المواجهة الأمريكية–الإيرانية كشفت أزمة في هيبة الولايات المتحدة وردعها، لا انهيارًا في قوتها العسكرية. قدرة إيران على استهداف المصالح والقواعد الأمريكية أضعفت صورة التفوق المطلق، ودفعت الحلفاء إلى إعادة تقييم الثقة بالضمانات الأمريكية. الأخطر أن تتحول التجربة إلى سابقة تشجع قوى أخرى على اختبار حدود واشنطن، بما يعزز...
مقدمة
لم تعد القوة الأمريكية في النظام الدولي تُقاس بحجم الترسانة النووية فحسب، أو عدد حاملات الطائرات، أو الانتشار العسكري الواسع في مختلف القارات، وإنما بقدرة الولايات المتحدة على إقناع الخصوم بأن كلفة تحديها ستكون أعلى من قدرة أي دولة على تحملها. وهذه هي جوهرية مفهوم الردع في الاستراتيجية الأمريكية؛ إذ إن القوة لا تحقق أهدافها بمجرد امتلاكها، بل عندما تقترن بالمصداقية والقدرة على استخدامها وفرض نتائجها.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تكتسب المواجهة الأمريكية–الإيرانية في عام 2026 أهميتها الاستراتيجية. فالحرب التي بدأت بضربات أمريكية وإسرائيلية ضد إيران تحولت إلى مواجهة مباشرة واسعة، ردت خلالها إيران بضربات صاروخية على مواقع وقواعد تستضيف القوات الأمريكية في المنطقة. وقد أكدت التقارير الحديثة استمرار استهداف القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، فيما أكدت أخرى سقوط قتلى أمريكيين نتيجة هجمات إيرانية.
لا تعني هذه التطورات أن الولايات المتحدة أصبحت قوة ضعيفة أو أن إيران أصبحت مساوية لها عسكريًا؛ إذ إن الفارق في القدرات التقليدية والاقتصادية والتكنولوجية لا يزال هائلًا. لكن الإشكالية الأعمق تكمن في تآكل صورة الولايات المتحدة بوصفها قوة لا يمكن ردعها أو إيلامها، وفي انتقال الخصم الإقليمي من موقع المتلقي للضربة إلى موقع القادر على فرض تكاليف استراتيجية على القوة العظمى.
ومن هنا يمكن القول إن المسألة ليست هزيمة عسكرية أمريكية بالمعنى التقليدي، وإنما أزمة في الهيبة والردع والمصداقية الاستراتيجية، وهي عناصر قد يكون تأثيرها في النظام الدولي أبعد مدى من نتائج معركة عسكرية محددة.
أولًا: من احتكار القوة إلى قابلية القوة الأمريكية للاستهداف
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بنت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من مكانتها الدولية على ثلاث ركائز رئيسة مترابطة:
1. التفوق العسكري والتكنولوجي.
2. شبكة التحالفات والقواعد العسكرية.
3. الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تستطيع حماية مصالحها ومصالح حلفائها، ومعاقبة من يتحداها.
ولذلك فإن استهداف القوات الأمريكية في قواعدها الخارجية لا يمثل مجرد حدث عسكري عابر، بل يحمل قيمة رمزية ونفسية واستراتيجية.
والأهم في الحالة الإيرانية أن الضربات لم تأتِ من قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة، كالاتحاد السوفيتي سابقًا أو الصين حاليًا، وإنما من دولة إقليمية تواجه الولايات المتحدة في ظروف اقتصادية وعسكرية أقل بكثير من قدراتها.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية؛ فكلما كان الفاعل أقل قوة مقارنة بالولايات المتحدة، ازدادت القيمة الرمزية لقدرته على اختراق منظومة الردع الأمريكية.
إلا أنه ينبغي هنا تجنب المبالغة التاريخية؛ فقد تعرضت القوات والمنشآت الأمريكية لهجمات خطيرة في فترات سابقة، كما وقع هجوم صاروخي إيراني على قاعدة عين الأسد في العراق عام 2020. الجديد في المواجهة الحالية هو اتساع نطاق المواجهة، وتكرار الضربات، وتداخلها مع حرب مباشرة طويلة نسبيًا، وما ترتب عليها من تهديد مستمر للقواعد والقوات الأمريكية والممرات البحرية والمصالح الإقليمية.
وتشير التحليلات المنشورة خلال الحرب إلى أن إيران استطاعت تطوير قدرة صاروخية أكثر دقة، وأن استهداف القواعد الأمريكية أصبح عنصرًا مركزيًا في استراتيجية الضغط الإيرانية.
