كانت السياسات الاقتصادية الكلية لروحاني سيئة أو أسوأ من سياسات سلفه محمود أحمدي نجاد. فعندما واجه الرئيس السابق انخفاضاً حاداً في عائدات النفط بسبب العقوبات الأمريكية، جمع أحمدي نجاد الأموال للحكومة من خلال السماح بانخفاض قيمة الريال، مما زاد من عدد الريالات التي حصلت عليها...
بقلم: پاتريك كلاوسون

في 8 كانون الأول/ ديسمبر، ووفقاً للإجراءات المعمول بها، زار الرئيس حسن روحاني "مجلس الشورى الإسلامي" (البرلمان) لتقديم ميزانيته للسنة الإيرانية 2020/2021، والتي تبدأ في آذار/مارس. وعلى الرغم من الخطاب الوردي للحكومة، تظهر اقتراحات النفقات التي قدّمها الأوقات العصيبة التي تواجهها الجمهورية الإسلامية.

ميزانية غير شعبيّة

يقترب موعد الانتخابات البرلمانية المحدد في 21 شباط/ فبراير بسرعة، لذا ربما توقع المرء أن يطلق خطاب روحاني المتعلق بالميزانية بشكل غير رسمي ذروة موسم الحملة الانتخابية. وبالفعل، فغالباً ما أدرج الرؤساء السابقون في الميزانيات بنوداً ترضي الناخبين قُبَيل الانتخابات مباشرة. غير أن روحاني لم يقم بأي شيء من هذا القبيل.

على سبيل المثال، يقترح روحاني إنفاق حكومي بمبلغ 4.8 كوادريليون ريال، بالإضافة إلى 0.8 كوادريليون ريال لإيرادات مخصصة و14.8 كوادريليون ريال أخرى لإنفاق من قبل الشركات المملوكة للدولة. (إن ترجمة هذه الأرقام إلى دولارات يتسم بالضبابية: فسعر الصرف الرسمي هو 42،000 ريال للدولار، ولكن سعر السوق الحر يبلغ حوالي 130،000.) وسيزيد هذا الإنفاق المشترك بنسبة 8٪ مقارنة مع هذا العام، ومع ذلك فإن التضخم هو على الأقل ثلاثة أضعاف أعلى من ذلك، ولن يتم إصدار أي إعفاء ضريبي.

علاوة على ذلك، يقترح روحاني الإبقاء على المدفوعات النقدية الشهرية المعتمدة حديثاً المقدمة إلى الفقراء بأقل من 4 دولارات للشخص الواحد وفقاً لسعر الصرف الرسمي، أو حوالي دولار واحد بسعر السوق الحرة. وفي حين أن الرواتب الحكومية سترتفع بنسبة 15 في المائة - وهو ما يعني في النظام الإيراني زيادة مماثلة في جميع الرواتب الأخرى تقريباً - فإن هذه النسبة هي أقل بكثير من معدل التضخم المرجح، على غرار ما حدث مع زيادة الرواتب بنسبة 20٪ في العام الماضي. وفي الواقع، قد تنخفض الرواتب المراعية للتضخم في عام 2020/2021 بمقدار الثلث مقارنة ببداية هذا العام، وهذا واقع لن يساعد أوساط روحاني على الحصول على المزيد من الأصوات للفوز في [انتخابات] شباط/فبراير.

استمرار السياسات السيئة

بشكل عام، كانت السياسات الاقتصادية الكلية لروحاني سيئة أو أسوأ من سياسات سلفه محمود أحمدي نجاد. فعندما واجه الرئيس السابق انخفاضاً حاداً في عائدات النفط بسبب العقوبات الأمريكية، جمع أحمدي نجاد الأموال للحكومة من خلال السماح بانخفاض قيمة الريال، مما زاد من عدد الريالات التي حصلت عليها طهران مقابل كل دولار من النفط المُباع. كما أن العدد الأكبر من الريالات لكل دولار قد شجّع الصادرات وحفّز الإنتاج المحلي من أجل استبدال الواردات - وكلاهما من النتائج المرغوبة بالنظر إلى أن النفط لم يكن يدرّ مبالغ كبيرة من الدولارات إلى إيران. لكن روحاني قاوم بكل عناد تعديل مشابه للريال.

وليس من المنطقي إبقاء سعر الصرف الرسمي ثابتاً مع استخدام الاحتياطيات والضغط الإداري لتخفيف الارتفاع في سعر السوق الحرة. ولا يحتاج المرء إلى أن يكون حاصلاً على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد ليدرك أنه عندما يرتفع معدل التضخم في إيران إلى الأرقام المزدوجة بينما يبلغ التضخم في الولايات المتحدة 2٪، ينبغي أن تنخفض قيمة الريال بالنسبة للدولار. ولو حذا روحاني حذو أحمدي نجاد من خلال ترجمة صادرات النفط بالدولار إلى الريال بسعر السوق الحرة، فإن عائدات النفط ستموّل 30٪ من ميزانية العام المقبل بدلاً من 10٪ فقط.

وبعد كل ذلك، فمن شأن السماح بتقلّب سعر الصرف إلى مستوى مناسب أن يطرح مشكلتين سياسيتين كبيرتين. أولاً، يركّز الكثير من الإيرانيين على معدل الصرف كمؤشر لمدى صحة الأداء الاقتصادي، معتقدين على نحو خاطئ أنه كلما كانت قيمة الريال أعلى كلما كانوا في حال أفضل، بصرف النظر عن مدى تأثر المؤشرات المهمة الأخرى. ثانياً، إن تراجع قيمة العملة يعني واردات أغلى ثمناً، مما يسبب عناءً غير متجانس للطبقة الوسطى العليا الحضرية التي تشكل الجمهور الأساسي لأنصار روحاني.

