جوزي جلاوسيوس

في شهر يناير من عام 2022، أصدر مكتب الإحصاء القومي في الصين بيانًا مُربكًا، جاء فيه أن معدل المواليد في البلاد قد انخفض للعام الخامس على التوالي. شهد العام 2021 مولد 10.6 مليون طفل في الصين، في مقابل 12 مليون طفل في العام السابق عليه. حدث ذلك رغم أن الحكومة ألغت، في عام 2021، العمل بسياستها الصارمة التي حددت طفلًا واحدًا فحسب لكل زوجين، ورفعت عدد الأطفال المسموح بهم إلى ثلاثة أطفال.

ومع ذلك، اتضح أن الكثيرات من نساء الصين يجدن من الصعب تربية أكثر من طفل، أو لا يستطعن تربية أي أطفال من الأساس. ولهذا، فمن المتحمل أن تشهد الصين تراجعًا في تعداد السكان، حيث تقترب معدلات الوفيات من مساواة معدلات المواليد في البلاد. وتشهد اليابان وضعًا مماثلًا، إذ "تتزايد أعداد كبار السن بسرعة هائلة، تهدد الشعب الياباني بالامِّحاء التام، إذا استمرت الأنماط الحالية"، حسبما تذكر جينيفر شوبا في كتابها الغني بالبيانات، والمنشور تحت عنوان «8 مليارات نسمة.. والعدد في زيادة» 8 Billion and Counting.

يعيش على كوكب الأرض قرابة ثمانية مليارات نسمة، يتباين ما ينتظرهم في المستقبل تبايُنًا كبيرًا، حسبما تعرض شوبا، التي تشغل منصب مساعدة أولى في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو بيت خبرة مقره العاصمة الأمريكية واشنطن. تؤكد شوبا في كتابها أن القرن الحادي والعشرين "لا يعكس نموًا مطردًا في أعداد المواليد بقدر ما يعكس تفاوتًا في معدلات النمو، ناتجًا عن الهوة السحيقة بين أغنى الدول وأفقرها".

توضح البيانات المتاحة بين أيدينا أنه في عام 2020، جاء معدل الخصوبة الكلية (الذي يُشار إليه بالاختصار: TFR، ويعبِّر عن متوسط عدد الأطفال المتوقع أن تنجبهم امرأة واحدة خلال حياتها، ويبلغ 2.1 طفل لكل امرأة على وجه التقريب) في دول أمريكا اللاتينية، ودول الكاريبي، ودول شرق وجنوب شرق آسيا، والدول الأوروبية، ودول أمريكا الشمالية، وأستراليا، ونيوزيلندا – جاء أقل من معدلات الإحلال السكاني. وعلى النقيض، فمن المنتظَر أن يرتفع تعداد السكان في دول إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى إلى ستة أضعاف خلال القرن الحالي، رغم أن معدل الخصوبة الكلي الحالي في هذه الدول وصل إلى 4.27، مسجلًا انخفاضًا عن نظيره منذ عقدين، الذي كان قد وصل إلى 5.88. وإلى جانب ذلك، فمن المهم ملاحظة أن الأطفال والمراهقين يمثلون نصف تعداد سكان نيجيريا. وفي الوقت الذي تُغلِق المدارس الابتدائية أبوابها في مناطق ريفية في كوريا الجنوبية، مع تراجُع أعداد التلاميذ هناك، تضج المناطق الحضرية في مدينة لاجوس النيجيرية "بصيحات الأطفال وهم يلعبون"، مثلما تشير شوبا في الكتاب. ومن المتوقع كذلك أن تصبح إثيوبيا وجمهورية الكونغو الديموقراطية ضمن الدول العشر الأكثر ازدحامًا بالسكان بحلول عام 2050، ومن ثم تنضم إلى غيرها من الدول التي سبقتها إلى هذا المآل، مثل الهند والبرازيل.

في بعض مناطق العالم، أدت الضغوط الناتجة عن تزايد عدد السكان إلى تفاقم مشكلات مثل فقدان الحكومة قدرتها على إدارة البلاد، واندلاع الحروب الأهلية، وتدمير البيئة. وحسبما يذكر التقرير السنوي لمؤشر الدول الهشة، الصادر عن «صندوق السلام» Fund for Peace، ومقره العاصمة الأمريكية واشنطن، فإن معظم الدول التي يحوم شبح الانهيار حولها، مثل جنوب السودان، والصومال، وجمهورية الكونجو الديموقراطية، وصلتْ نسبة سكانها الذين تقل أعمارهم عن العشرين إلى أكثر من نصف عدد السكان، كما ترتفع معدلات الخصوبة فيها. ولا يفوت شوبا أن تشير إلى أن الشباب في الصومال لا يستطيعون الحصول على وظائف ملائمة، وأن اليمن يشهد يوميًا مولد 3 آلاف طفل في أُسَر فقيرة.

وعلى الناحية الأخرى، فالدول التي تشهد انخفاضًا في معدلات الخصوبة، وارتفاعًا في معدلات شيخوخة السكان، تواجه منظوماتُ الدعم الاجتماعي فيها ضغوطًا هائلة فيما يتعلق بتوفير الرعاية لكبار السن. فعلى سبيل المثال، نجد أن الدول التي لا ترحب بالمهاجرين، مثل اليابان، يشيع فيها استخدام الروبوتات، بما فيها تلك المسماة «كير-روبو» Carerobo (وهي روبوتات تتخذ أشكال حيوانات مكسوّة بالفراء)، بهدف سد العجز في صفوف مقدمي الخدمات لكبار السن، الذين تتناقص أعدادهم بشكل ملحوظ. ويتوقع أحد التقارير الصادرة عام 2021 أنه بحلول عام 2045 سيكون ربع تعداد سكان اليابان مصابًا بالخرف (N. Nakahori et al. BMC Geriatr. 21, 602; 2021). وفي ظل ازدياد أعداد الأشخاص الذين يخرجون من سوق العمل في الدول الغنية، قياسًا إلى أعداد من يدخلونه، يشيع قلق بشأن الوسائل التي يمكن من خلالها الحفاظ على النمو الاقتصادي. وتعرض شوبا في كتابها أربعة خيارات للتخفيف من الآثار الاقتصادية لارتفاع أعمار السكان، وهي رفع سن التقاعد، وتخفيض مخصصات الإعانة، والضغط على أعداد أكبر من السكان للالتحاق بسوق العمل، وكذلك إفساح المجال أمام استقبال المهاجرين.

تتناول شوبا كذلك قضية الهجرة بدرجة كبيرة من التفصيل، موضحةً أن نسبة سكان العالم ممن يعيشون خارج أوطانهم لا تتعدَّى 2 إلى 4%، في حين أن أعداد المهاجرين واللاجئين، الذين تركوا أوطانهم، على مستوى العالم، هربًا من النزاعات المسلحة أو الأزمات أو الاضطهاد، أو أي شكل من أشكال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان، قد تضاعف من 17 مليون شخص إلى 34 مليونًا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2020، بحسب ما أعلنته منظمة الأمم المتحدة. وبالطبع، هذا الإحصاء لا يشمل ما يربو على أربعة ملايين أوكراني، أُلجئوا إلى الفرار من ويلات الغزو الروسيّ لبلادهم. وتوضح المؤلفة أن النسبة الأكبر ممَّن اضطُروا إلى ترك محلّ إقامتهم الأصلي قد نزحوا إلى مناطق أخرى داخل أوطانهم، حتى نهاية عام 2020؛ إذ تشير البيانات إلى أن ما يعادل 21.8 مليون شخص، في المتوسط، قد نزحوا إلى مناطق أخرى من بلادهم، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2008 و2020، فرارًا من كوارث بيئية، تتصل بالعوامل المناخية، مثل الفيضانات وحرائق الغابات.

وتقول شوبا إن من المنتظر أن ينخفض تعداد سكان أوروبا من 521 مليون نسمة إلى 482 مليونًا بحلول منتصف القرن، في حالة توقَّف تدفُّق موجات الهجرة إلى دول القارة. وصحيح أن بإمكان المهاجرين أن يحلّوا مكان العمالة المتقاعدة في الدول التي يهاجرون إليها، إلا أن المؤلفة تبيِّن في كتابها أن الدول الأشدَّ فقرًا، مثل الأردن وتركيا وكينيا، تستقبل 85% من النازحين، في حين "تتخذ الدول الأغنى إجراءات مشددة" لمنع دخول اللاجئين، وطالبي اللجوء الفارين من المناطق التي تمزقها النزاعات، مثل سوريا وجنوب السودان وأفغانستان. لكن المؤلفة لا تتعرَّض بمزيد تفصيلٍ إلى أسباب تلك النزعات المعادية للأجانب، أو الآليات التي تنتهجها وسائل الإعلام التقليدية أو منصات التواصل الاجتماعي في تصوير المهاجرين على أنهم يمثلون تهديدًا للمجتمع، مكتفيةً بالقول إن التغيير، "وبالأخص التغيير الديموجرافي"، يشُقُّ على أي مجتمع.

وحتى مع النمو السكاني الذي تشهده دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يلاحَظ أن سكان هذه المناطق لا يستهلكون في العادة إلا أقل القليل من الموارد الطبيعية، مقارنة بما نجد في الدول التي تشهد تزايد أعداد السكان في فئة كبار السن. فقد ذكر تقرير صادر عن «مركز التنمية العالمية» Center for Global Development، ومقره العاصمة الأمريكية واشنطن، أنه مع نهاية الأسبوع الأول من شهر يناير عام 2022، كان المواطن المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية قد تسبب، في غضون بضعة أيام فحسب، في في إطلاق انبعاثات كربونية تقدَّر بما يزيد عمّا يتسبب فيه نظيره في 22 دولة من الدول منخفضة الدخل على امتداد عام كامل (انظر: (go.nature.com/3lbhqju. وتؤكد المؤلفة في كتابها أن "انخفاض أعداد المستهلكين في الدول الغنية سيحقق نتائج إيجابية لكوكب الأرض على المدى البعيد"، وأن "الاستهلاك غير المستدام، والنمو السكاني، يتسببان في خنق البحار بكمٍّ هائل من المواد البلاستيكية، وعرقلةِ مسارات الأنهار بالمواد الكيميائية، وتشبُّعِ الغلاف الجوي للكوكب بغازات الدفيئة".

بيد أن تلك الصورة المفزعة ليست محتومةً في كل الحالات. ففي عام 1968، توقع بول وآن إيرليش، في كتابهما المعنوَن «القنبلة السكانية» Population Bomb، أن معدلات المواليد المتصاعدة ستؤدي إلى انقراض الجنس البشري، محذّرين من وقوع مجاعات تؤثر على أعداد هائلة من السكان. ولكننا نجد أن معدلات الوفيات الناتجة عن انتشار الأمراض المُعدية والمجاعات قد انخفض بشكل مفاجئ خلال العقود القليلة التي سبقت اندلاع جائحة «كوفيد-19»، بفضل التدخلات الإنسانية على المستوى العالمي، وحملات الصحة العالمية، والتوسُّع في سياسة التطعيم، وتطوير مرافق الصرف الصحي. كان من أثر ذلك أن انخفضتْ معدلات الوفاة من جرّاء الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV) بين عامي 2000 و2019 بنسبة 51%، بفضل استخدام مضادات الفيروسات القهقرية، ما أنقذ حياة ملايين البشر. كما أن تزايد أعداد السكان ليس هو السبب الوحيد للمجاعات في بعض الدول، مثل اليمن، أو أفغانستان في عام 2022، التي يواجه أكثر من نصف سكانها "خطر مجاعة حادة"، وفق ما أعلنه برنامج الأغذية العالمي التابع لمنظمة الأمم المتحدة. حيث تحدث المجاعات، في غالبيتها، بسبب العقوبات الدولية، أو قصف مرافق البنية التحتية، مثل الأسواق والطرق والموانئ والمزارع وخطوط أنابيب المياه، كما هو الحال في بلد مثل اليمن.

في نهاية كتابها، تؤكد شوبا "أن وجود دعائم صحة متماسكة في أي دولة يجعلها أكثر استعدادًا لمواجهة الطوارئ والأزمات". ولهذا، يبدو أن البشر بالفعل قادرون على مواجهة الكوارث وشبح الموت، إذا توفّرت الإرادة السياسية الصادقة، والتدخل الإنساني الفعال.

اضف تعليق