أثبتت تجارب الشعوب الناجحة في العالم أهمية الاستثمار في البناء الانساني قبل الاقتصادي والسياسي حتى، ففي الاقتصاد يتعلم الناس ثقافة الاستهلاك قبل الانتاج، وفي التعليم يثقفوا الطفل الصغير في رياض الاطفال قبل دخوله المدرسة بأن عليه أن يكون عالماً في المستقبل ويسهم في بناء بلده وفي رفاهية شعبه...

"ما حكّ ظَهرَكَ مِثلَ ظِفرَكَ"

إنه مثل شعبي ذو عبرة وحكمة يدعو الى الالتفات الى الطاقات الموجودة قريباً والاستفادة منها لمعالجة المشاكل والازمات فهي الأجدر والأولى، وعدم انتظار الافكار الجاهزة والاجراءات القادمة من الخارج، فهي معادلة منطقية للغاية، فالمشكلة التي تحصل بين زوجين بين اربع جدران وعلى مساحة صغيرة من البيت –مثلاً-، لا يمكن حلها من خلال اشخاص بعيدين على مساحات واسعة من الأرض، يجهلون التفاصيل والخلفيات، فهم ربما ينصحون، وينظرون، وحتى يحذرون، بيد أن المفتاح السحري للمشكلة يبقى بيد الزوجين بالدرجة الاولى لسبب بسيط؛ أن المشكلة ولدت بينهما مثل الفايروس، وهما القادران على القضاء عليه قبل غيرهما.

نحن اليوم نتحدث عن الفساد و مظاهره من نهب مريع للثروات، وانتهاك للحقوق، كما نتحدث عن الأمن وظاهرة حيازة السلاح بين افراد المجتمع، ونتحدث عن الظلم وغياب العدل، ونتحدث عن الفوضى في المرور، وعن فوضى البناء والعمران، وفي قطاع الخدمات وغياب النظام والقانون بنسبة كبيرة في مجالات عدّة، كل هذا عند انفجار مشكلة ما، مثل العثور على أكداس الاموال النقدية بشكل غريب ومثير للاشمئزاز والسخرية في آن، أو اندلاع نزاع عشائري دموي، او موت جماعي في حوادث مرورية. فنلاحظ الاجراءات المتسرعة المصحوبة بشيء من الاجحاف بحق المواطن كما حصل مع أزمة الغرامات المرورية غير الدقيقة، او فكرة "حصر السلاح بيد الدولة"، في وقت ما يزال المواطن يلمس هشاشة القوة الأمنية والعسكرية، لدى مؤسسات الدولة لتوفير الأمن والاستقرار له من مخاطر داخلية وخارجية، ناهيك عن ملف الاقتصاد والمال المسيطر عليه اميركياً، وليس للدولة العراقية سوى عدّ الاموال وتوزيعها!

إن لم نتمكن حالياً من السيطرة على ملف الأمن والمال رغم مرور اكثر من ثلاثة وعشرين عاماً من عمر "النظام الديمقراطي" في العراق، على الاقل بإمكاننا بحث ملف المرور الذي بات تقطر منه الدماء هذه الايام بسبب حوادث السير القاتلة، فالقضية ليست فقط اجراءات قانونية مثل؛ الغرامات، او الاشارات الضوئية والعلامات المرورية، إنما تحتاج معها الى جهد تربوي وتثقيفي مركّز يكون القاعدة الرصينة لتطبيق تلكم الاجراءات الحكومية، وإلا هل تتمكن هذه الاجراءات من تغيير قناعة الأب او الأم بإعطاء ابنهم الصغير مفتاح السيارة ليسير بها بسرعة جنونية، او يتباهى بها امام الناس ويتسبب بكوارث دامية كما حصل مؤخراً في بغداد بموت افراد أسرة بالكامل لدى اصطدام سيارتهم بسيارة يقودها مراهق صغير قفز عليه من الجانب الآخر من الطريق؟! 

مما يؤسف له حقاً غياب ملفات أساس وكبيرة مثل؛ الأخلاق وتحمل المسؤولية واحترام حقوق الآخرين من اجراءات حكومية وغير حكومية على صعيد الواقع الاجتماعي. طبعاً؛ الامر ينسحب ايضاً على التعليم وتصدعاته الخطيرة بسبب اختراقه من قبل رجال المال والاعمال، وتحوله الى أحد فرص الاستثمار والاثراء. 

