ستظل دول كثيرة تُقاد على يد زعماء مستبدين، وأراهن أن بعض الرجال الأقوياء أقرب إلى البقاء في السلطة مدى الحياة من أن يتنحوا طوعًا أو يُزاحوا على يد آخرين. كما أن “الديمقراطيين” غير الليبراليين مثل ترامب أو أردوغان (أو ناريندرا مودي في الهند) ليسوا على وشك الاختفاء من المسرح...

لماذا قد تكون الحقبة العالمية للحكم السلطوي آخذة في الوصول إلى نهايتها. هذا ما يطرحه المقال الذي نشرته مجلة فورين بوليسي، حيث يرى فيه الكاتب ستيفن م. والت، أن زمن صعود “الرجال الأقوياء” والحكم السلطوي قد يكون بدأ بالأفول، بعدما كشفت تجارب عدد من القادة المستبدين أو ذوي النزعة التسلطية عن إخفاقات واضحة في الإدارة والاقتصاد والسياسة الخارجية. ويخلص إلى أن هذه الإخفاقات أعادت التذكير بأن الديمقراطية، رغم عيوبها، تظل أقل سوءًا من بدائلها.

وفيما يلي ترجمة المقال:

منذ وقت ليس ببعيد جدًا، كان القادة المستبدون -أو ما يُعرفون بحكام “الرجل القوي”- يعيشون لحظة صعود. فقد كان قادة مثل فلاديمير بوتين، وفيكتور أوربان، ورجب طيب أردوغان، وشي جين بينغ، ومحمد بن سلمان، وجايير بولسونارو، يتقدمون في المكانة والنفوذ، ويحسدهم طامحون مستبدون آخرون مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وكانت الديمقراطية والحرية في حالة تراجع حول العالم. وحتى في الولايات المتحدة، بدا أن نظام الضوابط والتوازنات المكرس في الدستور قد أصبح شيئًا من الماضي، فيما كان ما يسمى بالمحافظين يشيدون بفضائل “السلطة التنفيذية الموحدة”. وكان المعلقون والباحثون يكتبون كتبًا مثل "عصر الرجل القوي" أو "الرجال الأقوياء: من موسوليني إلى الحاضر"، يشرحون فيها "كيف تموت الديمقراطيات"، ويتأملون في احتمال قيام “تكتل للمتنفذين”.

لقد كانت جاذبية حكم الرجل القوي استجابة متوقعة لمختلف الإخفاقات التي ارتكبها القادة الديمقراطيون التقليديون خلال العقود القليلة الماضية. فقد خاضت الولايات المتحدة عدة حروب غبية وخسرتها، وعانت أزمة مالية، ولم تُخضع أيًا من المسؤولين عنها للمحاسبة، واستمرت في أن يقودها سياسيون شيوخ متشبثون بالسلطة ومترددون في تسليمها إلى جيل جديد. وعانت بريطانيا العظمى من تعاقب رؤساء وزراء عديمي الكفاءة، كان أبرز إنجازاتهم تزويد الكوميديين والساخرين بالمادة. ومرت فرنسا برئاسة نيكولا ساركوزي، واضطرت إيطاليا إلى النجاة من أوبرا سيلفيو برلسكوني الهزلية في رئاسة الوزراء، وحتى قادة أكثر كفاءة مثل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تعثروا في نهاية المطاف. 

وفي عصر اتسم بالركود الاقتصادي، وتزايد تدفقات اللاجئين والمهاجرين، والمبالغة في المخاوف من الإرهاب، وغيرها من الهواجس، بدا الإغراء باللجوء إلى “قائد قوي” يعد بحماية الناس العاديين من مستقبل غامض أمرًا لا يقاوم بالنسبة إلى كثيرين.

لكن الهزيمة الانتخابية المدوية لرئيس الوزراء فيكتور أوربان في المجر تثير سؤالًا مهمًا: هل بلغ الطلب على الرجال الأقوياء المستبدين ذروته؟ قد يرى البعض هذا الحدث واقعة معزولة، لأن المجر بلد صغير (يبلغ عدد سكانه الإجمالي أكبر بقليل فقط من مدينة نيويورك) ولأن لكل دولة ديناميكياتها السياسية الخاصة. غير أن هزيمة أوربان نجمت عن استياء عميق من نتائج حكمه، وهناك أسباب تدعو إلى الاعتقاد بأن الرجال الأقوياء في عصرنا -ونعم، جميعهم رجال- يواجهون مستقبلًا أكثر وعورة للسبب نفسه تقريبًا. فمعظمهم أدار الحكم بصورة سيئة، وذلك لأسباب تُبرز حدود ترك تقرير السياسة الوطنية في يد قائد قوي واحد.

