العالم يحتاج إلى أن يفهم كيف استطاعت هذه الملايين أن تتقن فن العطاء، وأن تبني مجتمعًا مؤقتًا يعمل بالثقة أكثر مما يعمل بالعقود، وبالضمير أكثر مما يعمل بالرقابة، وبالإنسان أكثر مما يعمل بالمصلحة. وهنا تحديدًا تبدأ مهمة صحافة الإنسان؛ لأنها وحدها القادرة على تحويل قصة صغيرة على طريق الأربعين إلى رسالة يفهمها العالم كله...
ليست المشكلة في أن وسائل الإعلام العالمية لا تنقل زيارة الأربعين، فبعضها ينقلها فعلًا. المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي تُنقل بها. فغالبية التغطيات تتوقف عند عدد الزائرين، وطول الطرق، والإجراءات الأمنية، وحركة النقل، فتتحول الزيارة إلى خبر إحصائي ضخم، بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا يحدث للإنسان داخل هذه المسيرة؟
هذه المفارقة تكشف أزمة أعمق تعيشها الصحافة المعاصرة. فقد أصبحت المؤسسات الإعلامية، تحت ضغط المنافسة الرقمية، أكثر اهتمامًا بالأرقام من البشر، وبالحدث من معناه، وبالسرعة أكثر من العمق. ولهذا قد يعرف العالم أن أكثر من عشرين مليون إنسان شاركوا في الأربعين، لكنه لا يعرف كيف استطاع ملايين الغرباء أن يبنوا مدينة أخلاقية مؤقتة تعمل بلا عقود، ولا أجور، ولا سلطة مركزية.
وهنا تبدأ الحاجة إلى نوع مختلف من الإعلام؛ إعلام لا يبحث عن "كم حضر؟"، بل يسأل: "كيف تغيّر الإنسان؟"
الإنسان هو الخبر
منذ عقود طويلة تغيّر مفهوم الخبر الصحفي. ففي مدارس الصحافة التقليدية كان الحدث هو البطل، أما اليوم فقد أصبحت كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية تتجه نحو ما يسمى بالصحافة الإنسانية (Human-centered Journalism)، التي ترى أن القيمة الحقيقية للخبر لا تكمن في الحدث نفسه، بل في أثره على الإنسان.
فعندما تقع كارثة طبيعية، لا يكتفي الصحفي بنقل عدد الضحايا، وإنما يبحث عن قصة الطفل الذي نجا، أو الأم التي فقدت منزلها، لأن الجمهور يتفاعل مع الإنسان أكثر من تفاعله مع الإحصاءات. وهذه القاعدة تنطبق على الأربعين بصورة أوضح.
فالزائر القادم من أقصى آسيا ليخدم زائرًا لا يعرف لغته، والخادم الذي يترك عمله أسبوعين كل عام ليطبخ للناس، والطبيب الذي يحول إجازته السنوية إلى مستشفى ميداني، والطفل الذي يقف ساعات طويلة يوزع الماء... كل هؤلاء ليسوا تفاصيل جانبية، وإنما هم الحدث الحقيقي.
الأرقام تشرح الحجم، لكنها لا تفسر الظاهرة.
قد تقول الإحصاءات إن عدد المواكب تجاوز عشرات الآلاف، لكنها لا تستطيع أن تشرح لماذا يصر صاحب الموكب على الاعتذار إذا رفض الزائر تناول الطعام. وقد تخبرنا التقارير بعدد الوجبات المقدمة، لكنها لا تستطيع تفسير ذلك الشعور الذي يجعل الخادم يعتبر نفسه هو الممتن للزائر، لا العكس. وهنا يفقد الرقم قدرته على التعبير، بينما تبدأ القصة الإنسانية بأداء مهمتها. فالإنسان لا يتذكر بعد سنوات عدد الوجبات التي قُدمت، لكنه يتذكر امرأة عراقية مسنة كانت تنتظر المارة لتقدم لهم كوب ماء، وتقول لكل واحد منهم: "ادعُ لي." ولا يتذكر عدد ساعات السير، لكنه يتذكر رجلًا مسنًا حمل حقيبته عدة كيلومترات ثم اختفى قبل أن يعرف اسمه. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبني الصورة الذهنية، لا البيانات الإحصائية.
