تتراجع الهيمنة الأميركية مع عجز إدارة ترامب عن إقناع الحلفاء أو ترهيب الخصوم، وتحوّل العقوبات والرسوم والحروب الاقتصادية إلى عوامل تسرّع نشوء نظام عالمي ما بعد أميركي. ففقدان المصداقية، وتراجع القوة الاقتصادية، وصعود الصين، وتآكل النموذج الديمقراطي، كلها تجعل العالم أقل استعدادًا لقبول القيادة الأميركية وأكثر توجهًا نحو التنويع...
بقلم: جوزيف إي. ستيغليتز
نيويورك ــ في ما بشّر به وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت على أنه «يوم الحسم الاقتصادي»، تهدد الولايات المتحدة بتشديد الخناق على إيران بفرض عقوبات على الدول التي تواصل التعامل معها تجاريًا. ولكن بدلًا من إجبار الآخرين على الانضمام إلى جهودها الرامية إلى عزل الجمهورية الإسلامية، تهدد الأخطاء الفادحة المتعاظمة التي ترتكبها إدارة ترامب بالتعجيل بالانتقال إلى نظام عالمي ما بعد أميركي.
الواقع أن الأسباب التي تجعل «حلفاء» الولايات المتحدة عازفين عن الانضمام إلى حرب الاختيار المشؤومة المكلفة التي يخوضها الرئيس دونالد ترامب مفهومة. فهم لم يُستشاروا مسبقًا، ومن الواضح أنهم لا يرغبون في التورط الآن بعد أن فشلت الولايات المتحدة في الإطاحة بالنظام الإيراني أو وضع خطة بديلة. فما الذي قد يجعل أي طرف، والحال هكذا، يهبّ إلى مساعدة إدارة لا تكف عن تقريع أصدقائها وشركائها، وتهدد بالاستيلاء على أراضيهم، مثل جرينلاند وكندا، وتفرض عليهم رسومًا جمركية عقابية؟
هناك طريقتان لإقناع الآخرين بالانضمام إليك: إما الإقناع أو الترهيب. ولكن في حالة ترامب، لم تُفلح أي منهما. كان آرون ديفيد ميلر، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، محقًا عندما خلص إلى أن يوم الحسم، في هذه الحالة، يعني «يوم اليأس».
الإقناع يستلزم المصداقية، إذ يجب أن يقتنع الآخرون بأن الإدارة لديها أهداف قابلة للتحقيق والوسائل اللازمة لتحقيقها. لكن ترامب اكتسب سمعة مستحقة باعتباره كاذبًا، لذا لا أحد يصدق أي شيء يقوله. في يونيو/حزيران 2025، ادّعى أنه «دمر بشكل كامل وتام» القدرات النووية الإيرانية، وفي مارس/آذار أعلن أن الولايات المتحدة أزالت من الوجود، حرفيًا، الجيش الإيراني. والحرب التي كان المفترض أن تدوم أربعة أسابيع فقط، أو ربما لمدة أطول قليلًا، دخلت الآن شهرها السابع. والجميع، من الإيرانيين إلى الكنديين، يعلمون أن أي اتفاقية يوقعها ترامب لن تكون أكثر متانة من المناديل الورقية.
كان بيسنت يُعد عضو مجلس الوزراء الأكثر مصداقية. لكنه أهدر مصداقيته الآن بمحاولاته الأخيرة الفاشلة للتأثير على أسواق السندات والعملات. وكان دافعه الحقيقي، في الأرجح، هو إرسال إشارة إلى رئيسه بأنه «يفعل شيئًا». ولكن لماذا تقدم خدمة لترامب وهو الذي قد ينقلب عليك في اليوم التالي، كما فعل مع كل من خدموا مصالحه في السابق؟
بما أن الإقناع لم يعد خيارًا متاحًا، فقد أصبح الخيار الوحيد المتبقي لترامب هو ذلك الذي يفضله على أي حال: الترهيب، والتبجح، واستعراض القوة. لكن هذا لا يخلو من مشكلة، إذ يبدو أنه وبيسنت لا يدركان أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها على الآخرين بالقدر الذي كانت عليه في السابق. كما أن ترامب لا يفهم طبيعة الحرب الحديثة المتغيرة أو الدور المتطور الذي تضطلع به الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. لقد أصبح عالقًا بشكل دائم في الماضي، حتى إنه لم يعد قادرًا على إدراك حقيقة مفادها أن حصة أميركا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، تبعًا لتعادل القوة الشرائية، تقلصت إلى النصف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، من نحو 30% إلى أقل قليلًا من 15% في عام 2025.