ثانيًا: الانكسار الحقيقي هو انكسار المسلّمة النفسية وليس انهيار القوة
لعل من الخطأ مساواة تراجع الهيبة بانهيار القوة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك أكبر اقتصاد عالمي تقريبًا، وقوة عسكرية ضخمة، وانتشارًا عالميًا، وقدرات استخبارية وجوية وبحرية لا تمتلكها إيران.
لكن الهيبة شيء مختلف عن القوة المادية. فالهيبة تعني أن الخصم يعتقد أن استخدام القوة ضد الولايات المتحدة سيؤدي إلى نتائج كارثية بالنسبة إليه. فإذا بدأت هذه القناعة بالتراجع، فإن القوة المادية نفسها تصبح أقل قدرة على تحقيق أهدافها. بمعنى: إذا ما قبل الخصم التحدي، سقط الردع وتآكلت الهيبة.
ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة تدمير إيران؟ فالجواب، من حيث القدرة العسكرية البحتة، مختلف عن السؤال الأهم: هل تستطيع الولايات المتحدة استخدام تفوقها العسكري لتحقيق أهداف سياسية مستدامة، دون أن تتحول الحرب إلى استنزاف، ودون أن يفقد حلفاؤها الثقة بضماناتها؟
وهنا تكمن المعضلة. فقد أشارت تحليلات استراتيجية إلى أن الحرب أضعفت الردع الأمريكي وألحقت ضررًا بمصداقية الولايات المتحدة لدى شركائها، فضلًا عن تأثيرها في الجاهزية الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ثالثًا: إيران كسابقة استراتيجية يمكن أن تقلدها قوى أخرى
أخطر نتائج المواجهة الإيرانية ليست بالضرورة ما حدث في ساحات القتال، وإنما الدرس الذي قد يستخلصه الآخرون منها. فإذا توصلت دول أخرى إلى أن الولايات المتحدة تستطيع أن تتلقى ضربات، وأنها قد تتردد في الانتقال إلى حرب شاملة، وأن مصالحها وقواعدها الخارجية يمكن استهدافها دون أن يؤدي ذلك تلقائيًا إلى إسقاط النظام المهاجم، فإن حسابات المخاطر لدى خصوم واشنطن ستتغير.
وهنا تظهر ظاهرة يمكن تسميتها: انتقال العدوى الاستراتيجية؛ أي إن نجاح دولة في اختبار حدود القوة الأمريكية يشجع دولًا أخرى على اختبار الحدود ذاتها.
ولا يعني ذلك أن الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية أو غيرها ستكرر التجربة الإيرانية حرفيًا؛ إذ لكل منها حساباته وقدراته ومسرح عملياته. بيد أن التجربة الإيرانية قد تنتج ثلاثة استنتاجات عامة:
أولًا: القواعد الأمريكية المنتشرة حول العالم ليست محصنة بصورة مطلقة.
ثانيًا: الانتشار العسكري الواسع، الذي كان مصدر قوة أمريكية، يمكن أن يتحول إلى مصدر هشاشة عندما تصبح تلك القواعد أهدافًا لصواريخ وطائرات مسيرة وحرب سيبرانية وأشكال أخرى من الحرب غير المتكافئة.
ثالثًا: يمكن لقوة إقليمية أن ترفع تكلفة التدخل الأمريكي إلى درجة تجعل واشنطن مضطرة إلى إعادة حساباتها السياسية. وهذا تحديدًا ما يجعل الحرب الإيرانية قضية تتجاوز الشرق الأوسط.
رابعًا: أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وحلفائها
ربما يكون هذا الجانب أخطر من الخسائر العسكرية المباشرة. فالتحالفات الدولية تقوم على الثقة المتبادلة. وحلفاء الولايات المتحدة لا يحتاجون فقط إلى السلاح الأمريكي، بل يحتاجون إلى اليقين بأن الولايات المتحدة ستستخدم قوتها عندما تتعرض مصالحهم للخطر.
لكن الحرب الإيرانية طرحت سؤالًا جديدًا أمام دول عديدة: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضمن أمن حلفائها إذا أصبحت مصالحها موزعة على جبهات متعددة؟
والسؤال ليس نظريًا؛ فقد ظهرت بالفعل مؤشرات على إعادة تقييم بعض الدول لاعتمادها الأمني على الولايات المتحدة. فقد أشارت تقارير حديثة إلى اتجاه دول خليجية إلى البحث عن ترتيبات أمنية أكثر استقلالًا، كما ظهرت تحركات لتشكيل أطر دفاعية جديدة خارج المظلة الأمريكية التقليدية، بعد تخلي الولايات المتحدة أو عدم قدرتها على الذب عنها إبان الهجمات الإيرانية عليها.
وفي آسيا أيضًا، برزت مخاوف من أن يؤدي تركيز الموارد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط إلى إضعاف الحضور الأمريكي في المحيطين الهندي والهادئ؛ إذ أثار نقل حاملة طائرات أمريكية من اليابان إلى الشرق الأوسط مخاوف بشأن وجود فجوة مؤقتة في الردع الأمريكي في غرب المحيط الهادئ.
وهنا تتبلور مشكلة استراتيجية عميقة: كلما زادت الجبهات التي تحتاج الولايات المتحدة إلى حماية حلفائها فيها، ازدادت صعوبة الحفاظ على مستوى الردع نفسه في كل الجبهات.
خامسًا: الحليف الذي يعتمد على القوة الخارجية أكثر عرضة لاهتزاز الثقة
تنطبق هذه الإشكالية بصورة خاصة على الكيان الإسرائيلي. فإسرائيل تمتلك قدرات عسكرية واستخبارية وتكنولوجية متقدمة، ولا يصح اختزال قوتها في الدعم الأمريكي وحده. إلا أن علاقتها بالولايات المتحدة تمثل أحد أهم أعمدة منظومتها الأمنية والاستراتيجية.
وتؤكد البيانات البحثية الأمريكية أن التعاون العسكري بين البلدين عميق ومؤسسي، وأن المساعدات الأمريكية أسهمت على مدى عقود في تعزيز التفوق العسكري الإسرائيلي.
لكن هذه العلاقة تحمل في الوقت نفسه مفارقة استراتيجية؛ حيث أصبح أمن إسرائيل أكثر ارتباطًا بالدعم الأمريكي المباشر، وأصبح تراجع المصداقية الأمريكية عاملًا مؤثرًا في الحسابات الإسرائيلية.
فالكيان الإسرائيلي يستطيع أن يخوض عمليات عسكرية، لكنه يواجه مشكلة مختلفة عندما تصبح الحرب متعددة الجبهات وطويلة الأمد، خصوصًا إذا احتاج إلى استمرار الدعم الأمريكي في مجالات الذخائر والدفاع الجوي والاستخبارات والدعم السياسي.
ومن هنا فإن تراجع الردع الأمريكي لا يعني سقوط إسرائيل السريع عسكريًا، لكنه قد يؤدي إلى تغيير حسابات الخصوم تجاهها.
سادسًا: أخطر ما يمكن أن يحدث لإسرائيل هو تغير معادلة الردع المحيطة بها
طوال عقود، اعتمدت إسرائيل على مزيج من التفوق العسكري والدعم الأمريكي والتفوق النوعي، فضلًا عن تفوق استخباري واسع. لكن إذا بدأ الخصوم يعتقدون أن الولايات المتحدة لا تستطيع أو لا ترغب في تحمل تكلفة حرب طويلة دفاعًا عن إسرائيل، فإن المعادلة قد تتغير.
وهنا يمكن أن تظهر ثلاثة آثار:
1. ارتفاع جرأة الخصوم: إذا اعتقد خصوم إسرائيل أن التدخل الأمريكي أصبح أقل ضمانًا، فقد ترتفع لديهم الرغبة في اختبار حدود القوة الإسرائيلية.
2. زيادة العبء على الجيش الإسرائيلي: كلما انخفضت قدرة الولايات المتحدة على توفير الدعم أو الردع، ازدادت الحاجة إلى أن تتحمل إسرائيل وحدها تكاليف الدفاع عن جبهات متعددة.
3. إعادة النظر في مفهوم التفوق الإسرائيلي: التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق النصر السياسي. وقد أظهرت تجارب السنوات الأخيرة أن امتلاك القوة النارية لا يضمن بالضرورة تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد.
سابعًا: الحرب قد تقلب وظيفة القواعد الأمريكية من مصدر قوة إلى مصدر استنزاف
من أبرز مفارقات القوة الأمريكية أن الانتشار العالمي الذي منح الولايات المتحدة القدرة على التدخل السريع قد يتحول في عصر الصواريخ الدقيقة والمسيرات إلى شبكة واسعة من الأهداف.
فالقواعد الأمريكية في الخليج وبلاد الشام والعراق ومناطق أخرى ليست مجرد مواقع عسكرية، بل إنها نقاط ارتكاز للنظام الأمريكي في الشرق الأوسط. لكنها في الوقت نفسه أهداف يمكن استهدافها.
وقد أظهرت الحرب الإيرانية أن إيران لا تحتاج إلى تدمير القوة الأمريكية بالكامل؛ إنما يكفيها أن تجعل الوجود الأمريكي مكلفًا وخطيرًا وغير مريح سياسيًا.
وهذه هي فلسفة الحرب غير المتكافئة؛ أي إنك لا تنتصر على خصمك بتدميره، بل تجعله عاجزًا عن استخدام تفوقه بكفاءة.
ثامنًا: من الردع الأمريكي إلى الردع المتبادل
من أخطر التحولات المفاهيمية التي أفرزتها المواجهة الإيرانية الانتقال من نموذج: الولايات المتحدة تردع إيران، إلى نموذج: الولايات المتحدة وإيران تردع كل منهما الأخرى عن تجاوز حدود معينة.
وهذا تحول نوعي، ذلك أن إيران لا تحتاج إلى امتلاك قوة أمريكية مساوية لها حتى تحقق الردع؛ بل يكفيها امتلاك قدرات تجعل الولايات المتحدة تعرف أن توجيه ضربة جديدة سيؤدي إلى تكلفة كبيرة.
وقد ظهر ذلك في تطورات مضيق هرمز، الذي تحول إلى ورقة استراتيجية في يد إيران، وفي المخاوف الأمريكية والإقليمية من تداعيات استمرار المواجهة على الطاقة والملاحة. وهنا يصبح عنصر التكلفة أهم من عنصر التفوق.
تاسعًا: الانكفاء الأمريكي المحتمل لا يعني الانسحاب، بل إعادة تعريف الأولويات
لا ينبغي فهم الانكفاء الأمريكي باعتباره خروجًا سريعًا من الشرق الأوسط أو انهيارًا للنفوذ الأمريكي. لعل الأرجح أن يكون الانكفاء، إذا استمر، نسبيًا وانتقائيًا.
فالولايات المتحدة قد تعيد ترتيب أولوياتها على النحو الآتي:
1. تقليل الحروب البرية المباشرة.
2. الاعتماد بصورة أكبر على الحلفاء المحليين.
3. استخدام العقوبات والضغط الاقتصادي.
4. توظيف التفوق الجوي والبحري بدل الاحتلال العسكري.
5. تقليل الانتشار في بعض المناطق.
6. تركيز الموارد الكبرى على الصين والمحيط الهادئ.
7. الاعتماد على التحالفات الإقليمية بدل تحمل العبء منفردة.
وهذا الاتجاه بدأ يظهر في النقاشات الاستراتيجية الأمريكية، خصوصًا مع المخاوف من أن استنزاف الموارد في الشرق الأوسط قد يأتي على حساب الردع في آسيا.
عاشرًا: أثر المواجهة على النظام الدولي
إذا فقدت الولايات المتحدة جزءًا من هيبتها، فإن المشكلة لا تبقى أمريكية. فالهيمنة الدولية تقوم على الاعتقاد الجماعي بقدرة القوة المهيمنة على فرض القواعد. وعندما يتغير هذا الاعتقاد، تبدأ الدول في تنويع خياراتها.
وقد نشهد نتيجة لذلك:
1. زيادة الاتجاه نحو التسلح الذاتي.
2. تنامي التحالفات الإقليمية.
3. توسع العلاقات العسكرية مع روسيا والصين.
4. زيادة استخدام العملات والترتيبات المالية البديلة.
5. تراجع الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية.
6. تصاعد النزعات الاستقلالية في السياسة الخارجية.
7. زيادة استعداد القوى الإقليمية لاختبار حدود القوة الأمريكية.
وهكذا فإن الخطر على الولايات المتحدة لا يتمثل في أن تخسر حربًا واحدة، وإنما في أن تتحول هذه الحرب إلى سابقة نفسية وسياسية.
حادي عشر: من أحادية القطبية إلى تعددية أكثر اضطرابًا
لم يعد النظام الدولي اليوم نظامًا أحادي القطبية بالمفهوم الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فالولايات المتحدة لا تزال القوة الأكبر، لكن الصين وروسيا وقوى إقليمية أخرى تمتلك قدرات تسمح لها بتقييد حرية الحركة الأمريكية في مناطق محددة.