لنبدأ بأوربان. لقد كان، بلا شك، سياسيًا شديد المهارة، بارعًا في التلاعب بالمؤسسات المجرية للحفاظ على قبضته على السلطة، بينما يُثري نفسه وحاشيته. لكن ما لم يكن أوربان يجيده -أو يبدو أنه لم يكن مهتمًا به كثيرًا- هو تحسين حياة المجريين العاديين، وقد لحقه هذا الفشل أخيرًا. فمزيج الأداء الاقتصادي الفاتر، والفساد الضخم إلى درجة يتعذر معها إخفاؤه، والاعتماد المتزايد على مستشارين متملقين فقدوا صلتهم بالبلاد، مهّد الطريق لإطاحته. ولو أنه أدار الحكم بصورة أفضل (بدلًا من الانخراط في تحقيق المكاسب الذاتية)، لربما كان لا يزال في منصبه اليوم.

أو لننظر إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فمثل أوربان، أثبت مهارة فائقة في البقاء في السلطة، وجمع ثروات هائلة، والتخلص من المنافسين المحتملين، سواء كانوا سياسيين إصلاحيين مثل الراحل أليكسي نافالني أو من داخل الدائرة الضيقة مثل يفغيني بريغوجين، الذي قاد مجموعة فاغنر قبل أن يختلف مع بوتين ويموت في حادث تحطم طائرة يلفه الغموض. وحتى قبل سنوات قليلة، كان بوتين يدير يدًا ضعيفة في السياسة الخارجية بمهارة. وعلى خلاف كثير من المراقبين في الغرب، أعتقد أنه كانت لديه أسباب وجيهة لرؤية توسع حلف الناتو وغيرها من عناصر السياسة الغربية على أنها تهديد خطير ومتزايد. لكن رده على هذا الوضع -وبخاصة القرار المصيري بغزو أوكرانيا في فبراير/شباط 2022- كان خطأ فادحًا ستندم روسيا على عواقبه لعقود طويلة قادمة.

 فقد كانت الكلفة على روسيا هائلة، وتزايد اعتمادها على شريكها الصيني الأغنى والأكثر دينامية بوتيرة متسارعة، وهي تتراجع أكثر فأكثر عن بقية العالم في مجالي العلم والتكنولوجيا اللذين ستعتمد عليهما القوة في المستقبل. وقد انضمت السويد وفنلندا إلى الناتو، وأوروبا تعيد التسلح. وحتى تحقيق نصر حاسم على أوكرانيا -وهو أمر غير مضمون أصلًا- لن يعكس انحدار روسيا بين القوى الكبرى. وعلى الرغم من المرجح أن يبقى بوتين في السلطة ما دام حيًا، فإن روسيا ستكون أقل ازدهارًا وأمنًا مما كانت ستكون عليه تحت قيادة مختلفة، كما أن أسلوبه الوحشي في الحكم ليس من المرجح أن يجذب كثيرًا من المقلدين.

وماذا عن الرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا؟ شأنه شأن حكام الرجل القوي الآخرين، كان بارعًا وقاسيًا في آن واحد في ترسيخ السلطة والحفاظ عليها، حتى في مواجهة أخطاء متكررة. كما أثبت مهارة في استخدام الموقع الجيوسياسي لتركيا لانتزاع منافع أو تنازلات من آخرين حريصين على التعاون التركي. ومع ذلك، يصعب النظر إلى أكثر من عشرين عامًا له في الحكم على أنها قصة نجاح. فقد كان الأداء الاقتصادي لتركيا مخيبًا للآمال -ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الفساد وتدخلات أردوغان غير الحكيمة- كما أن السياسة الخارجية التي سعت يومًا إلى “صفر مشاكل مع الجيران” انتهت بتركيا في خصومة مع كثير منهم. وبالنظر إلى هذا السجل، ليس من المستغرب أن يضطر أردوغان إلى اللجوء إلى إجراءات أكثر تشددًا فأكثر لكي يبقى في السلطة.

