هل سنكتفي بإحصاء أعداد الزائرين كل عام، أم سننجح في تحويل هذه الملايين إلى لغة عالمية يفهمها الجميع؟ وهل سيبقى العالم يتعرف إلى الأربعين عبر أخبار عابرة، أم يأتي يوم تصبح فيه هذه الزيارة إحدى أهم دراسات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين، ونموذجًا إنسانيًا يُدرَّس في الإعلام...
هناك أحداثٌ تصنعها السياسة، وأحداثٌ تصنعها الجغرافيا، وأخرى تفرضها الحروب، غير أن بعض الظواهر الإنسانية تنشأ من المجتمع نفسه، ثم تنمو حتى تصبح أكبر من قدرة أي مؤسسة على احتوائها. وزيارة الأربعين تنتمي إلى هذا النوع الأخير؛ فهي ليست تجمعًا جماهيريًا عابرًا، ولا مناسبة دينية محصورة بأتباع مذهب معين، وإنما ظاهرة اجتماعية وإنسانية أخذت تتطور عامًا بعد آخر حتى أصبحت واحدة من أكبر التجمعات البشرية السلمية في العالم.
ورغم هذا الحجم الاستثنائي، ما تزال صورة الأربعين في الإعلام العالمي أقل بكثير من حجمها الحقيقي. فالعالم يشاهد أجزاءً متفرقة من الحدث، بينما تغيب عنه الفلسفة التي تقف خلف ملايين البشر الذين يسيرون مئات الكيلومترات دون مقابل، ويطعمون الغرباء، ويخدمونهم، ويتعايشون معهم في فضاء تتراجع فيه الفوارق القومية واللغوية والاجتماعية.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز حدود الإعلام: لماذا لم تتحول الأربعين حتى الآن إلى واحدة من أهم أدوات القوة الناعمة في العالم الإسلامي؟ ولماذا بقيت هذه الظاهرة العملاقة أسيرة التغطيات الموسمية، بينما تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون مدرسة عالمية في السلم المجتمعي، والتكافل، والعمل التطوعي، والحوار بين الثقافات؟
الإعلام يصنع معنى الحدث
في الدراسات الإعلامية الحديثة، لا تقاس أهمية الحدث بعدد المشاركين فيه فقط، وإنما بالمعنى الذي يصل إلى الجمهور العالمي. فالحدث قد يكون ضخمًا، لكنه يظل محليًا إذا عجز الإعلام عن تحويله إلى قصة إنسانية يفهمها الجميع.
ولهذا يرى كثير من خبراء الاتصال أن الإعلام لم يعد ناقلًا للوقائع فقط، بل أصبح صانعًا للإدراك العام (Public Perception)، أي إنه يحدد الطريقة التي يفكر بها الناس تجاه أي قضية.
ومن هنا تبدو زيارة الأربعين أمام تحدٍّ مختلف؛ فالقضية لم تعد زيادة ساعات البث المباشر، ولا مضاعفة أعداد الكاميرات، وإنما إنتاج سردية إعلامية عالمية تستطيع أن تشرح لماذا يسير ملايين البشر بهذه الروح، وما الذي يجعل الخدمة المجانية تستمر أيامًا طويلة دون أن تتحول إلى فوضى أو صراع.
أكبر مختبر للقيم الإنسانية
حين يراقب الباحثون الغربيون المجتمعات، فإنهم يبحثون عادة عن مؤشرات الثقة الاجتماعية، والعمل التطوعي، ورأس المال الاجتماعي، والتماسك الأهلي. وجميع هذه المفاهيم تتجسد بصورة عملية في زيارة الأربعين.
ففي أيام معدودة تنشأ مدينة بشرية مفتوحة تمتد مئات الكيلومترات، تقدم الطعام، والسكن، والعلاج، والإرشاد، والنقل، بلا تعاقدات تجارية، ولا حملات تسويقية، ولا أرباح مالية. هذه ليست مجرد شعيرة دينية. إنها نموذج اجتماعي متكامل يستحق أن يُدرس في كليات الإدارة، والاقتصاد، وعلم الاجتماع، والإعلام.