ومن هنا فإن المواجهة الإيرانية قد تكون جزءًا من مسار أوسع يتمثل في انتقال النظام الدولي من الهيمنة الأمريكية شبه المنفردة إلى تعددية قطبية تنافسية وغير مستقرة.
وفي هذه البيئة لا تختفي القوة الأمريكية، وإنما تفقد شيئًا من قدرتها على فرض إرادتها منفردة.
ثاني عشر: المفارقة الاستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية
تكمن إحدى أهم مفارقات الحرب في أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: الدفاع عن إسرائيل يستهلك جزءًا من القوة الأمريكية، لكن عدم الدفاع عنها قد يضر بمصداقية الولايات المتحدة أمام حلفائها.
وبالتالي فإن إسرائيل، من منظور الاستراتيجية الأمريكية، ليست مجرد حليف يمكن دعمه أو التخلي عنه بسهولة، وإنما أصبحت جزءًا من اختبار المصداقية الأمريكية.
لكن المشكلة أن استمرار الحروب المرتبطة بإسرائيل قد يدفع بعض الدول إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أصبحت أسيرة لالتزامات إقليمية تستهلك مواردها وتحد من قدرتها على التركيز على المنافسة الكبرى مع الصين وروسيا.
وهذه المعضلة قد تؤدي مستقبلًا إلى إعادة تعريف العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، لا بالضرورة عبر الانفصال، وإنما عبر محاولة الولايات المتحدة تقليل اعتماد إسرائيل على التدخل الأمريكي المباشر، وتحميلها قدرًا أكبر من مسؤولية أمنها الإقليمي.
ثالث عشر: هل يعني ذلك نهاية العصر الأمريكي؟
لربما يكون القول بنهاية العصر الأمريكي مبالغة علمية. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك عناصر قوة لا يمكن تجاهلها:
1. اقتصادًا ضخمًا.
2. الدولار بوصفه العملة الاحتياطية الرئيسة.
3. تفوقًا تكنولوجيًا.
4. قدرات عسكرية عالمية.
5. شبكة تحالفات واسعة.
6. تفوقًا بحريًا وجويًا.
7. منظومة جامعات ومراكز بحث وابتكار.
8. نفوذًا سياسيًا وثقافيًا عالميًا.
لكن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات والقوى الكبرى لا تفقد مكانتها في لحظة واحدة، إذ إن التراجع يبدأ عادة عندما تتسع الفجوة بين حجم القوة المادية والقدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية.
ومن هذه الزاوية تمثل التجربة الإيرانية اختبارًا مهمًا للولايات المتحدة. فإذا ما تمكنت الولايات المتحدة من احتواء الحرب، واستعادة الردع، وإعادة بناء الثقة مع الحلفاء، فإن آثار المواجهة ستبقى محدودة.
أما إذا استمرت الحرب دون تحقيق أهداف سياسية واضحة، وواصلت إيران إلحاق التكاليف بالقوات الأمريكية، واستمرت الدول الحليفة في البحث عن بدائل أمنية، فإن الضرر سيكون أعمق بكثير.
رابع عشر: السيناريوهات المستقبلية
يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسة:
السيناريو الأول: استعادة الردع الأمريكي
تنجح الولايات المتحدة في إنهاء الحرب بشروط تحقق لها قدرًا من الأهداف السياسية، وتعيد بناء الثقة مع حلفائها، فتتحول المواجهة الإيرانية إلى أزمة مؤقتة.
السيناريو الثاني: الردع المتبادل
تستمر الولايات المتحدة في الاحتفاظ بتفوقها، لكن إيران تثبت قدرتها على إلحاق تكاليف كبيرة بها، فتنتقل المنطقة إلى توازن ردع هش.
السيناريو الثالث: الانكفاء الأمريكي التدريجي
تقرر الولايات المتحدة أن تكلفة الشرق الأوسط أكبر من فوائده الاستراتيجية، فتخفض وجودها العسكري المباشر وتتجه إلى إدارة المنطقة من الخلف عبر الحلفاء.
السيناريو الرابع: تعدد مراكز القوة
تتسارع عملية إعادة تشكيل النظام الدولي، فتظهر تحالفات إقليمية جديدة، وتزداد أدوار الصين وروسيا، وتصبح القوى الإقليمية أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة.
والسيناريو الرابع هو الأخطر على المدى البعيد إذا تزامن مع تراجع الثقة الأمريكية، وهو الأرجح.