كما أنّ السياسة النقدية للرئيس الإيراني خطيرة بدورها. فخطابه بشأن الميزانية لم يأتِ على ذكر أي إنقاذ للنظام المصرفي، المفلس بالفعل. بل على العكس من ذلك، تعتمد الميزانية الجديدة على "نقل الأصول المالية" لتأمين ربع تمويلها، أو 1.25 كوادريليون ريال. وهذا يعني على ما يبدو أن حكومته تعوّل على اقتراض مبالغ طائلة محلياً، إما عن طريق تخفيض الأموال التي يمكن إيداعها في المصارف أو الاقتراض المباشر من هذه المصارف. وكلاهما من شأنه أن يُجهد النظام المصرفي الذي يقترب من الانهيار بشكل خطير.

إلا أن سياسات روحاني الضريبية أفضل قليلاً. فكالعادة، كانت تقديراته لعائدات الضرائب متفائلة إلى حدّ كبير، ولم يشر في خطابه إلى مسألة التصدي لمشاكل التهرب الضريبي والإعفاءات المفرطة. ويُقدر رئيس "هيئة الضرائب الإيرانية"، أوميد علي بارسا، أن 40٪ من الجهات الفاعلة الاقتصادية في البلاد معفيّة من جميع الضرائب.

علاوة على ذلك، يبدو أن بعض التغييرات الاقتصادية الأخيرة التي أشاد بها خطاب روحاني مشكوك فيها. ووفقاً لروحاني، أضافت إيران 2.3 مليون هكتار من المناطق المرويّة حديثاً في عهده، ولكن المزارعين كثيراً ما يشْكون من أن هذه المناطق حرمت مزارع قائمة منذ فترة طويلة من المياه. وبالمثل، تَفاخر روحاني بأن حكومته أكملت خمسة وثلاثين سدّاً، لكن العديد من هذه المشاريع مشكوك فيها بيئياً، إن لم تكن كارثية.

وكانت إحدى الدلائل على المدى الذي توجّب أن يصل إليه روحاني لإيجاد أخبار جيدة هو إعلانه أن التضخم قد انخفض من 52 في المائة إلى مجرّد 27 في المائة. ولكن حتى القليل من البهلوانيات الخطابية تطلبت اختيار الطريقة الأكثر ملاءمة لاحتساب الضخم، أي الطريقة السنوية. وفي المقابل، أفاد "المركز الإحصائي الإيراني" أنه اعتباراً من تشرين الثاني/نوفمبر، ارتفعت الأسعار بنسبة 41٪ على مدار الاثني عشر شهراً الماضية مقارنة بالعام السابق. إن تفاخُر روحاني لافت بشكل خاص لأن أولويّته بعد تولّيه منصبه في عام 2013 كانت خفض التضخم إلى رقم منفرد - وهو هدف حققه في ذلك الوقت ولكن فقط بعد تطبيقه سياسات إنفاقية ونقدية مقيّدة جلبت الاقتصاد إلى حافة الركود.

وتشمل الميزانية الجديدة فقرة واقعية معقولة، حيث تفترض أن صادرات النفط الإيرانية ستصل إلى ما يقرب 500،000 برميل يومياً بسعر حوالي 60 دولاراً للبرميل الواحد.

هل تستطيع إيران الحفاظ على اقتصادها الحالي؟

لا تنطوي جميع الأخبار المحيطة بالاقتصاد الإيراني على الشؤم والكآبة. فروحاني محق في أن الاقتصاد غير النفطي عاد إلى النمو بعد أن وصل إلى أسوء حال له في وقت سابق من هذا العام. وعلى الرغم من الأوقات العصيبة، واصلت الحكومة الإيرانية القيام باستثمارات كبيرة. على سبيل المثال، تجاوز الآن إنتاج إيران من الغاز الطبيعي من الحقل البحري الذي تشترك فيه مع قطر، إنتاج الدوحة للمرة الأولى - وهو تناقض حاد عما كان عليه الانتاج قبل ثماني سنوات، عندما أنتجت قطر ضعف ما أنتجته إيران. وتستمر مشاريع البنية التحتية العامة على قدم وساق، من بينها الطرق والسكك الحديدية والكهرباء.

ومع ذلك، تشير الميزانية الجديدة إلى أنّ طهران لم تتكيف بالكامل مع فقدان الإيرادات النفطية. وستحتاج الحكومة الإيرانية إلى اتخاذ تدابير إضافية مؤلمة لتحقيق التوازن في الاقتصاد. وعلى الرغم من كل الحديث عن "اقتصاد المقاومة"، تستمر إيران في الاعتماد إلى حد كبير على الصناعات النفطية والصناعات المرتبطة بالنفط (مثل البتروكيماويات)، التي تزيد حصتها في عائدات التصدير عن مساهمتها في التمويل الحكومي. وإذا نجحت واشنطن في الضغط على مبيعات النفط الإيرانية أكثر فأكثر، فستزداد مشاكل البلاد سوءاً. على سبيل المثال، إذا أرغمت العقوبات الأمريكية الجمهورية الإسلامية على بيع النفط بأسعار مخفّضة بشكل كبير، فمن شأن ذلك أن يؤدي إلى تقويض الإيرادات الحكومية بنفس القدر تقريباً كما لو كانت إيران عاجزة عن تصدير هذا النفط على الإطلاق.

* پاتريك كلاوسون هو زميل أقدم في زمالة "مورنينغستار" ومدير الأبحاث في معهد واشنطن

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق