رؤيا مستقبلية لتعظيم الربحية من إنتاج النفط العراقي

تحليل استشرافي لمخاطر وآفاق مضيق هرمز

الاعتماد على البدائل يقلل من حجم الصدمة لكنه لا يمنع من حدوث نقص فعلي في المعروض والامدادات النفطية للأسواق العالمية، ويُعد العراق من أكثر الدول تأثراً بهذا السيناريو، وذلك لاعتماده الكبير على التصدير عبر الخليج، رغم امتلاكه منفذاً بديلاً عبر خط جيهان، إلا أن هذا الخط لا يكفي لتعويض...
بقلم: ام البنين صالح جابر

يُعد النفط الخام المورد الاساسي للدخل القومي في العراق، إذ يعتمد الاقتصاد العراقي بشكل كبير على ايرادات النفط الخام لتمويل الموازنة العامة وتوفير النقد الأجنبي، وفي ظل التحديات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، وبالأخص التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، أصبحت ربحية النفط العراقي متزامنة ليس فقط بعوامل السوق التقليدية، بل بعوامل سياسية وأمنية أيضا تؤثر في استقرار تدفقات النفط الى الأسواق العالمية. ومن هذا السياق، تبرز أهمية تحليل العلاقة بين ربحية النفط العراقي والتحولات الراهنة، مع استشراف مستقبل مضيق هرمز كعنصر حاسم في هذه المعادلة. 

واقع ربحية النفط العراقي

يمتلك العراق ميزة تنافسية في تحقيق الأرباح حتى في ظل انخفاض الأسعار بسبب كونه من الدول ذات التكلفة الإنتاجية المنخفضة نسبيا، اذ تعتمد ربحية النفط العراقي على مجموعة من العوامل الاقتصادية، أهمها أسعار النفط العالمية، تكاليف الإنتاج، وحجم الصادرات. وأن انتماء العراق إلى منظمة OPEC يجعله جزءاً من منظومة تنظيم العرض النفطي، مما يؤثر في مستويات الإنتاج وبالتالي في الإيرادات المتحققة.

ومع ذلك، فإن اعتماد العراق على صادرات النفط الخام دون تطوير الصناعات التحويلية (مثل التكرير، البتروكيماويات) يقلص من تعظيم القيمة المضافة، وبالتالي يحد من إمكانية تحقيق أرباح أعلى على المدى الطويل.

المحددات الراهنة المؤثرة في ربحية النفط العراقي

تواجه ربحية النفط العراقي مجموعة من التحديات والعقبات المتداخلة، يمكن تلخيصها فيما يلي:

1. تقلبات المتسارعة في أسعار النفط العالمية

تشهد الأسواق النفطية تقلبات مستمرة ومتسارعة بفعل تغيرات العرض والطلب، إضافة إلى العوامل الجيوسياسية، والأمنية، مما ينعكس مباشرة على الإيرادات النفطية للعراق.

2. التوترات الجيوسياسية

تؤثر النزاعات الإقليمية في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط على استقرار أسواق النفط العالمية، خاصة مع وجود تهديدات محتملة لطرق الملاحة والنقل البحري.

3. الاعتماد الأحادي (الريعي) على النفط

إن اعتماد الاقتصاد العراقي على النفط كمصدر أساسي للدخل القومي يجعله أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، ويقلل من امكانيته على تحقيق استقرار مالي طويل الأمد.

4. محدودية البنية التحتية

تُعد البنية التحتية لقطاع النفط، خاصة في مجالات النقل والتكرير، من التحديات التي تؤثر في كفاءة الإنتاج والتصدير.

مضيق هرمز وأهميته للاقتصاد النفطي العراقي

يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات الملاحية في العالم لنقل النفط الخام، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، بما في ذلك نسبة كبيرة من صادرات النفط العراقي. ويشكّل هذا المضيق نقطة اختناق استراتيجية، إذ إن أي اضطراب في حركة الملاحة فيه يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين.