الأمر الأكثر أهمية أن الولايات المتحدة فقدت السيطرة على الممرات الاستراتيجية الحيوية. فالرقائق الإلكترونية المتطورة المستخدمة في معظم التكنولوجيات الأكثر تطورًا تُنتج في تايوان، وتهيمن الصين على إنتاج ومعالجة المغناطيسات والعناصر الأرضية النادرة. في مثل هذه الحالات، يدرك حتى ترامب أن أميركا لم تعد تمتلك كل الأوراق الرابحة. ربما يكون راغبًا في خنق عائدات الجمهورية الإسلامية من النفط باستهداف المشترين، لكن الصين تشتري 90% من صادرات النفط الإيرانية، ولا تزال تمتلك ورقة العناصر الأرضية النادرة الرابحة.
تعكس ردود الفعل على عدوان ترامب هذه الحقائق الاقتصادية غير المواتية على نحو متزايد. وإذ يرى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن القوة الأميركية تتضاءل بسرعة في عهد ترامب، فقد قرر أن الكيل قد طفح. فهو يرفض التنازل عن سيادة بلاده الاقتصادية لصالح ملك أميركا المجنون، الرجل الذي لا يستطيع حتى التغلب على إيران.
وربما تستخلص بقية دول العالم الدرس ذاته. ليس هناك ما قد يحمل أي إنسان على التسامح مع مثل هذا التسلط والتنمر. وليس هناك ما قد يدعو أحدًا إلى الإذعان أو البقاء تابعًا للولايات المتحدة. فالمشهد الاقتصادي العالمي السريع التغير يوفر فرصًا جديدة عديدة للتنويع. وكلما أسرع بيسنت وترامب في إدراك مدى ضعف موقفهما، كان ذلك أفضل للولايات المتحدة والعالم.
إذا قاومت الصين ودول أخرى مطالب ترامب الأخيرة، كما يبدو مرجحًا، فلن تنهار، ولن تتكبد التكاليف التي تأمل الولايات المتحدة في إلحاقها بها. إن الحرب الاقتصادية العالمية التي بشّرنا بها بيسنت ستنتهي إلى طريق مسدود، تمامًا مثل المأزق الذي انتهينا إليه في مضيق هرمز. ومرة أخرى، ستدفع الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا، والتكاليف التي تفرضها على آخرين في مختلف أنحاء العالم ستلحق مزيدًا من الضرر بسمعتها وقوتها الناعمة.
كانت الولايات المتحدة في الماضي نموذجًا يُحتذى به، إذ كانت ترمز إلى الديمقراطية والفرص الاقتصادية وقيم أخرى تستهوي كثيرًا من البلدان. أما الآن، فقد أصبحت نموذجًا لكل ما لا ينبغي فعله، قصة تحذيرية عن فجوات التفاوت الشديدة الاتساع، وتآكل الديمقراطية، والفساد، والانقسام الاجتماعي. ينبغي لبقية العالم العمل على إيجاد تقدير جديد لقيمة التعاون وسيادة القانون، على المستويين المحلي والدولي. إن العالم الذي ينبذ القيادة الأميركية، في الوقت الحالي على الأقل، لهو عالم يبشر بقدر أعظم من الاستقرار، والأمن، والرخاء للجميع.



اضف تعليق