ترجمة: سمية زاهر

مقدمة للترجمة:

تشير الأبحاث إلى أن أعداد المدمنين على الإنترنت، بالمعنى النفسي للإدمان، تتزايد يوما بعد يوم، وتشير كذلك إلى أن العديد من شركات الإنترنت، على تنوع أهدافها، تتعلم ما عرفته صناعة التبغ منذ فترة طويلة، وهو أن الإدمان مفيد ما دام أنه يدرُّ ربحا. في هذه المادة الأدبية الطابع، يشرح "بيل دافيدو"، محرر "ذا أتلانتك"، كيف يحدث ذلك، وما دور علم الأعصاب في إثراء هذا الجشع الجديد، وهل سيتوقف يوما ما.

نص الترجمة:

يواجه قادة شركات الإنترنت دائما معضلة تستثير الانتباه، وإن كانت تجذب شكوكا أخلاقية، وهي إما استغلال علم الأعصاب لاكتساب حصة في السوق وتحقيق أرباح كبيرة، وإما السماح للمنافسين بالإقدام على هذه الخطوة والاستحواذ على السوق. اشتهر العصر الصناعي بمقولة توماس إديسون الشهيرة: "أحاول أن أستشف أولا ما يحتاج إليه العالم، ثم أمضي قُدُما في محاولة لابتكاره"، وبهذا لعب إديسون دورا مُرشدا نحو طريقة في الحياة أشد أصالة وأحفل بالمغزى، لكن خلال بضعة أجيال فقط يمكن أن تحدث تغييرات ما كان لأحد أن يتخيَّلها.

فما إن جاء عصر الإنترنت، حتى كشف لنا الكثير عن الدوافع الخفية للشركات التي تبنت توجها رئيسيا بخلق هوس بين المستخدمين، ثم استغلاله فيما بعد لصالحها. أما عواقب ذلك على المستخدمين، فلا يكترثون لأمرها بأهون درجة.

لا تُخفي شركات الألعاب هذه النوايا، بل تتحدث علنا وبكل صراحة عن ابتكارها لـ"حلقة إجبارية" تعمل تقريبا على النحو الآتي: يبدأ اللاعب في اللعبة، وما إن يُحَقق هدفا حتى تمنحه اللعبة محتوى جديدا؛ ما يُشعِل شهيته لمواصلة اللعب بالمحتوى الجديد، وهكذا ينخدع طويلا بالنداء الساحر لهذه اللعبة ويسقط في شباك حلقة مُفرَغة يتعذر عليه التحرر منها. غير أن العملية ليست بهذه البساطة، بل تنطوي على آليات أكثر تعقيدا. وبفضل علم الأعصاب، بدأنا نفهم أن تحقيق هدف ما، أو توقع مكافأة جرّاء إكمالنا مهمة ما؛ يمكن أن يُثير الخلايا العصبية في "المنطقة الغشائية البطنية في الدماغ (ventral tegmental area)"، التي تُطلِق الناقل العصبي "الدوبامين" إلى مراكز المُتعة، وهو ما يُضفي على التجربة مزيدا من الإثارة.

لعبة الدوبامين

أحيانا نستسلم لغواية الاعتقاد بأن تجارب بعينها ستمنحنا رضا دائما، لهذا السبب تحديدا، يتخلل بعض الأشخاص هوس بالتجارب التي تبحث عن المتعة، وما إن يجدوها حتى تنضم إلى حياتهم وتندمج ذائبة فيها، لينخرطوا إثر ذلك في سلوك قهري، وتُضرَم فيهم رغبة لا تهدأ لمواصلة اللعب، أو التحقق طوال الوقت من البريد الإلكتروني، أو الانجذاب قهريا إلى المقامرة على الإنترنت. لتصحيح هذه النزعة، وإلقاء الضوء على نوايا الشركات التي لا مُسَوِّغ لها، خصصت مجلة "نيوزويك (Newsweek)" الأميركية مساحة لهذا الموضوع على غلافها الرئيسي، لتشير إلى بعض الآثار الضارة الناجمة عن السعي الخفي للشركات، الذي من شِيمه أن يزيد من احتمالية سقوط البشر فريسة لفخ هذه الحلقة القهرية.

يُشَكِّل إفراز الدوبامين الأساس الذي يقوم عليه إدمان النيكوتين والكوكايين، فمثلا يؤدي استنشاق النيكوتين إلى إطلاق كمية صغيرة من الدوبامين، وسرعان ما يجد المدخن نفسه توَّاقا إليه باستمرار، فيغدو مدمنا على السجائر. أما مع الكوكايين والهيروين فالأمر أكثر تعقيدا، إذ يتسلق المرء جرفا شديد الانحدار وفي اعتقاده أنه بذلك سيبلغ قمة السعادة، ويسهو عن حقيقة أنه بمجرد أن يبلغ القمة سيُستدعَى مرة أخرى إلى المنحدرات والقيعان، وسينسحق تماما تحت وطأة هذه المخدرات، لأن الدوبامين في هذه الحالة يُفرَز بكميات أكبر، فتجر هذه الكارثة وراءها كوارث أشد تدميرا. في الماضي، حاولت الشركات أن تتبنى رؤية أوسع بتتبع الجذور النفسية للمستخدمين حتى منابعها، فاستعانتْ ببعض الاستطلاعات الخاصة بالعملاء، وأجرت مناقشات واختبارات نفسية لمعرفة كيفية جعل المنتجات أكثر جاذبية واستقطابا.