بالنسبة للعراق، فإن الاعتماد الكبير على الموانئ الجنوبية المرتبطة بمضيق هرمز يجعل صادراته عرضة للمخاطر في حال حدوث أزمات أو إغلاقات جزئية أو كاملة للمضيق. وبالتالي، فإن استقرار هذا الممر يمثل عاملاً أساسياً في الحفاظ على ربحية النفط العراقي والعكس صحيح 

القراءات المستقبلية لمصير مضيق هرمز

يمكن تحليل مستقبل مضيق هرمز من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. سيناريو الاستقرار

يفترض هذا السيناريو استمرار الاستقرار النسبي في مضيق هرمز أي استمرار العمل بصورة طبيعية، واستقرار العلاقات الإقليمية، وانتظام حركة الشحن والتأمين البحري، مما يضمن انسيابية واستمرار تدفق النفط واستقرار الأسعار، وبالتالي فان انخفاض تكاليف الشحن والتأمين يزيد من الربحية الصافية لبرميل النفط العراقي وبذلك يستمر العراق بتصدير اكثر من ٣ مليون برميل يوميا، ويحقق إيرادات مستقرة يمكن التخطيط المستقبلي على أساسها وهذا بدوره يمكن العراق من وضع موازنة حكومية دقيقة ومنظمة ويمكنه من تنفيذ المشاريع الاقتصادية والتنموية. وفي ظل هذا السيناريو الأسعار تكون مستقرة وسوق النفط العالمية تكون متوازنة بين العرض والطلب وهذا ما يتماشى مع اهم اهداف منظمة OPEC.

2. سيناريو التصعيد

يتضمن تصاعد التوترات أو حدوث صراعات تؤدي إلى تعطيل جزئي أو كلي لحركة الملاحة، مما يؤدي الى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، لكنه قد يحدّ من قدرة العراق على التصدير، وبالتالي يخلق حالة من عدم اليقين في الربحية ولان العراق يعتمد بشكل رئيسي على الخليج لتصدير النفط فإن أي اغلاق يقابله انخفاض بالصادرات النفطية، وبالتالي تراجع الإيرادات العامة، ان هذا السيناريو يمثل اكبر خطر جيو-اقتصادي على السوق النفطية العالمية، وتتضح أهمية هذا السيناريو من ان المضيق ظل في عام 2024 يمر من خلاله نحو 20 مليون برميل/يوم أي ما يعادل قرابة 20٪؜ من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية، لكن العراق ظلت اغلب صادراته النفطية مرتبطة بالموانئ الجنوبية في الخليج العربي مما يجعل الاقتصاد العراقي حساس جدا لأي اضطرابات في هذا المسار. 

بالنسبة للعراق، فإن الخطورة تكمن في الاعتماد المرتفع جدا على النفط، وحسب بيانات البنك الدولي فإن النفط شكّل في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، 88% من الإيرادات الحكومية، 91% من الصادرات السلعية. وبذلك فإن أي تعطّل في المرور عبر مضيق هرمز لا يعتبر مجرد مشكلة لوجستية، بل يتحول بسرعة إلى ضغط مالي ونقدي، لأنه يضعف الصادرات ويضغط على الإيرادات العامة والاحتياطيات والإنفاق الحكومي. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن تراجع إيرادات الصادرات النفطية يضعف الحساب الجاري ويزيد الضغوط على المالية العامة.

3. سيناريو البدائل

يتعلق هذا السيناريو بتطوير طرق تصدير بديلة، مثل خطوط الأنابيب عبر دول مجاورة أو منافذ بحرية أخرى، مما يحد من الاعتماد على مضيق هرمز ويعزز الاستقرار الاقتصادي، ولا يعني هذا السيناريو توقفاً كاملاً للصادرات، وانما انتقالها إلى قنوات أخرى تقلل من حدة الأزمة. ويقع هذا السيناريو في مرتبة وسطى بين سيناريو الاستقرار الكامل وسيناريو التصعيد الحاد الذي يؤدي إلى انقطاع شامل للإمدادات، ويمثل خط العراق-تركيا(جيهان) منفذاً مهماً للعراق، حيث ينقل النفط من شمال البلاد إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط. إلا أن قدرته محدودة مقارنة بحجم الصادرات العراقية الكلية.