ميدان الإعلام الإنساني
إذا أراد باحث إعلامي أن يختبر قدرة الإعلام على صناعة الصورة الذهنية، فلن يجد نموذجًا أكثر ثراءً من الأربعين. فهنا توجد ملايين القصص التي لا تحتاج إلى اختراع. طبيب يعالج آلاف المرضى مجانًا. طالب جامعي ينظف الطريق كل ليلة. عائلة فتحت بيتها بالكامل لزائرين من دول مختلفة. شاب فقد عمله بسبب تفرغه لخدمة الزائرين، ومع ذلك يكرر التجربة كل عام. هذه ليست حوادث منفصلة، وإنما ظاهرة اجتماعية متكررة. ومن هنا تتحول وظيفة الصحفي من ناقل للوقائع إلى مكتشف للمعنى.
تعيش الأخبار ساعات، بينما تعيش القصص سنوات. ولذلك لا تزال صور كثيرة غيّرت الرأي العام العالمي حاضرة في الذاكرة رغم مرور عقود عليها، لأن الإعلام لم يقدمها بوصفها أحداثًا سياسية، وإنما بوصفها تجارب إنسانية. والأربعين تمتلك هذا الرصيد الهائل من القصص، لكنها ما تزال في كثير من الأحيان تُقدَّم بلغة البيانات الرسمية. إن صورة طفل يربط حذاء زائر مسن قد تكون أبلغ في التعريف بقيم الإمام الحسين عليه السلام من عشرات البيانات والخطب. وصورة طبيب يفحص المرضى في خيمة بسيطة قد تختصر فلسفة الخدمة الحسينية كلها.
لماذا تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى تغيير زاوية الرؤية؟
كثير من المؤسسات الإعلامية الشيعية والإسلامية ما زالت تتعامل مع الأربعين باعتبارها مناسبة دينية ينبغي توثيقها. بينما يمكن التعامل معها بوصفها ظاهرة إنسانية عالمية تستحق الدراسة. وهذا يفرض انتقالًا مهنيًا من:
تصوير الحشود إلى تصوير العلاقات الإنسانية.
نقل الشعائر إلى نقل آثار الشعائر.
تغطية المناسبة إلى تفسير الظاهرة.
الحديث عن الخدمة إلى اكتشاف فلسفة الخدمة.
فالصحفي الذي يخرج من الأربعين بعدد كبير من الصور ربما يكون قد أنجز مهمة توثيقية، أما الصحفي الذي يعود بقصة واحدة غيّرت نظرة قارئ بعيد إلى الإسلام، فقد أنجز رسالة إعلامية كاملة.
وفي عالم تتنافس فيه الدول على صناعة الصورة الذهنية أكثر من تنافسها على القوة العسكرية، تصبح القصة الإنسانية أحد أهم أدوات القوة الناعمة. والأربعين تمتلك رأس مال أخلاقيًا هائلًا، لكنه يحتاج إلى ترجمة إعلامية احترافية. فالزائر الأجنبي لا يحتاج أولًا إلى معرفة عدد المشاركين، بقدر حاجته إلى فهم لماذا يقدم إنسان مجهول كل ما يملك لشخص لا يعرفه. هذا السؤال هو الذي يفتح باب الحوار الحضاري. أما الرقم، فيبقى رقمًا.
مدرسة إعلامية جديدة
ربما آن الأوان لأن تنشأ مدرسة إعلامية متخصصة في تغطية الأربعين، لا يكون هدفها زيادة عدد الأخبار، وإنما زيادة عدد القصص التي تكشف البعد الإنساني لهذه التجربة. مدرسة تتعاون فيها كليات الإعلام، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات الدينية، لتوثيق الزيارة بوصفها مختبرًا عالميًا للقيم الإنسانية. فالعالم لا يحتاج إلى معرفة أن الملايين ساروا إلى كربلاء فقط.
العالم يحتاج إلى أن يفهم كيف استطاعت هذه الملايين أن تتقن فن العطاء، وأن تبني مجتمعًا مؤقتًا يعمل بالثقة أكثر مما يعمل بالعقود، وبالضمير أكثر مما يعمل بالرقابة، وبالإنسان أكثر مما يعمل بالمصلحة. وهنا تحديدًا تبدأ مهمة صحافة الإنسان؛ لأنها وحدها القادرة على تحويل قصة صغيرة على طريق الأربعين إلى رسالة يفهمها العالم كله، مهما اختلفت لغاته وثقافاته.