في عام 1957، نشر الكاتب الصحفي والناقد الاجتماعي الأميركي "فانس باكارد" كتابا بعنوان "المُقنِعون المَخفِيون (The Hidden Persuaders)"، تحدث فيه عن 8 احتياجات نفسية خفية بداخلنا، منها رغبتنا في إهداء الحب وتلقّيه من الآخرين، بجانب التوق إلى السلطة. ولأن عقولنا عجينة طرية من السهل أن تؤثر عليها الأصوات الخارجية التي تسحبنا نحو ما نحتاج إليه لنشعر بالرضا، فإن شركات الإعلانات تستغل هذه الاحتياجات النفسية لزيادة الطلب على منتجاتها. في عام 1996، توفّي "باكارد" الذي شكك في أخلاقيات استغلال العواطف من أجل بيع المنتجات، ولو كان على قيد الحياة اليوم لأُصيب بصدمة شديدة جرّاء التحول الجذري الذي وصلت إليه تلك التقنيات البدائية التي هاجمها حينذاك باعتبارها تقنيات استغلالية، والتي باتت الآن أشد مراوغة والتباسا.

لاكتشاف كيف يمضي المرء على غير هدى تحت تأثير هذا الهوس، يلجأ علماء الأعصاب إلى التصوير بالرنين المغناطيسي النووي (NMR) لمراقبة استجابة الدماغ أثناء انكباب البشر على الألعاب الإلكترونية أو تفاعلهم مع الأجهزة الذكية أو المقامرة. لذا أجرى "لوك كلارك"، عالم الأعصاب بجامعة كامبريدج، عمليات مسح للدماغ، وغايته من ذلك كله هو إثبات أن اهتمام اللاعبين باللعبة يزداد كلما شعروا بقدرتهم على التحكم في النتيجة، وكأنهم يندفعون في خطى مضطربة مُلبّين نداء قوة عاتية، كما أن قدرتهم على تلافي الأخطاء الوشيكة تؤجج رغبتهم في مواصلة اللعب.

لذا، مضى علماء الأعصاب مُتفَكّرين في تلك التقنيات العجيبة المسيطرة على الفرد أيما سيطرة، لدرجة أن عدم قدرة المستخدمين مثلا على التنبؤ بالفوز أصبح سببا رئيسيا في إطلاق الدوبامين، الذي يجعلهم مغلوبين على أمرهم مُصَفَّدين بأغلال اللعبة، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، وإذا بدؤوها لم يملكوا أن يكفوا عنها.

بداية الإدمان

بحلول التسعينات، بزغ نوع فريد من الشغف إزاء الإنترنت وألعاب الكمبيوتر، نتج عنه فيض من سلوكيات الوسواس القهري. ظل السلوك القهري أحد الآثار الجانبية التي تظهر على المستخدمين، ولم يكن غرض الشركات حينها أن تُرسِل عملاءها إلى حالة من إدمان الألعاب، وتطبيقات الإنترنت الأخرى، كانت غاية مقدمو التطبيقات حتى عام 2000 تقريبا هي توفير خدمات للعملاء تزيد من شعورهم بالغبطة، فيجدوا لحواسهم ميلا إليها؛ ما يجعل منتجاتهم أكثر جاذبية. ومع ذلك، دق ناقوس الخطر مبكرا مع شكاوي الناس من أجهزتهم البلاك بيري التي أصبحوا مُكَبلين بأغلالها، ودبَّ بقلب الآباء حينها القلق حول الساعات الطويلة التي يقضيها أطفالهم في ألعاب الفيديو.

إذا ما تُركتْ عواطفنا على هواها بلا زمام أو رقابة، فإنها تميل للاندفاع نحو الانغماس والإفراط في كل شيء نمارسه. وذلك يوضح سبب هوسنا بالتحقق باستمرار من البريد الإلكتروني، وأسعار الأسهم، والنتائج الرياضية على الهواتف الذكية؛ والذي غالبا ما يكون مدفوعا بإفراز الدوبامين تحسبا لتلقي أخبار جيدة. باتت علاقتنا مع هواتفنا عميقة الجذور، وراسخة الأساس بحيث يستحيل التخفف منها، لدرجة أننا أصبحنا مُهَيَّؤون بشدة للاستماع إلى طنين هواتفنا الوهمي، إذ تخدعنا عقولنا بتلقي إشعارات طوال الوقت.