خامس عشر: الخلاصة والاستنتاج الاستراتيجي
إن جوهر التحول الذي أفرزته المواجهة الأمريكية–الإيرانية لا يتمثل في أن إيران أصبحت أقوى من الولايات المتحدة، فهذا استنتاج غير صحيح من الناحية العسكرية. لكنها أثبتت شيئًا أكثر أهمية: أن التفوق الأمريكي لا يمنح الولايات المتحدة حصانة من الرد، وأن دولة إقليمية تستطيع، باستخدام الصواريخ والقدرات غير المتكافئة والجغرافيا الاستراتيجية، أن تفرض على القوة العظمى تكاليف حقيقية وأن تقيد حرية حركتها.
وهنا تكمن قيمة المواجهة. فإذا تحولت هذه القناعة إلى اعتقاد راسخ لدى خصوم الولايات المتحدة، فإن الردع الأمريكي سيتعرض لتآكل تدريجي. وإذا انتقلت القناعة نفسها إلى حلفائها، فإن المشكلة تصبح أخطر؛ ذلك أن القوة العظمى لا تعيش على القوة وحدها، وإنما على ثقة الحلفاء بقدرتها على استخدام تلك القوة في الوقت والمكان المناسبين.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن المسألة أكثر حساسية؛ إذ إن استمرار اعتماد أمنها الاستراتيجي بدرجة كبيرة على المظلة الأمريكية يجعل أي تراجع في المصداقية الأمريكية ينعكس بصورة مباشرة على البيئة الأمنية المحيطة بها. ولذلك فإن تآكل الردع الأمريكي قد لا يؤدي إلى سقوط إسرائيل سريعًا، لكنه قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف بقائها في بيئة إقليمية أكثر تعددية وأقل خضوعًا للردع الأمريكي.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي على الولايات المتحدة ليس أن تتلقى ضربة إيرانية، وإنما أن يتحول تلقي الضربة إلى درس استراتيجي عالمي. فإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع أن تُضرب، وإذا كانت قواعدها قابلة للاستهداف، وإذا كان بإمكان خصم إقليمي أن يفرض عليها كلفة سياسية وعسكرية ثقيلة، فإن هيبتها لم تعد حقيقة مطلقة، وإنما أصبحت متغيرًا يمكن اختباره.
وعند هذه النقطة يبدأ التحول من نظام يقوم على ردع أمريكي شبه منفرد إلى نظام أكثر تعددية، تتوزع فيه القوة بين دول كبرى وقوى إقليمية، وتصبح التحالفات أكثر مرونة، والضمانات الأمنية أقل يقينًا، والسياسة الدولية أكثر قابلية للمساومة والمواجهة.
وبذلك فإن الانكفاء الأمريكي المحتمل لا ينبغي أن يُفهم بوصفه هزيمة عسكرية أو انهيارًا للقوة الأمريكية، بل بوصفه إعادة تموضع تاريخية للقوة الأمريكية تحت ضغط تعدد الجبهات، وتراجع اليقين لدى الحلفاء، وارتفاع قدرة الخصوم على فرض تكاليف على الولايات المتحدة.
وهذا هو جوهر التحول الاستراتيجي الذي ينبغي مراقبته في السنوات المقبلة؛ ليس هل ستبقى الولايات المتحدة القوة الأقوى في العالم، وإنما هل ستظل القوة التي تستطيع فرض إرادتها منفردة، أم ستصبح القوة الأقوى داخل نظام دولي لم يعد يسمح لها بالتصرف منفردة كما كان الحال في العقود التي أعقبت الحرب الباردة؟
وتشير التطورات الجارية بالفعل إلى أن هذا السؤال لم يعد أكاديميًا صرفًا؛ فالحرب دفعت دولًا في الخليج وآسيا إلى إعادة التفكير في مستوى اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، بينما كشفت الحرب نفسها عن صعوبة الجمع بين الالتزامات الأمريكية المتعددة في الشرق الأوسط والمحيطين الهندي والهادئ.
وعليه، فإن الانكسار الأخطر للهيبة الأمريكية ليس انكسارًا في ميزان القوة العسكرية، بل انكسارًا في احتكار تعريف الممكن في السياسة الدولية؛ أي إن الخصوم والحلفاء بدأوا يدركون أن للولايات المتحدة حدودًا، وأن معرفة هذه الحدود واختبارها يمكن أن تصبح بحد ذاتها مصدرًا جديدًا للقوة.



اضف تعليق