ان الاعتماد على البدائل يقلل من حجم الصدمة لكنه لا يمنع من حدوث نقص فعلي في المعروض والامدادات النفطية للأسواق العالمية، ويُعد العراق من أكثر الدول تأثراً بهذا السيناريو، وذلك لاعتماده الكبير على التصدير عبر الخليج، رغم امتلاكه منفذاً بديلاً عبر خط جيهان، إلا أن هذا الخط لا يكفي لتعويض كامل صادراته، مما يجعله عرضة لخسائر محتملة في الإيرادات النفطية. وعليه، فإن تعزيز البنية التحتية البديلة وتطوير مسارات تصدير جديدة، إلى جانب تنويع مصادر الطاقة، يُعد من أهم التوجهات المستقبلية لضمان استقرار الإيرادات النفطية العراقية ومن ثم استقرار الأسواق النفطية العالمية.

السياسات المقترحة التي بوسع العراق الاخذ بها:

1- تطوير خط البصرة – جيهان التركي وربطه بالبحر المتوسط

2- الاستثمار في خطوط أنابيب جديدة نحو الأردن أو تركيا

3- إعادة تأهيل البنية التحتية القديمة

4- تقليل الاعتماد على الخليج وزيادة الاستقلالية فالتصديرية

استغلال ارتفاع الأسعار العالمية

أي انخفاض في الإمدادات يؤدي إلى قفزات سعرية كبيرة، وبالتالي فان بيع النفط بعقود قصيرة الأجل وبأسعار مرتفعة، واستغلال علاوة المخاطر الجيوسياسية، سينتج عنه تعويض انخفاض الكميات بارتفاع الأسعار (تعظيم الإيراد).

التحول نحو الصناعات التكريرية (القيمة المضافة)

بدلاً من تصدير النفط الخام فقط، يمكن للعراق:

1- توسيع المصافي المحلية

2- تصدير منتجات مكررة (بنزين، ديزل)

وتشير بيانات 2025 الى أن العراق قد صدر أكثر من 11 مليون طن من المنتجات النفطية 

وبذلك فان المنتجات النفطية ستحقق هامش ربح أعلى من الخام.

تخزين النفط كأداة استراتيجية

في حالة الإغلاق يتوقف التصدير جزئياً لكن الإنتاج يمكن أن يستمر فان السياسة المثلى التي يجب الاخذ بها هي:

1- تخزين النفط وبيعه لاحقاً عند ارتفاع الأسعار

2- استخدام الخزن كأداة مضاربة ذكي

3- تعظيم الربحية عبر توقيت البيع

تنويع الأسواق النفطية 

تشير البيانات إلى أن أكثر من 80% من نفط الخليج يتجه إلى آسيا لذلك يجب على العراق التوجه نحو أوروبا واسواق جديدة عبر البحر المتوسط وبالتالي تقليل المخاطر الجغرافية وزيادة القدرة التفاوضية.

الاستثمار في الدبلوماسية النفطية

في الأزمات، لا تتحكم السوق فقط، بل السياسة أيضاً فيجب تعزيز العلاقات مع تركيا، دول أوروبا، وشركات الطاقة العالمية بهدف ضمان ممرات تصدير بديلة واتفاقيات طارئة، وعليه، فإن تعظيم الربحية النفطية في العراق في مثل هذه الظروف يتطلب تحولاً من نموذج (التصدير التقليدي) إلى نموذج (الإدارة الاستراتيجية للموارد)، وهو ما يمثل التحدي الأكبر والفرصة الأهم في آنٍ واحد.

* المدرس المساعد: ام البنين صالح جابر، جامعة البصرة/ كلية الادارة والاقتصاد-قسم الاقتصاد

اضف تعليق