في عالم يتسارع بلا توقف، أصبحنا نملك وقتاً أقل للتأمل واهتماماً أقل بما يحدث في أعماقنا؛ حتى غدت الشاشة أقرب إلينا من قلوبنا، المشكلة ليست في التقدم، بل في تحول السرعة إلى أسلوب يسرق لحظات السكينة ويجعلنا غافلين عما بداخلنا، فالقلب يحتاج إلى الوقوف عن الركض...
في عالم يتسارع بلا توقف، أصبحت الوقت عنوانا للحياة عبارة عن رسائل تصلك في لحظات، وأخبار تتغير كل دقيقة، وأيام تمر وكأنها ومضة عابرة، ننتقل من عمل إلى آخر، ومن شاشة إلى شاشة، ومن خبر إلى خبر، حتى أصبحنا نملك وقتا أقل للتأمل، واهتماما أقل بما يحدث في أعماقنا.
وسط دوامة الزمن يبقى سؤال أكثر عمقا من كل الأسئلة: هل ما زال القلب يعرف طريقه إلى الله؟ قد يمتلك الإنسان وسائل كثيرة للاتصال بالعالم، في ضل التطور الحاصل والتقدم التكنلوجي لكنه قد يفقد الاتصال بذاته.
وقد يعرف أخبار البعيدين، ويتابع تفاصيل حياتهم، لكنه لا يجد دقائق هادئة يسأل فيها نفسه: كيف حال قلبي؟ وهل ما زلت أشعر بالقرب من الله كما كنت؟ إن المشكلة ليست في السرعة ذاتها، فالتقدم والإنجاز من سنن الحياة، وإنما في أن تتحول السرعة إلى أسلوب يسرق من الإنسان لحظات السكينة، ويجعله دائم الانشغال بما حوله، غافلا عما بداخله.
السؤال الجوهري: ماذا نخسر حين نكسب العالم ونفقد دقائقنا مع الله؟ هذا السؤال لا يبحث عن إجابة نظرية، بل يضع الإنسان أمام مرآة نفسه. فماذا تنفع كثرة الإنجازات إذا كان القلب مثقلا بالقلق؟ وما قيمة أن نصل إلى كل مكان، إذا عجزنا عن الوصول إلى الطمأنينة؟
إن القلب يحتاج إلى لحظات يتوقف فيها عن الركض، لحظات صلاة، ودعاء، وذكر، وتأمل، وقراءة للقرآن، وعودة صادقة إلى الله. ليست هذه اللحظات انسحابا من الحياة، بل استعادة للتوازن الذي يجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة الحياة. وفي الإسلام، لا ترتبط الطمأنينة بكثرة ما يملك الإنسان، وإنما بما يسكن قلبه من إيمان ويقين. قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾.
ولعل أجمل ما في الطريق إلى الله أنه لا يحتاج إلى موعد خاص ولا إلى مكانٍ بعيد. فقد تبدأ العودة بكلمة استغفار، أو سجدة صادقة، أو دعاء يخرج من قلب أنهكه التعب. حين تصبح الشاشة أقرب من القلب، ربما أصبح الهاتف حاضرا في تفاصيل يومنا أكثر من حضورنا مع أنفسنا. نستيقظ على الإشعارات، وننام على آخر الأخبار، وبينهما تتوزع ساعاتنا بين مواقع التواصل والمقاطع والرسائل.
وهنا لا يكون السؤال: هل نستخدم التكنولوجيا؟ بل: هل نحن من يستخدمها، أم أصبحت هي التي تستخدم وقتنا وانتباهنا؟ إن الإنسان يحتاج إلى أن يترك لنفسه مساحة لا يصل إليها ضجيج العالم، مساحة يستعيد فيها هدوءه ويعيد ترتيب أولوياته، ويمنح قلبه فرصة للعودة إلى الله.
الطريق إلى الله لا يحتاج إلى السرعة، في زمنٍ يعلمنا أن كل شيء يجب أن يحدث بسرعة، يذكرنا الإيمان بأن بعض الأشياء العظيمة تحتاج إلى الصبر، فبناء النفس يحتاج إلى وقت، وإصلاح القلب يحتاج إلى مجاهدة، والثبات على الطاعة يحتاج إلى استمرار، وقد لا يشعر الإنسان بتغير قلبه في يوم واحد، لكنه حين يداوم على الصلاة والذكر والدعاء وقراءة القرآن والعمل الصالح، يجد أن شيئا في داخله بدأ يتغير، فالعودة إلى الله ليست لحظة عابرة، وإنما طريق، قد يتعثر الإنسان فيه، وقد يضعف، لكنه يستطيع دائما أن يبدأ من جديد. وأنت.. متى كانت آخر مرة استمعت فيها إلى قلبك؟ ربما يكون هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه بعيدا عن ضجيج الحياة. متى كانت آخر مرة جلست فيها مع نفسك دون هاتف؟ متى كانت آخر مرة دعوت الله بقلب حاضر؟ متى كانت آخر مرة شعرت فيها أن الصلاة ليست واجبا تؤديه فحسب، بل راحة تبحث عنها؟ قد لا نستطيع إيقاف العالم من حولنا، ولا يمكننا العودة إلى زمن بلا سرعة، لكن يمكننا أن نمنح قلوبنا لحظات لا تحكمها السرعة.
ففي النهاية، ليست القضية كم أنجزنا، ولا كم جمعنا، ولا كم تابعنا من أخبار، وإنما السؤال الأهم: ماذا حدث لقلبنا ونحن نركض خلف كل ذلك؟ وربما تكون أعظم رحلة يمكن أن يخوضها الإنسان في زمن السرعة هي رحلة العودة إلى الله. رحلة لا تحتاج إلى طريق طويل، وإنما إلى قلب صادق يعرف أن الطمأنينة الحقيقية لا تشترى، وأن القلب مهما ابتعد، يبقى قادرا على أن يجد طريقه إلى الله.



اضف تعليق