لقد أثبتت تجارب الشعوب الناجحة في العالم أهمية الاستثمار في البناء الانساني قبل الاقتصادي والسياسي حتى، ففي الاقتصاد يتعلم الناس ثقافة الاستهلاك قبل الانتاج ليحصنوا انفسهم من ضغوطات المؤسسات المالية الكبرى مثل صندوق النقد، او البنك الدولي والدول ذات الاقتصاد العالمي المتنفذ، وفي التعليم يثقفوا الطفل الصغير في رياض الاطفال قبل دخوله المدرسة بأن عليه أن يكون عالماً في المستقبل ويسهم في بناء بلده وفي رفاهية شعبه، بدلاً من أن ينتظر عطايا الآخرين وما توصلوا اليه من تكنولوجيا وتقنيات في المجالات كافة. 

والعراق، البلد المعروف بعمقه الحضاري والثقافي، وغناه الفكري والعلمي، ونضجه الانساني والأخلاقي، بدليل تفاعل أهله مع كل قضية على وسائل التواصل الاجتماعي أو في المناسبات الدينية الحاشدة، بادياً رأيه واقتراحاته وحتى نقده ايضاً، ولكن! رغم هذه الارضية المعرفية الخصبة نراه جالساً على قارعة الشعوب والأمم ينتظر الحلول والافكار الجاهزة لحل مشاكله او تلبية احتياجاته، والسبب يعود الى ما هو أعمق في نفسه من استفحال حالات اليأس والاحباط ومختلف المشاعر السلبية. 

أما البداية؛ وهنا بيت القصيد، فتبدأ من الانسان الفرد نفسه، عندما يخرج من باب داره، ويبدأ بتوسيع اهتمامه بالنظافة من داخل بيته الى الزقاق والمنطقة السكنية التي يعيش فيها، والحرص على سلامة المحيط من التلوث الصوتي او البيئي، والاهتمام بحقوق الجوار، وفي مساحة أوسع؛ التضامن والتكافل بين ابناء المنطقة السكنية لمناقشة أي ازمة او مشكلة والبحث لايجاد حلول لها. 

هذه الروح الايجابية والحراك البناء يخلق مشاعر الأمل والثقة بالنفس لدى الشاب الجامعي ولدى الموظف والكاسب لأن يبحثوا دائماً عن الحل، ولا يكونوا جزءاً من المشكلة، وهذا بدوره يدفع مؤسسات الدولة بمدرائها و وزرائها وكل المعنيين بشأن الإدارة والتخطيط والتشريع والتنفيذ لأن يتوجهوا الى الافكار الابداعية من شرائح المجتمع.

يكفي الاشارة الى مثال قريب يتعلق بالمياه، فقد تابعت على وسائل التواصل الاجتماعي تقريراً أعده المهندس مشتاق اسماعيل الابراهيمي، وهو دكتوراه هندسة ميكانيكية، وطاقة وعلوم حرارية كما في عنوان صفحته، يتحدث فيه عن امكانية استثمار المياه الناتجة من اجهزة التكييف المنزلي التي تفرز قطرات المياه من عملية تكثيف الرطوبة المسحوبة من هواء المنازل وتحويله الى هواء بارد بواسطة الغاز الموجود في الجهاز، وحسب التقرير فان كل جهاز تكييف في العراق ينتج حوالي اربعة وعشرين لتراً من الماء النقي الخالي من الاملاح خلال اربعة وعشرين ساعة فقط، وبمحاسبة بسيطة يكون لدينا ملايين اللترات من الماء النقي في العراق كله يومياً، إنما يحتاج الأمر الى تنظيم ثم استثمار لهذا المصدر الغني والرخيص للماء في وقت نعاني من شحّة الماء لاستخدامات متعددة. 

ولإضفاء مصداقية عملية على هذه الفكرة بإمكان صاحب مشروع سكني، وما أكثر المشاريع السكنية العمودية في العراق! ان يؤسس لشبكة تصريف قطرات الماء الناتجه من أجهزة التبريد في الغرف الموجودة التي ربما تصل الى مئة جهاز –مثلاً- لتتجمع في قناة واحدة تصب في خزان أسفل البناية لانتاج كميات هائلة من المياه النقية يومياً والصالحة لاستخدام الغسيل –مثلاً- إن لم تكن صالحة في اللحظة الراهنة للشرب إلا بعد مراحل تنقية وتعقيم، او ربما تتوجه الى سقي المساحات الخضراء، وغيرها من موارد الاستخدام. 

هي فكرة قابلة للنقاش والمداولة، وافكار اخرى كثيرة تولد من رحم المجتمع، ثم تنمو وتترعرع بين الافراد حتى تتحول الى واقع عملي قبل ان تتبناه مؤسسات الدولة كخيار للحل او مدخلاً للتنمية والتطور. 

اضف تعليق