جسر بين الحضارات
قد لا يتذكر العالم بعد سنوات عدد المواكب التي انتشرت على طريق كربلاء، ولا عدد الوجبات التي قُدمت، ولا حتى عدد الكيلومترات التي قطعها الزائرون. لكن من المرجح أن يتذكر قصة طبيب ترك عيادته ليعالج الغرباء مجانًا، أو طفلة حملت كأس ماء لرجل لا تعرف اسمه، أو أسرة فتحت باب بيتها لإنسان جاء من قارة أخرى، ثم ودعته وكأنه فرد من العائلة.
هنا تبدأ الرسالة الحقيقية للإعلام. فالقيم لا تعيش طويلًا داخل الشعارات، وإنما تعيش داخل القصص التي تمنحها وجهًا إنسانيًا وصوتًا وصورة. وكلما اقترب الإعلام من الإنسان، اقترب أكثر من الحقيقة، لأن الإنسان هو المكان الذي تظهر فيه الأفكار وهي تتحول إلى سلوك، والمبادئ وهي تتحول إلى حياة.
لقد امتلكت زيارة الأربعين عبر عقود طويلة رصيدًا أخلاقيًا وإنسانيًا استثنائيًا، بينما ما يزال هذا الرصيد بحاجة إلى لغة إعلامية عالمية تستطيع أن تترجمه إلى خطاب يفهمه الجميع، بعيدًا عن الصور النمطية والقراءات المسبقة. فالحدث الذي يعجز عن إنتاج قصة إنسانية يبقى خبرًا عابرًا، أما الحدث الذي يصنع قصة تمس ضمير الإنسان، فإنه يتحول إلى ذاكرة عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا والدين واللغة.
ومن هنا، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الإعلام: كم مليون إنسان سار إلى كربلاء؟ بل سؤال آخر أكثر تأثيرًا: كم مليون إنسان يمكن أن تتغير نظرته إلى الإسلام عندما يرى هذه القصص؟
توصيات للمؤسسات الإعلامية
إعادة تعريف التغطية الإعلامية للأربعين عبر الانتقال من صحافة الحدث إلى صحافة الإنسان، بحيث تصبح التجربة الإنسانية محور السرد الإعلامي.
تأسيس وحدات متخصصة في صحافة الإنسان داخل المؤسسات الإعلامية، تتولى اكتشاف القصص النوعية وتوثيقها بأساليب مهنية وسردية حديثة.
إنشاء أرشيف وطني ودولي للقصص الإنسانية التي تولد على طريق الأربعين، مع ترجمتها إلى اللغات العالمية لتصبح مادة بحثية وإعلامية ووثائقية.
الاستثمار في الصحافة التفسيرية والتحليلية التي تشرح الظاهرة وأبعادها الحضارية والاجتماعية، بدل الاكتفاء بنقل المشاهد اليومية.
تدريب الإعلاميين على قراءة السلوك الإنساني والاستفادة من علوم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا في بناء المعالجة الإعلامية.
إنتاج أفلام وثائقية وسلاسل رقمية تركز على شخصيات وتجارب فردية، لأن قصة واحدة صادقة قد تحقق أثرًا يفوق مئات التقارير الخبرية.
اعتماد مفهوم القوة الناعمة في التخطيط الإعلامي، عبر تقديم الأربعين بوصفها نموذجًا عالميًا للتطوع، والتكافل، والضيافة، والتعايش، والسلم المجتمعي.
الابتعاد عن اللغة الدعائية المغلقة واستبدالها بخطاب إنساني هادئ يخاطب الضمير العالمي، ويترك للقصة أن تؤدي رسالتها دون مبالغة أو انفعال.
بناء شراكات مع الجامعات ومراكز البحوث لإنتاج دراسات علمية عن التغطية الإعلامية للأربعين، وتحويلها إلى نموذج عالمي في صحافة القيم.
إطلاق جوائز سنوية لصحافة الإنسان في زيارة الأربعين تشجع الصحفيين والمصورين وصناع الأفلام على البحث عن القصص التي تكشف البعد الإنساني والحضاري للمسيرة، لا مجرد توثيق مظاهرها.
بهذا المعنى، تصبح مهمة الإعلام أوسع من نقل الوقائع؛ فهي تسهم في بناء الوعي، وتصحيح الصور الذهنية، وصناعة جسور للحوار بين الشعوب. وعندما تنجح قصة صغيرة وُلدت على طريق الأربعين في أن تفتح نافذة لفهم الإنسان وقيمه، فإن الإعلام يكون قد أدى رسالته بأعمق صورها.



اضف تعليق