في هذا الحوار، لا نبحث عن إجاباتٍ، بل نحاول تفكيك سؤالٍ أكبر: هل يمكن للآلة أن تُعيد التوازن لعلاقةٍ اختلت بين الإنسان والأرض؟ الدكتورة مينا الجبوري، لا تتحدث عن الزراعة بوصفها حقلاً ومحراثاً فقط، بل كنظامٍ ذكي تدار فيه المياه كما تدار البيانات، وتقاس فيه الخسائر قبل وقوعها، ويعاد تعريف مفهوم الإنتاج نفسه...
ليست المسألة أن نزرع أكثر… بل هل ما زلنا نزرع بالطريقة التي يفكر بها هذا العصر؟ بين أرضٍ تتعب بصمت، وماءٍ يتناقص بلا ضجيج، وفلاحٍ يقاتل موسماً بعد آخر، تقف التكنولوجيا كطرفٍ جديد في الحكاية. لا كترفٍ تقني، ولا كموضةٍ أكاديمية، بل كلاعبٍ ثقيل يفرض منطقه أرقام، حساسات، درون، وذكاء اصطناعي يعرف عن التربة أكثر مما نعرفه نحن.
في هذا الحوار، لا نبحث عن إجاباتٍ، بل نحاول تفكيك سؤالٍ أكبر: هل يمكن للآلة أن تُعيد التوازن لعلاقةٍ اختلت بين الإنسان والأرض؟
الدكتورة مينا الجبوري، التدريسية في المعهد التقني المسيب بجامعة الفرات الأوسط التقنية، لا تتحدث عن الزراعة بوصفها حقلاً ومحراثاً فقط، بل كنظامٍ ذكي تدار فيه المياه كما تدار البيانات، وتقاس فيه الخسائر قبل وقوعها، ويعاد تعريف مفهوم الإنتاج نفسه.
هنا الزراعة ليست موسماً… بل معادلة.
والاستدامة ليست شعاراً… بل اختبار بقاء.
بدايةً، الاستدامة لم تعد شعارًا بيئيًا، بل إطارًا تنمويًا متكاملًا. كيف تعيد التقنيات الزراعية الحديثة تعريف مفهوم الاستدامة في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتسارعة؟
الزراعة الحديثة أيضا لديها من التطور الهائل في المجالات المختلفة وخصوصا في المكائن والآلات الزراعية، اذ يوجد الروبوتات والدرون والجرار الزراعي بدون سائق وكذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في كافة مجالاته لتقليل استهلاك الطاقة والوقت والمجهود وأيضا توفير اليد العاملة وتقليل المصاريف والخروج بإنتاج عالي الجودة. وكون المناخ بدء بتغيير كبير عن 20 سنة التي مضت وخصوصٍا في العراق فأن استخدام التكنولوجية الحديثة كمثال معدات الري بأساليب الحديثة لتقليل هدر المياه والتي بالتالي تؤثر على البيئة والاستدامة.
في بيئة زراعية تواجه شح الموارد وتذبذب الإنتاج، كيف يمكن للتكنولوجيا أن تحقق معادلة دقيقة بين زيادة الغلة الزراعية والحفاظ على التوازن البيئي؟
الشحة التي يعان منها العراق هي شحة المياه ولأسباب دولية فضلا عن عدم حصاد المياه بأوقات الامطار وعدم إقامة السدود الحديثة وبالتالي ضياع المياه في شط العرب وأيضا ثقافة الفلاح باستخدام الري السيحي وعدم استخدام طرق الري الحديثة للحفاظ على المياه. هنا يأتي دور وزارة الزراعة ودوائر الارشادية بعمل حملات توعوية للفلاح بأهمية استخدام طرق الري الحديثة وتوفير المعدات لهم بأسعار معقولة وبالدفع اليسير لتشجيعه على عمل موازنة في الحفاظ على المياه وزيادة انتاجه وبالتالي تحقيق معادلة الربح والتي تصب في مصب تحقيق غاية التوازن البيئي.
إلى أي مدى تسهم التقنيات الذكية كالزراعة الدقيقة وإنترنت الأشياء الزراعي في تقليل الهدر وتحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة؟
تسهم بشكل كبير في تقنين المياه بالنسبة لمعدات الري، وبمعدات الحصاد تقليل الفاقد الزراعي نتيجة حصاد المبكر ومعدات ما بعد الحصاد استخدام الذكاء الاصطناعي في فرز وتدريج المحاصيل الزراعية بتقنيات التحليل الصوري والشبكات العصبية المتنوعة ومعدات المكافحة وغيرها. واستخدام الطاقة ممكن تحوير مخلفات النباتات والحيوانات وتحويلها الى مصدر للطاقة وتقليل قدر المستطاع الاعتماد على الوقود الاحفوري. وايضا استخدام المواد النانوية وخلطها مع الوقود الاحفوري لتقليل الانبعاثات وتوفير الطاقة.
غالبًا ما ينظر إلى التنمية المستدامة بوصفها مشروعًا طويل الأمد. كيف يمكن إقناع المزارع البسيط بأن الاستثمار في التقنيات المستدامة ليس رفاهية بل ضرورة اقتصادية؟
هذه مشكلة صعبة جدا كون المزارع توارث مفاهيم خاطئة جيلا من بعد جيل مما يسبب صعوبة في تغيير افكاه لكل ما هو حديث. وهنا دور دوائر الارشاد الزراعي بتبسيط فكرة الاستدامة للفلاح البسيط شرح أهميتها له وللأجيال القادمة والتفكير للغد وليس في حدود اليوم والحاضر وتوفير المعدات الحديثة له وعلى سبيل التجريب ليقارن هو بنفسه الفرق بين الطرق التقليدية والطرق الحديثة ليتجه الى تطبيق الاستدامة في عمله بالزراعة. وان الاستدامة مفهوم دخل حديثا للعراق لكن العراق بدء بشكل جاد ونشط بتفعيل هذا الدور بكافة مؤسسات الدولة واتحدث بصورة دقيقة على الجامعات أيضا بنشر وتوعية مفهوم الاستدامة.
ما أبرز المفارقات التي تواجه تطبيق مبادئ الاستدامة في الدول النامية، خصوصًا بين متطلبات الإنتاج السريع وضغوط الحفاظ على الموارد؟
اقناع كافة فئات المجتمع بمفهوم الاستدامة ونشر ثقافة الاستدامة وهذا ليس بالأمر الهين لان بحاجة الى الارشاد والتوجيه ليس فقط المزارع ولكن المواطن العادي لان الكل كالحلقة في سلسلة احدها يعتمد على الاخر وهذا يتم والوزارات بدأت بالتطبيق من وزارة البيئة والزراعة والموارد المائية وحتى التعليم العالي بإنشاء مراكز بحثية للاستفادة من بحوث الباحثين وتطبيقها على الواقع وأيضا بعمل وحدات للتنمية المستدامة لنشر فكر الاستدامة للطلبة وتهيئة جيل ملم بالاستدامة واهميتها وبالتالي سيفهم ما يدور في العالم من سياسات الحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة ومساعدة الدولة في تحقيق الإنتاج والحفاظ على الموارد.
كيف يمكن للتقنيات الزراعية أن تعالج أزمة الأمن الغذائي دون أن تتحول إلى عامل ضغط إضافي على التنوع الحيوي والنظم البيئية؟
بالعكس التقنيات الزراعية الحديثة هي سلاح لمواجهة ازمة الامن الغذائي بمعنى التكنولوجية الحديثة والذكاء الاصطناعي وجدا لتسهيل العملية الزراعية وتقليل الفقد بالمحصول والحفاظ على جودته وأيضا يطبق فكرة استغلال كل شيء بمعنى حتى النفايات ممكن استفادة منها في توليد الطاقة المتجددة وبالتالي الحفاظ على النظام البيئي من الاختلال.
التحول نحو الزراعة المستدامة يتطلب تغييرًا في الفكر قبل الأدوات. برأيكِ، أين يكمن التحدي الأكبر: في التكنولوجيا نفسها أم في الثقافة الزراعية السائدة؟
الاثنان ولكن الثقل الأكبر على الثقافة الزراعية السائدة وقد ذكرت مسبقا ليس من السهل اقناع الفلاح البسيط بأشياء تربى على خلافها منذ الصغر وهنا البدء بنشر الثقافة الزراعية وعمل سياسة الاقناع معه بالنظر للفعل وليس الاقوال بمعنى توفير معدة حديثة يستخدمها بنفسه ليشعر بالفرق من الحفاظ على المياه او زيادة الحاصل او تقليل نمو الادغال مقارنة بالطرق التقليدية وحينها سيلجئ الى التكنولوجية بقناعة تامة.
في ظل التغير المناخي، كيف تعيد التقنيات الزراعية رسم العلاقة بين الإنسان والأرض، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة المخاطر الزراعية؟
بتقليل الفاقد من المحاصيل الزراعية بتقليل عدد مرور الآلات الزراعية على الأرض مما يقلل من دك التربة وعدم تكون ترب صماء غير صالحة للزراعة تقليل الفاقد من المياه عن طريق استخدام طرق الري الحديثة والاستزراع المائي لتقليل هدر المياه والاستفادة من كل قطرة والتي بدورها تعطي لكل نبات حصته من المياه وتقلل الفاقد من المحاصيل الزراعية.
ما الدور الذي تؤدي الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في ترسيخ مفهوم الاستدامة الزراعية خارج أسوار البحث العلمي؟
البحوث المنتجة من الباحثين يجب استثمارها واخراجها الى النور للاستفادة منها ونشر الوعي الثقافي بالاستدامة بين الطلبة والمنتسبين وهذا ما تقوم به جامعة الفرات الأوسط التقنية برعاية السيد رئيس الجامعة والمساعد العلمي المحترمين وبجهود حثيثة ومتابعة مباشرة من السيد مدير قسم ضمان الجودة والأداء الجامعي الأستاذ المساعد الدكتور حسين عواد كردي المحترم.
كيف يمكن تحقيق توازن واقعي بين الابتكار التكنولوجي والكلفة الاقتصادية، خاصة في المجتمعات الزراعية محدودة الدخل؟
دور الدولة في توفير المعدات والاليات الاقتصادية بأسعار مدعومة او الدفع بالتقسيط لتنشيط مفهوم الاستدامة الزراعية وتطوير مهارات الفلاح البسيط ومواكبة التطور الحاصل في العالم وهذا يأتي بالتدريج حتى تكون الخطوات مدروسة وواقعية.
إلى أي مدى يمكن للتقنيات الحيوية والزراعة الذكية مناخيًا أن تقدم حلولًا مستدامة دون إثارة إشكالات أخلاقية أو بيئية؟
التكنولوجية الحديثة والاستدامة هدفها الرئيس الحفاظ على البيئة، ان مفهوم الاستدامة معناه الحفاظ على ثروات الأرض للأجيال القادمة ولذلك هناك ربط بين التكنولوجية والاستدامة لتحقيق هدف الحفاظ على البيئة دون احداث ضرر حالي او مستقبلي للأرض.
ما المؤشرات الحقيقية التي يمكن من خلالها قياس نجاح مشروع زراعي مستدام بعيدًا عن الأرقام الإنتاجية التقليدية؟
تقليل الفاقد بالمياه وزيادة الإنتاج بشكل ملحوظ الربح في البداية سيكون قليل لتغطية كلفة المشاريع المستدامة وبعدها سيبدأ الفلاح بجني ثمار الربح دون احداث ضرر على الأرض والبيئة. والعالم اليوم يتجه الى الزراعة العضوية التي تعتمد في تسميدها على الأسمدة النباتية والحيوانية وأيضا المبيدات الصديقة للبيئة مما تؤدي الى الحفاظ على نكهة الحاصل وتقليل الامراض السرطانية رغم الكلفة العالية لها لكن تحافظ على سلامة البشر وصحته.
كيف تسهم الرقمنة الزراعية في إعادة هيكلة سلاسل الإنتاج والتوزيع ضمن إطار التنمية المستدامة؟ معرفة كمية المياه واحتياجات النبات لكل لتر من المياه وحساب كمية الأسمدة والطاقة الازمة لزراعة كل محصول وتوفير لكل فلاح قدر حاجته من المستلزمات الزراعية دور اسفاف وهدر للموارد. وبالتالي تتكون حسابات دقيقة من الزراعة للتسويق ومعرفة كمية الربح والخسارة.
في رأيكِ، كيف يمكن للتقنيات الزراعية أن تتحول من أدوات إنتاج إلى أدوات حماية بيئية؟
بالاستخدام الأمثل ونشر ثقافة استخدام التقنيات الزراعية الحديثة وتعريف الفلاح او الباحث في مجال الزراعة والبيئة والاستدامة ان الاتجاه نحو الاستدامة ليس فقط لزيادة الإنتاج الصحي ولكن للحفاظ على ثروة الأرض للأجيال القادمة أي انها ليست رفاهية بل خيار.
لو أردنا اختزال مستقبل الزراعة المستدامة في فكرة واحدة، ما التحول الجوهري الذي ينبغي أن يحدث اليوم قبل الغد؟
نشر وتوعية الفلاح وجميع فئات المجتمع بفكرة الزراعة المستدامة والاستدامة بصورة عامة، لان الاتجاه نحو الفعل قبل التوعية لا يؤدي الى النتائج المرجوة وبالتالي سوف لن يحدث تغيير. وهذا العمل يحدث بالجهود والتعاون الجاد بين مؤسسات الدولة وافراد المجتمع لان المسؤولية هنا مسؤولية الجميع.
في ختام هذا الحوار، نتقدم بالشكر والتقدير للدكتورة مينا الجبوري على هذا الطرح العلمي الرصين والرؤية الواضحة التي أعادت وضع التكنولوجيا الزراعية في سياقها الحقيقي ضرورة لا رفاهية.
حوار يذكرنا بأن مستقبل الزراعة لا يحسم في الحقول وحدها، بل في طريقة تفكيرنا بها.



اضف تعليق