ثم هناك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. فعلى الرغم من أن سلطته في الداخل تبدو راسخة، فإن سنواته بوصفه القائد الفعلي للمملكة العربية السعودية كانت قاسية ومذلة. وللتوضيح، كان من المنطقي تمامًا السعي إلى تحديث اقتصاد المملكة، وتقليل الاعتماد على النفط والغاز، وكسر نفوذ الشرطة الدينية، ومحاولة تحسين الصورة الدولية للبلاد عبر “تبييض السمعة رياضيًا” وغيرها من الفعاليات البارزة، لكن تنفيذ هذه الرؤية الكبرى كان مرتبكًا ومندفعًا. فقد ارتدت جهوده الأولى في السياسة الخارجية -بما في ذلك تدخل عسكري مكلف في اليمن ومحاولة خاطئة للسيطرة على السياسة الداخلية اللبنانية- عليه بصورة سيئة، وجعل الاغتيال الوحشي للصحفي المعارض جمال خاشقجي الأمور أسوأ. 

أما الطموحات الكبرى لمشروع “رؤية 2030” لمحمد بن سلمان -ومنها بناء مدينة مستقبلية شاسعة من العدم- فقد اصطدمت بالحقائق العملية والاقتصادية، وأعلن صندوق الثروة السيادي الذي يمول هذه الجهود مؤخرًا عن تقليص كبير في خططه. وهذا بالضبط هو النوع من الإخفاقات الذي يتوقعه المرء في نظام لا يستطيع فيه أحد أن يشكك في تقدير القائد أو أن يُدخل قدرًا من الواقعية إلى تفكيره.

ثم انظر إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فهو ليس مستبدًا حقيقيًا، إذ يُنتخب ديمقراطيًا في انتخابات نزيهة ويواجه قيودًا داخلية (مثل الحاجة إلى إدارة ائتلاف منقسم ومشاكس). ومع ذلك، فقد أثبت أنه بارع في الإفلات من السقوط، إذ تمكن مرارًا من التشبث بالسلطة، بمساعدة لا يُستهان بها من استعداد الولايات المتحدة لحماية إسرائيل من تبعات أفعاله. لكن نتيجة بقائه الطويل في الحكم هي إسرائيل أكثر انقسامًا من أي وقت مضى، وتزداد تحولًا إلى دولة منبوذة في الخارج، وتواجه تراجعًا حادًا في التأييد الشعبي لها في الولايات المتحدة، وما زالت عاجزة عن القضاء على خصومها المختلفين رغم حملات القصف المتكررة والوحشية. وعندما لا تستطيع البقاء في السلطة إلا من خلال إبقاء بلدك في حالة حرب، فذلك ليس بالضبط شهادة مدوية على جودة قيادتك.

أو خذ الرئيس الصيني شي جين بينغ. لقد كان شي بارعًا في تركيز السلطة، رغم العقبات المختلفة التي حاول الحزب الشيوعي الصيني وضعها لمنع حكم الفرد الواحد، كما أنه اتخذ بعض الرهانات الذكية -مثل التطور السريع في التقنيات الخضراء- التي تؤتي ثمارها بسخاء، ويرجح أن تصبح أكثر قيمة في المستقبل. وقد استفاد أيضًا من الأخطاء التي ارتكبها القادة الأميركيون، حين بددوا تريليونات الدولارات على حروب عبثية أو تصرفوا كقوة مهيمنة مفترسة تجاه شركاء أميركا القدامى. لكن شي لم يتمكن من إعادة توازن الاقتصاد الصيني، أو معالجة مشكلاته الديموغرافية الحادة، أو بسط السيطرة على تايوان، أو حل مشكلة بطالة الشباب المزمنة. كما أن حملات التطهير التي لا تنتهي على ما يبدو في صفوف كبار المسؤولين (بمن فيهم كبار القادة العسكريين) قد تكون علامة على الضعف بقدر ما هي علامة على القوة. لقد كان أداؤه أفضل من أداء نظرائه من الرجال الأقوياء، لكن ليس إلى الحد الذي يثبت تفوق هذا النوع من القيادة.