في الوقت الذي ظهر فيه ويب 2.0 (وهو مصطلح يشير إلى مجموعة من التقنيات الجديدة التي أدت إلى تحول جوهري في كيفية استخدامنا للإنترنت)، أصبح خلق الهواجس بين المستخدمين هو المفتاح الرئيسي للنجاح، لكن في وقتنا الحالي تهدف شركات الألعاب الإلكترونية إلى تعزيز إحساس محبب في نفوس المستخدمين بخلق حلقات إجبارية تجذبهم نحوها، وتؤدي مباشرة إلى تلك الهواجس التي تفرض نفسها على الناس. لا يقتصر الأمر على الألعاب الإلكترونية فقط، بل تهدف التطبيقات الأخرى إلى تحقيق الهدف ذاته، وهو تأجيج شعور محموم لدى المستخدمين لجمع الآلاف من الأصدقاء على الفيسبوك، أو الآلاف من المتابعين على تويتر، أو أن تتعمد تطبيقات تحديد الموقع أن تُثير فيك الدهشة عندما تكتشف أن صديقا لك لم تره منذ سنوات قريب من موقعك الآن.

لتفادي هذه الأزمة، كان المجتمع في الماضي قادرا على وضع حواجز مادية تُصَعِّب من إشباع الهواجس غير الصحية أو المُدَمِّرة، على عكس وضعنا اليوم الذي يختلف اختلافا جذريا بتلاشي الحواجز المادية التي تفصل بين الإنسان وهوسه، فنبقى رازحين تحت وطأة هواتفنا الذكية والأجهزة الإلكترونية التي باتت تلازمنا في كل مكان أينما ذهبنا وحيثما اتجهنا، فتمزّق الرابطة بين الإنسان وطبيعته ولا تبقي على أي آصرة بينهما. عندما يُضعِف السلوك القهري قدرتنا على العمل والتواصل بصورة طبيعية، فإن ذلك يفتح بابا ليتسلل منه اضطراب الوسواس القهري.

تشير بعض التقديرات إلى أن حوالي 10% من مستخدمي الإنترنت أصبحوا مهووسين به لدرجة أنه كشف عن مقدار الهشاشة التي طالت علاقاتهم الاجتماعية وحياتهم الأسرية وزواجهم وكفاءتهم في العمل (قد تكون النسبة أقل أو أكثر، إذ لا يبلِّغ معظم الأشخاص عن إدمانهم). إن هذه التقديرات تنقل لنا رسائل لا نود أن نعترف بها مفادها أننا غير محصنين من هذا الهوس، وأنه مع تحسن أداء الأجهزة المتصلة بالإنترنت، ومع تعلم الشركات كيفية استغلال علم الأعصاب لتحويل البيئات الافتراضية إلى عالم أكثر جاذبية، سيزداد عدد المهووسين بلا شك.

تتعلم العديد من شركات الإنترنت ما عرفته صناعة التبغ منذ فترة طويلة وتبنته بصورة أساسية، وهو أن الإدمان مفيد ما دام أنه يدرّ ربحا. ولا سبيل للشك في أن تقنيات علم الأعصاب الحالية قادرة على خلق هواجس أكثر إقناعا في العالم الافتراضي. يبدأ وعينا مع إدراك أن العالم الافتراضي الذي بات يعتبره البعض حقائق أزلية، لا بد أن يخضع للسؤال والتقصي، فلا ثروة غير الحياة ذاتها، الحياة بكل ما تنطوي عليه من قدرات على التفاعل الحقيقي مع الناس، لذا تبدأ نقطة الانطلاق بإدراك أن الانغماس ببيئتنا الافتراضية يمكن أن تكون له عواقب وخيمة.

إن أفخم الأجهزة الإلكترونية لا يمكنها أن تمنحنا كِسرة من الرضا والإشباع الناتجين من علاقة طيبة مع الأهل أو الأصدقاء. لذا، أحاول أن أُشيِّد جدرانا مادية بإمكانها أن تعزلني في أي لحظة عن بيئتي الافتراضية، فمثلا أضع خطة لقراءة الكتب والصحف في أي مكان في منزلي على جهاز الآيباد، لكنني لا أرد على رسائل البريد الإلكتروني إلا في مكتبي فقط. وحينما يحين وقت العائلة، الذي أتحدث فيه مع زوجتي، أو أستمع إلى بناتي يناقشن التحديات التي يواجهنها في تربية أطفالهن، أو ألهو وأضحك مع أحفادي، فإنني لا أكتفي بغلق هاتفي فحسب، بل أضعه بعيدا عن متناول يدي. في النهاية، أحاول أن أواصل السعي نحو طريقة الحياة التي يجب أن تمنحها أفئدتنا القيمة الأكبر. في نهاية المطاف، لكي نعمل بفعالية وسعادة في عالم افتراضي تزداد سطوته يوما بعد آخر، لا بد من تخصيص وقت أكبر للعيش بدونه والتحرر من سطوته.

* هذا المقال مترجم عن The Atlantic ونشره موقع ميدان.

اضف تعليق