الإعلام والإعلامي بين الرسالة المهنية والمسؤولية المجتمعية

دراسة في الوظائف الاتصالية وأخلاقيات الممارسة وتداعيات الانحراف المهني

الإعلام قوة استراتيجية في تشكيل الوعي والرأي العام، ولم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل مؤسسة تؤثر في السياسة والثقافة والتنمية. وتقوم رسالة الإعلامي على البحث عن الحقيقة وخدمة الصالح العام والالتزام بالدقة والموضوعية والنزاهة. وغياب المهنية يقود إلى الشائعات، وفقدان الثقة، والانقسام، وتهديد الاستقرار، ما يستدعي تدريبًا ومواثيق شرف...

المقدمة:

يُعد الإعلام أحد أهم المؤسسات الاجتماعية المؤثرة في تشكيل الرأي العام وصناعة الوعي الجماهيري وتوجيه السلوك المجتمعي، إذ شهد العالم خلال العقود الأخيرة تطورات متسارعة في وسائل الاتصال وتقنيات الإعلام الرقمي، مما جعل الإعلام قوة فاعلة تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والسياسية. وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، تعاظمت مسؤولية الإعلامي بوصفه فاعلًا رئيسًا في نقل المعلومات وصياغة الرسائل الإعلامية وتفسير الأحداث والقضايا العامة.

ولم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما غدا مؤسسة استراتيجية تؤدي أدوارًا سياسية واقتصادية وثقافية وتربوية، الأمر الذي يفرض التزامًا عاليًا بالمعايير المهنية والأخلاقية على السواء، لضمان أداء رسالته بصورة مسؤولة ومتوازنة.

أولًا - مفهوم الإعلام وأهميته:

الإعلام هو عملية منظمة تهدف إلى جمع المعلومات والأخبار والحقائق وتحليلها ونقلها إلى الجمهور عبر وسائل مختلفة، وذلك بقصد الإخبار أو التوعية أو التثقيف أو التأثير، إذ تنبع أهمية الإعلام من كونه:

أ. مصدرًا رئيسًا للمعلومات والمعرفة.

ب. أداة لتشكيل الرأي العام.

ج. وسيلة لتعزيز الهوية الوطنية والانتماء المجتمعي.

د. ركنًا أساسيًا في دعم التنمية المستدامة.

هـ. آلية رقابية على أداء المؤسسات العامة والخاصة.

و. جسرًا للحوار والتواصل بين الشعوب والثقافات.

لذا أُطلق على الإعلام وصف السلطة الرابعة، نظرًا لتأثيره الواسع في المجتمع والدولة.

ثانيًا - دور الإعلام في المجتمع المعاصر:

يضطلع الإعلام بمجموعة من الأدوار الحيوية، من أبرزها:

1. الدور الإخباري: يتمثل في نقل الأخبار والوقائع والمعلومات إلى الجمهور بسرعة ودقة وموضوعية، بما يعين المواطنين على فهم ما يجري في محيطهم المحلي والدولي.

2. الدور التثقيفي: يسهم الإعلام في نشر المعرفة وتعزيز الثقافة العامة والوعي الاجتماعي من خلال البرامج التعليمية والتوعوية والحوارات الفكرية.

3. الدور الرقابي: يقوم الإعلام بمراقبة أداء السلطات والمؤسسات وكشف الفساد والانحرافات الإدارية والمالية، مما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة.

4. الدور التنموي: يساهم في دعم خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر نشر ثقافة العمل والإنتاج والتحديث والتطوير.

5. الدور التوجيهي: يساعد في ترسيخ القيم الإيجابية وتعزيز السلوكيات المجتمعية السليمة ومواجهة الظواهر السلبية.

6. الدور الحضاري: يعمل على بناء جسور التواصل الحضاري والثقافي بين الأمم والشعوب، ويسهم في تعزيز قيم التسامح والتعايش المشترك.

ثالثًا - الإعلامي ورسالة المهنة:

الإعلامي ليس ناقلًا محايدًا للمعلومات فحسب، بل هو صاحب رسالة إنسانية ومجتمعية تتطلب قدرًا كبيرًا من المسؤولية والوعي والمعرفة. وتتمثل رسالته في:

أ. البحث عن الحقيقة وإيصالها للجمهور.

ب. خدمة الصالح العام.

ج. الدفاع عن قيم العدالة والحرية وحقوق الإنسان.

د. تعزيز الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي.

هـ. نشر المعرفة ومكافحة الجهل والتضليل.

و. الإسهام في ترسيخ ثقافة الحوار والتسامح.

ومن ثم، فإن الإعلامي الحقيقي يُعد شريكًا في بناء المجتمع وتطويره، وليس مجرد موظف في مؤسسة إعلامية.

رابعًا - المهنية الإعلامية وأخلاقيات العمل:

تقوم المهنية الإعلامية على مجموعة من المبادئ الأساسية، لعل من أهمها:

1. الصدق والدقة: التحقق من المعلومات قبل نشرها والاعتماد على المصادر الموثوقة.

2. الموضوعية: عرض الوقائع بصورة متوازنة بعيدًا عن التحيز الشخصي أو الحزبي أو الطائفي.

3. النزاهة: الابتعاد عن الابتزاز الإعلامي أو المصالح الخاصة أو تضارب المصالح.

4. المسؤولية الاجتماعية: مراعاة تأثير الرسالة الإعلامية على المجتمع والأمن والاستقرار والقيم العامة.

5. احترام الخصوصية: عدم انتهاك الحياة الخاصة للأفراد إلا في حدود المصلحة العامة المشروعة.

6. احترام التنوع: نبذ خطاب الكراهية والعنصرية والطائفية والتمييز بمختلف أشكاله وصوره.

خامسًا - تداعيات غياب المهنية الإعلامية:

إن التخلي عن المعايير المهنية والأخلاقية يؤدي إلى نتائج خطيرة على المجتمع والدولة، ومن أبرزها:

1. انتشار الأخبار الكاذبة والشائعات: يؤدي ضعف التحقق من المعلومات إلى تضليل الرأي العام وإثارة البلبلة والفوضى.

2. فقدان الثقة بالمؤسسات الإعلامية: حين يكتشف الجمهور عدم مصداقية الوسيلة الإعلامية يفقد ثقته بها وبما تنشره من معلومات.

3. تعميق الانقسامات المجتمعية: قد يسهم الإعلام غير المهني في تأجيج النزاعات الطائفية أو العرقية أو السياسية.

4. تهديد الأمن والاستقرار: يمكن أن تتحول بعض المنصات الإعلامية إلى أدوات لنشر التطرف والكراهية والتحريض والعنف.

5. تشويه الحقائق: عبر الانتقائية أو التلاعب بالمعلومات أو إخراجها من سياقها الحقيقي.

6. إضعاف الوعي العام: إذ يحل التضليل محل المعرفة، والدعاية محل الحقيقة، والانفعال محل التفكير العقلاني.

سادسًا - متطلبات تطوير الأداء الإعلامي:

لضمان أداء إعلامي مهني هادف ومسؤول، ينبغي:

أ. تطوير برامج التعليم والتدريب الإعلامي.

ب. ترسيخ مواثيق الشرف الإعلامي.

ج. تعزيز استقلالية المؤسسات الإعلامية.

د. دعم حرية التعبير المسؤولة.

هـ. مكافحة التضليل الإعلامي وخطاب الكراهية.

و. توظيف التكنولوجيا الحديثة بصورة أخلاقية ومهنية.

ز. تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور.

الخاتمة:

يمثل الإعلام في العصر الحديث قوة استراتيجية مؤثرة في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام وتوجيه مسارات التنمية والاستقرار.

كما يشكل الإعلامي حجر الزاوية في نجاح العملية الإعلامية أو فشلها، إذ تتوقف مصداقية الرسالة الإعلامية وتأثيرها على مدى التزامه بالمهنية والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية.

وتأصيلًا على ما تقدم، فإن بناء إعلام مهني رصين لا يُعد خيارًا مؤسسيًا فحسب، وإنما ضرورة وطنية وحضارية لحماية الحقيقة وتعزيز الاستقرار وترسيخ قيم المعرفة والوعي والتقدم.

* تخصص: العلوم السياسية/ الدبلوماسية والعلاقات الدولية

اضف تعليق