وهذا يقودني إلى ترامب. فهو ليس مستبدًا حقيقيًا، ولكن من الذي يشك في أنه يود أن يكون كذلك؟ تذكروا: هذا هو الرئيس الذي يعتقد أنه “الوحيد الذي يهم”؛ والذي يحب أن يضع اسمه على كل صرح في واشنطن؛ والذي يتوقع من مساعديه، وأعضاء حكومته، والقادة الأجانب، مظاهر ولاء محرجة؛ والذي يريد بناء قوس نصر عملاق تكريمًا -كما خمنتم- لنفسه. والخبر السار بالنسبة إلى أولئك منا الذين يفضلون العيش في ظل الديمقراطية هو أن أداء ترامب خلال ولايته الثانية كان كارثيًا، وأرقام استطلاعات الرأي تُظهر ذلك. فقد أضرت سياساته الاقتصادية بالمصنعين بدلًا من أن تساعدهم، وأججت التضخم، وزادت من العجز الفيدرالي. كما أن سياسته الخارجية نفّرت الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة بلا أي جدوى، وكان قراره بمهاجمة إيران قبل شهرين كارثة استراتيجية. وقد بدأت التصدعات تظهر في صرح حركة “ماغا”، ومن المرجح أن تأييده لأوربان (بما في ذلك إرسال نائب الرئيس جيه. دي. فانس لدعمه انتخابيًا) قد ساعد بيتر ماغيار على هزيمته، كما أن بعض أصدقائه الأجانب الآخرين -مثل نايجل فاراج البريطاني ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني- بدأوا ينأون بأنفسهم عنه. وبمفرده تمامًا، فعل ترامب ما هو أكثر في إبراز مخاطر السلطة التنفيذية الموحدة مما كان يمكن لألف مقال في المراجعات القانونية أن يفعله.

وفي الأثناء، تُظهر بعض الأنظمة والقادة الديمقراطيين علامات مشجعة على الحيوية. فقد حصل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني للتو على أغلبية حاسمة في البرلمان، ورسخ نفسه كبديل واضح العقل وناجح حتى الآن لترامبية السياسة. وأظهر عمدة نيويورك زهران ممداني أن المواقف القوية، وروح الدعابة، والمهارة في وسائل التواصل الاجتماعي، والاستعداد الدؤوب للتحدث إلى الطرف الآخر، يمكن أن تؤتي ثمارها في صناديق الاقتراع. كما أن كوريا الجنوبية والبرازيل تجاوزتا محاولات انقلاب، وسارعتا إلى محاسبة المسؤولين عنها، وهو أمر كانت الولايات المتحدة قد أخفقت في فعله بعد محاولة ترامب قلب نتائج انتخابات 2020. ثم جاء الناخبون في المجر ورفضوا بشكل حاسم محسوبية أوربان وتكتيكاته التخويفية، ولدى ماغيار، رئيس الوزراء المقبل المعيّن، خطط لتفكيك الآلة السياسية غير الليبرالية التي كان أوربان قد بناها.

ولا أريد أن أبالغ في توصيف هذا الاتجاه أو أن أبدو مفرطًا في التفاؤل بشأن هذه التطورات. فستظل دول كثيرة تُقاد على يد زعماء مستبدين، وأراهن أن بعض الرجال الأقوياء الذين ناقشتهم أعلاه أقرب إلى البقاء في السلطة مدى الحياة من أن يتنحوا طوعًا أو يُزاحوا على يد آخرين. كما أن “الديمقراطيين” غير الليبراليين مثل ترامب أو أردوغان (أو ناريندرا مودي في الهند) ليسوا على وشك الاختفاء من المسرح العالمي. وبعض أبرز الديمقراطيات في العالم -وعلى رأسها الولايات المتحدة- تواجه مشكلات دائمة من الاستقطاب، والجمود السياسي، واللامساواة المفرطة، وتآكل الأعراف الديمقراطية. لكن الغطرسة التي كان يتمتع بها قادة الرجل القوي قبل بضع سنوات ربما بدأت تتلاشى، وقد أظهرت إخفاقاتهم السياسية حدود الاعتماد على حكم شخص واحد. وكلما أصبحت إخفاقاتهم أكثر وضوحًا، يتذكر المرء مرة أخرى مقولة ونستون تشرشل الشهيرة: “إن الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم، باستثناء جميع الأشكال الأخرى.”

* ستيفن م. والت، كاتب عمود في فورين بوليسي وأستاذ روبرت ورينيه بيلفر للعلاقات الدولية في جامعة هارفارد.

اضف تعليق