يطرح الكاتب قراءة قانونية ودستورية حادة تتناول آلية تشكيل الحكومات العراقية وفق المادة (76) من الدستور، مفرّقاً بين الشرعية السياسية المستندة للتوافق والتصويت البرلماني، وبين الاستحقاق النصي الصريح الذي يشترط تسمية "أعضاء الوزارة" وتشكيل الحكومة كاملة خلال سقف زمني محدد بثلاثين يوماً...
ثمة سؤال دستوري مهم مرّ عليه المشهد السياسي العراقي بسرعة، وربما غطّت عليه التوافقات السياسية والإجراءات البرلمانية: هل تشكلت الحكومة العراقية الحالية دستوريًا أصلًا؟
السؤال لا يتعلق بشرعية النظام السياسي، ولا بشرعية مجلس النواب، ولا بموقف سياسي مؤيد للحكومة أو معارض لها، وإنما يتعلق حصراً بكيفية تطبيق المادة (76) من الدستور العراقي التي نظمت عملية تكليف رئيس مجلس الوزراء وتشكيل الوزارة ومنحها الثقة.
تنص المادة (76/ثانيًا) على أن رئيس مجلس الوزراء المكلف يتولى «تسمية أعضاء وزارته خلال مدة أقصاها ثلاثون يومًا من تاريخ التكليف». ثم تأتي الفقرة الثالثة لتقرر أنه «يكلف رئيس الجمهورية مرشحًا جديدًا لرئاسة مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يومًا عند إخفاق رئيس مجلس الوزراء المكلف في تشكيل الوزارة خلال المدة المنصوص عليها في البند ثانيًا من هذه المادة».
هاتان الفقرتان تستحقان قراءة دقيقة.
الدستور لم يقل إن على رئيس الوزراء المكلف أن يسمي "بعض" أعضاء وزارته خلال ثلاثين يومًا، ولم يقل إن عليه أن يسمي "العدد" الذي تسمح به التوافقات السياسية، وإنما تحدث عن «أعضاء وزارته» وعن «تشكيل الوزارة». ثم رتب نتيجة دستورية صريحة على الإخفاق في ذلك، هي تكليف مرشح جديد.
بعد ذلك تأتي الفقرة الرابعة لتقول إن رئيس مجلس الوزراء المكلف «يعرض أسماء أعضاء وزارته والمنهاج الوزاري على مجلس النواب»، وتعد الوزارة حائزة الثقة عند الموافقة على الوزراء منفردين والمنهاج الوزاري بالأغلبية المطلقة.
وهنا تقع المسألة التي تستحق النقاش.
صحيح أن الدستور نص على الموافقة على الوزراء «منفردين»، بما يعني أن مجلس النواب يستطيع أن يقبل مرشحًا ويرفض آخر، لكن هذا شيء، وأن يقدم رئيس الوزراء المكلف منذ البداية تشكيلة وزارية ناقصة شيء آخر.
هناك فرق دستوري مهم بين أن يقدم المكلف تشكيلته الوزارية كاملة، ثم يرفض مجلس النواب بعض المرشحين، وبين ألا يتمكن المكلف أصلًا من تسمية جميع أعضاء وزارته خلال الثلاثين يومًا، ثم يقدم العدد الذي استطاعت القوى السياسية الاتفاق عليه، ويحصل بهم على الثقة، وتترك الوزارات الأخرى شاغرة إلى حين التوصل إلى توافق سياسي بشأنها.
الحالة الثانية تثير سؤالًا لا يمكن حسمه بمجرد التصويت البرلماني: هل تحقق فيها شرط «تشكيل الوزارة» الوارد في المادة 76؟
المسألة تصبح أكثر أهمية عندما لا تكون الوزارات الشاغرة حالة استثنائية قصيرة، وإنما يستمر النقص شهورًا بعد منح الحكومة الثقة. فاستمرار الشغور يكشف أن الأمر لم يكن مجرد تعثر إجرائي عابر، وإنما أن التشكيلة الوزارية نفسها لم تكن مكتملة عند انتهاء المهلة الدستورية.
وهنا ينبغي التمييز بين الثقة البرلمانية واستيفاء شروط التشكيل الدستوري.