ولهذا فإن قيمة الأربعين لا تكمن في عدد الزائرين فقط، وإنما في قدرتها على إنتاج منظومة أخلاقية تعمل بصورة تلقائية، حيث تتحول الخدمة إلى ثقافة، والاحترام إلى سلوك يومي، والتعاون إلى ممارسة جماعية.
لماذا لا يرى العالم هذه الصورة كاملة؟
جزء من المشكلة يعود إلى الإعلام الدولي نفسه، الذي يخضع لأولويات سياسية واقتصادية، فتتفاوت مساحة الاهتمام بالأحداث تبعًا للمصالح، وليس وفقًا لحجم الظاهرة دائمًا. وجزء آخر يرتبط بالإعلام المحلي والإسلامي. فالعديد من التغطيات ما تزال تتوجه إلى الجمهور الذي يعرف الأربعين أصلًا، بينما يبقى المتلقي العالمي خارج دائرة الاهتمام. ولهذا تظهر الحاجة إلى تغيير زاوية السرد.
فالإنسان في أوروبا أو أمريكا أو شرق آسيا قد لا يعرف تفاصيل التاريخ الإسلامي، لكنه يفهم معنى التطوع، ويحترم ثقافة الضيافة، ويتفاعل مع قصص الرحمة، ويهتم بالنماذج الإنسانية التي تجمع الناس بدل أن تفرقهم.
ومن هنا تصبح القصة الإنسانية أكثر تأثيرًا من الخطاب التقليدي. من التغطية إلى صناعة الرواية، الإعلام المؤثر لا يكتفي بوصف ما يحدث، إنه يبحث عن السؤال الذي يشغل الإنسان. كيف تعمل آلاف المواكب دون إدارة مركزية؟ كيف تُقدَّم ملايين الوجبات يوميًا؟ كيف ينام الناس بأمان وسط هذا العدد الهائل؟ كيف يتحول الغرباء إلى عائلة واحدة؟ كيف يختفي الشعور بالغربة بمجرد الدخول إلى طريق الأربعين؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع الفضول العالمي.
أما الاقتصار على نقل الصور واللقطات المتكررة، فإنه يحرم الحدث من فرصة الوصول إلى جمهور جديد.
الإعلام الرقمي... الفرصة الأكبر
اليوم لم تعد الفضائيات وحدها تصنع الرأي العام. فمنصات التواصل الاجتماعي، والأفلام الوثائقية القصيرة، والبودكاست، والخرائط التفاعلية، والذكاء الاصطناعي، أصبحت أدوات أكثر قدرة على الوصول إلى الشباب في مختلف أنحاء العالم. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي يبدأ بإنتاج محتوى متعدد اللغات، يخاطب الثقافات المختلفة بلغتها، ويقدم الأربعين باعتبارها تجربة إنسانية يمكن للجميع فهمها. فالصورة التي يلتقطها زائر أجنبي وهو يتلقى الطعام من طفل عراقي قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات البيانات والخطب.
ماذا يقول خبراء الإعلام؟
يشير عدد من خبراء الاتصال الاستراتيجي إلى أن الأحداث الكبرى تتحول إلى علامات عالمية عندما تتوافر فيها ثلاثة عناصر رئيسة:
رواية إنسانية واضحة.
إنتاج إعلامي احترافي متعدد اللغات.
استمرارية في الحضور طوال العام، لا خلال أيام الحدث فقط.
ويرى مختصون في الإعلام الرقمي أن زيارة الأربعين تمتلك مخزونًا هائلًا من القصص الواقعية القادرة على الوصول إلى مختلف الشعوب، غير أن هذا المخزون ما يزال بحاجة إلى مؤسسات متخصصة في صناعة المحتوى، وإدارة السرد البصري، وتحويل التجارب الفردية إلى رسائل عالمية.
كما يؤكد باحثون في القوة الناعمة أن العالم يتفاعل اليوم مع القيم أكثر من الشعارات، وأن المجتمعات التي تستطيع تقديم نموذج عملي للتكافل والتسامح والعمل التطوعي تكسب احترامًا دوليًا يتجاوز تأثير الخطاب السياسي.
