمات تحمل نفس الفكر الذي يحمله "داعش"، وهو الأمر الذي يجب ان نتنبه له كثيراً، وهو ما قد تستغله بعض الدول التي تدير وتساعد هذه التنظيمات، فهي تصنف من تشاء متشدداً ومن تشاء معتدلاً في محاولات باتت مفضوحة وهي في اغلبها محاولات من اجل اعادة الارهاب للمنطقة.

4- طموحات اقليم كردستان في الانفصال واقامة الدولة الكردية، فقد تمكن الاقليم من مد نفوذه الى مناطق جديدة وواسعة خارج الاقليم من خلال سيطرة تنظيم داعش الارهابي على الموصل واجزاء من صلاح الدين وكركوك وديالى، وهذا يعني ان الاقليم هو المستفيد الاول من دخول داعش للعراق، لهذا فان تمسك الاقليم بهذه المناطق والصراع مع المركز سيكون خطرا على استقرار العراق.

5- بعد ان عجز تنظيم داعش الارهابية عن الاستمرار في مدينة الموصل، عمدوا الى تفجير جامع النوري حتى لا يتيحوا الفرصة للمنتصر ان يستخدم المكان والمنبر نفسه الذي استخدمه زعيمهم المجرم (ابو بكر البغدادي)، في اشارة واضحة انهم يريدون ابقاء صورته قائمة وراسخة في اي بحث او دراسة او صورة ترتبط بجامع النوري والموصل.

6- بعد ان وصل داعش الى نهايته، تسعى بعض الدول الاقليمية في المنطقة لإنتاج بديل لـه في العراق، عبر انشاء قيادة سياسية تحمل مسمى (قادة السنة العرب) عبر دعم قيادات لم تشارك او تدعم مواجهة تنظيم داعش الارهابي، وتثبيتهم كحالة امر واقع، من اجل ان تُبقي البلاد في حالة دولة المكوّنات وليس دولة المواطنة، كذلك طرح الإدارات الذاتية للأقليات في العراق على غرار اقليم كردستان، وهو امر خطير على انت العراق، وتفوق خطورته خطورة تنظيم داعش الارهابي.

7- ان هذا التنظيم كواحد من التنظيمات الارهابية المتمرسة على الاجرام والسيطرة قد اوجد لنفسه قواعد ارتكاز راسخة وثابتة في اكثر من مكان في العالم وليس في منطقتنا فقط، فالتوقعات تشير الى ان تنظيم داعش الارهابي سيقوم ببسط سيطرته ونفوذه في اكثر من مكان اخر هش في منطقة الشرق الاوسط، بل في العالم، ومنها في مصر والاردن ولبنان وليبيا واليمن والدول الافريقية جنوب الصحراء وفي دول جنوب شرق اسيا والفلبين، بشكل يضمن له بقاء صلات نفوذ وتواصل، والهدف الاساس من عملياته وهو السيطرة على مصادر الطاقة، ونهب الاموال واثارة الفوضى.

على الرغم من خسارة تنظيم داعش لأغلب المناطق التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق وليبيا، الا انه في النهاية لابد من قراءة ما حصل في المنطقة قراءة صحيحة، واخذ العبر والدروس منها، ومعرفة الاسباب التي ادت الى هذه الكارثة التي حلت بالعراق وسوريا خاصة، اذ ان قيام داعش مثلا باقتلاع الاقليات من جذورها في الموصل وتهجيرهم وقتل وسبي الالاف منهم، كذلك قيامه بتدمير أقدم واكبر حضارة على وجه الارض وهي حضارة العراق (الاشورية) هي كارثة بحق كل العالم وليس العراق وحده.

وبعد تحرير الموصل، لا يزال امامنا الكثير من الجهد الذي لابد ان يُبذل للانتقال الى مرحلة تعديل ميزان القوى الاستراتيجي بعد تحقيق الربط بين الحدود العراقية والسورية، والحفاظ على الإنجازات المرتبطة بها في الميدان وفي السياسة لاختصار فترة المواجهة التي قد تطول، وعدم سحب كامل القطعات العسكرية بعد النصر، إلا بعد تصفية شاملة لمجمل الخلايا النائمة لداعش الإرهابي، فضلاً عن إيلاء مهمة مسك الأرض لقوات بديلة محكمة ومنتظمة من الجيش وقوى الأمن الداخلي.

والاسراع في اعادة إعمار المحافظة، وتحسين الوضع الاقتصادي فيها والسعي بقوة، من خلال توفير الاموال سواء من الميزانية او التبرعات الداخلية، وطلب المساعدة من الدول المانحة، والمنظمات الدولية، وإعادة وتشجيع وتفعيل مفاهيم التعايش السلمي والانتماء والأمن المجتمعي والمشاركة السياسية، كما ان العالم هو الاخر مطالب اليوم بالوقوف بحزم مع دول المنطقة ضد التنظيمات الارهابية تحت اي مسمى، ومواجهتها بسرعة وبكل حزم وعد التأخير، لان ترك هذه المجموعات الارهابية يجر الويلات على شعوب هذه الدول، وحضارتها، كما ان على دول المنطقة هي الاخرى ان تحصن نفسها بكل قوة ممكنة، وان تقف بحزم ضد هذه الجماعات وتكون على قدر المسؤولية في حماية مواطنيها وتراثها الحضاري.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2017
www.fcdrs.com

اضف تعليق