فمجلس النواب يملك منح الثقة أو حجبها وفق الدستور، لكنه لا يملك تعديل الدستور بقرار تصويت. فإذا كان الدستور يشترط تشكيل الوزارة خلال ثلاثين يومًا، فلا يفترض أن يؤدي منح الثقة لجزء من الوزراء إلى تحويل المدة الدستورية المحددة إلى مدة مفتوحة لاستكمال بقية الحكومة.
وإلا فما معنى الثلاثين يومًا أصلًا؟
لو كان يكفي أن يقدم المكلف عشرة وزراء أو أربعة عشر وزيرًا ويحصل على الثقة بهم، ثم يبقي الوزارات الأخرى شاغرة ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو أكثر، فإن المهلة التي وضعها الدستور تفقد وظيفتها العملية. يستطيع أي مكلف عند اقتراب انتهاء الثلاثين يومًا أن يقدم جزءًا من حكومته، ويحصل على الثقة، ثم يستكملها متى سمحت التوافقات السياسية بذلك.
وعندئذ نكون قد أوجدنا عمليًا طريقًا للالتفاف على القيد الزمني الذي وضعه الدستور.
ولا أقول هنا إن الحكومة باطلة دستوريًا؛ فهذا حكم قضائي لا يصدره كاتب أو سياسي، وإنما تختص به المحكمة الاتحادية العليا ضمن صلاحياتها الدستورية. كما أن المسألة تحتمل اجتهادًا دستوريًا آخر يرى أن منح الثقة للعدد المتاح من الوزراء يكفي لقيام الحكومة، وأن الحقائب المتبقية يمكن استكمالها لاحقًا.
لكن وجود هذا الاجتهاد المحتمل لا يلغي السؤال، بل يجعل الحاجة إلى حسمه أكبر.
والسؤال الذي أرى أنه يستحق أن يوضع أمام فقهاء القانون الدستوري، وأعضاء مجلس النواب، والمحكمة الاتحادية العليا هو:
هل تتحقق عبارة «تشكيل الوزارة» الواردة في المادة (76/ثانيًا وثالثًا) بتسمية جزء من أعضاء الوزارة ومنحهم الثقة، أم أن الدستور أوجب على رئيس مجلس الوزراء المكلف تسمية أعضاء وزارته كاملة خلال مدة الثلاثين يومًا؟
ويتفرع عن ذلك سؤال آخر:
هل يستطيع مجلس النواب، بمنح الثقة لتشكيلة ناقصة، أن يوقف الأثر الدستوري لانتهاء مدة الثلاثين يومًا، ثم يترك استكمال الوزارة بلا سقف زمني؟
: هذه ليست أسئلة شكليةالدساتير لا تضع المدد عبثًا. المدة الدستورية قيد على السلطة، وليست مجرد موعد تنظيمي يمكن تجاوزه بالتوافق السياسي. وحين ينص الدستور على ثلاثين يومًا لتشكيل الوزارة، ثم يرتب على الإخفاق تكليف مرشح جديد، فإنه يريد منع عملية تشكيل السلطة التنفيذية من التحول إلى مفاوضات مفتوحة بلا نهاية.
والأخطر أن قبول هذه السابقة اليوم قد يتحول غدًا إلى عرف دستوري. وعندها لن نكون أمام حالة استثنائية تخص حكومة بعينها، وإنما أمام قاعدة عملية جديدة تقول: يكفي أن يشكل المكلف جزءًا من الحكومة خلال المدة الدستورية، أما البقية فيمكن استكمالها لاحقًا متى انتهت المفاوضات السياسية.
وهنا تتحول الاستثناءات السياسية بالتدريج إلى أعراف دستورية غير مكتوبة، وقد تنتهي الأعراف إلى تعطيل النص المكتوب نفسه.
لهذا فإن السؤال ليس موجهًا ضد شخص رئيس الوزراء ولا ضد حكومته. إنه سؤال يتعلق بحماية الدستور من أن تبتلعه ضرورات التوافق السياسي.
هل تشكلت الحكومة دستوريًا أصلًا؟
لا ينبغي أن يبقى هذا السؤال في الصحافة وحدها. إنه سؤال يستحق جوابًا دستوريًا واضحًا؛ لأن القضية في النهاية ليست عدد الوزراء فقط، وإنما أيهما يحكم عملية تشكيل السلطة في العراق: النص الدستوري أم ضرورات التوافق السياسي؟



اضف تعليق