الأربعين بوصفها قوة ناعمة
القوة الناعمة، بحسب المفهوم الذي طوّره علماء العلاقات الدولية، تقوم على الإقناع والجاذبية الثقافية، لا على الإكراه. ومن هذه الزاوية، تمتلك الأربعين عناصر نادرة:
أكبر شبكة تطوع شعبية في العالم.
ثقافة مجانية للعطاء.
تعايش بين قوميات ولغات متعددة.
أمن اجتماعي يعتمد على الثقة المتبادلة.
حضور أخلاقي يسبق الانتماءات الضيقة.
وحين تُقدَّم هذه العناصر للعالم بلغة إنسانية، فإنها تستطيع أن تعيد تشكيل كثير من الصور النمطية عن الإسلام، وعن المجتمعات الإسلامية، بعيدًا عن مشاهد العنف التي احتكرت مساحة واسعة في الإعلام الدولي خلال العقود الماضية.
الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان
الاستثمار في الأربعين لا يقتصر على بناء استوديوهات أو شراء معدات حديثة.
الاستثمار يبدأ بصناعة الإنسان الإعلامي.
إعلامي يعرف كيف يحول الموقف الصغير إلى رسالة كونية.
ومصور يدرك أن ابتسامة خادم قد تختصر فلسفة كاملة.
وكاتب يستطيع أن ينقل للقارئ معنى التضحية بلغة يفهمها أي إنسان مهما كانت خلفيته.
فالرسالة العظيمة تحتاج إلى أدوات تليق بها.
توصيات
إعداد استراتيجية إعلامية دولية خاصة بزيارة الأربعين تمتد طوال العام.
إنشاء مركز متخصص للدراسات الإعلامية الخاصة بالأربعين والقوة الناعمة.
إنتاج أفلام وثائقية وسلاسل رقمية بلغات عالمية متعددة.
تدريب الإعلاميين على السرد القصصي (Storytelling) وصناعة المحتوى الإنساني.
توثيق التجارب الفردية للزائرين الأجانب وتحويلها إلى محتوى عالمي.
تعزيز التعاون مع الجامعات ومراكز البحث لإجراء دراسات علمية حول الظاهرة.
تشجيع القطاع الخاص والمؤسسات الوقفية على الاستثمار المستدام في الإعلام الاحترافي.
بناء منصات رقمية تعتمد البيانات والإحصاءات الدقيقة لتوثيق حجم الحدث وآثاره الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
توسيع حضور صحافة المواطن مع نشر ثقافة التحقق من المعلومات والالتزام بأخلاقيات النشر.
تحويل تجربة الأربعين إلى نموذج عالمي يُعرض في المؤتمرات والمنتديات الدولية بوصفها تجربة ناجحة في التضامن الإنساني والعمل التطوعي.
خاتمة
عندما كان الإمام الحسين عليه السلام يقول: «إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا... وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، كان يؤسس لقضية تتجاوز حدود الزمان والمكان. وزيارة الأربعين هي الامتداد الحي لهذه الرسالة؛ فهي ليست استذكارًا لحدث تاريخي فحسب، وإنما مساحة يتجدد فيها معنى الكرامة، والعطاء، والمسؤولية تجاه الإنسان.
ويبقى السؤال المطروح أمام المؤسسات الإعلامية والثقافية: هل سنكتفي بإحصاء أعداد الزائرين كل عام، أم سننجح في تحويل هذه الملايين إلى لغة عالمية يفهمها الجميع؟ وهل سيبقى العالم يتعرف إلى الأربعين عبر أخبار عابرة، أم يأتي يوم تصبح فيه هذه الزيارة إحدى أهم دراسات القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين، ونموذجًا إنسانيًا يُدرَّس في الإعلام، وعلم الاجتماع، والعلاقات الدولية؟
فقد تمتلك الأمم ثروات هائلة، وقد تمتلك جيوشًا قوية، لكن أثرها يبقى محدودًا إذا عجزت عن تحويل قيمها إلى رسالة يفهمها العالم. والأربعين تمتلك هذه الرسالة، وما تحتاجه اليوم هو إعلام يرتقي إلى مستوى معناها، فيجعل من هذه المسيرة مدرسة عالمية للحوار، واللاعنف، والرحمة، وبناء الإنسان.



اضف تعليق